وكان ﷺ يقول:
" ما من أمتي من أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة ".
قالوا: وكيف تعرفهم يا رسول الله! في كثرة الخلائق؟ قال:
" أرأيت لو دخلت صِيَرة (*) فيها خيل دُهم بُهم (١)، وفيها فرسٌ أغرُّ
مُحَجَّلٌّ (٢)؛ أما كنت تعرفه منها؟ ". قال: بلى. قال:
_________________
(١) (*) في الأصل: (صبرة) - كما كان سابقًا في " صفة الصلاة "، تبعًا لـ " المسند " -، وقد نقلنا تصحيحها ومعناها من " صفة الصلاة " - المطبوعة - (ص ١٤٩): ﴿(الصِّيَرة): حظيرة تتخذ للدواب من الحجارة، وأغصان الشجر، وجمعها (صِيَر) - كما في " النهاية " -﴾ . والمعنى: مجتمع فيها خيل.
(٢) " دُهم ": جمع أدهم، وهو: الأسود. " بُهم ": جمع بهيم، وهو في الأصل: الذي لا يخالط لونَه لونٌ سواه. - كما في " النهاية " -. وفي " القاموس ": " والبهيم: الأسود، وما لا شية فيه من الخيل - للذكر والأنثى -، والنعجة السوداء، والخالص الذي لم يَشُبْهُ غيره ".
(٣) " أغرّ " من الغرة، وهو: البياض الذي يكون في وجه الفرس. " مُحَجّل " وهو: من الخيل الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد، ويجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين؛ لأنهما مواضع الأحجال وهي: الخلاخيل والقيود، ولا يكون التحجيل باليد واليدين، ما لم يكن معها رِجل أو رِجلان. " نهاية ".
[ ٢ / ٧٧٤ ]
" فإن أمتي يومئذٍ غُرٌّ (١) من السجود، محجَّلون من الوُضوء (٢) " (٣) .
_________________
(١) بضم المعجمة وشد الراء: جمع أغر؛ أي: ذو غرة. " من السجود "؛ أي: من أثر السجود في الصلاة. قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ .
(٢) أي: من أثر وضوئهم في الدنيا. والمراد أنهم بِيْضُ مواضعِ السجود من الجبهة والأنف، وبِيْضُ مواضعِ الوضوء من الأيدي والأقدام.. استعار أثر الوضوء والسجود في الوجه، واليدين، والرجلين للإنسان من البياض الذي يكون في وجه الفرس، ويديه، ورجليه. اهـ. من " النهاية ". بقليل من التصرف. قال المناوي: " ولا تدافع بين هذا الحديث، وبين خبر الشيخين: " إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء ". وما ذاك إلا لأن المؤمن يُكسى في القيامة نورًا من أثر السجود، ونورًا من أثر الوضوء، نور على نور، فمن كان أكثر سجودًا أو أكثر وضوءًا في الدنيا؛ كان وجهه أعظم ضياء وأشد إشراقًا من غيره، فيكونون فيه على مراتب من عِظَمِ النور، والأنوار لا تتزاحم؛ ألا ترى أنه لو أدخل سراج في بيت؛ ملأه نورًا، فإذا أدخل فيه آخر ثم آخر؛ امتلأ بالنور من غير أن يزاحم الثاني الأول، ولا الثالثُ الثاني.. وهكذا. والوُضوء هنا بالضم، وجوّز ابن دقيق العيد الفتح على أنه الماء.
(٣) هو من حديث عبد الله بن بسر. أخرجه بتمامه الإمام أحمد (٤/١٨٩) قال: ثنا أبو المغيرة قال: ثنا صفوان قال: ثني يزيد بن خُميرالرَّحْبي عنه. وهذا سند صحيح. وقد أخرج الترمذي منه الشطر الأخير بلفظ:
[ ٢ / ٧٧٥ ]
ويقول:
" إذا أراد الله رحمةَ من أراد من أهل النار؛ أمر الله الملائكة أن يُخْرِجوا
من كان يعبد الله؛ فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السجود، وحَرّمَ الله على
النار أن تأكل أثر السجود (١)، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله
_________________
(١) " أمتي يوم القيامة " والباقي مثله. أخرجه (٢/٥٠٥ - ٥٠٦) من طريق الوليد بن مسلم قال: قال صفوان بن عمرو: به. وقال: " حديث حسن صحيح ". وهو كما قال. لكن ليس ذلك بالنظر إلى إسناده - فإن الوليد بن مسلم: مدلس، ولم يصرح بسماعه كما ترى -؛ وإنما هو صحيح بالنظر إلى إسناد أحمد؛ فإنه رواه عن أبي المغيرة: ثنا صفوان. وأبو المغيرة هذا - اسمه: عبد القُدُّوس بن الحجّاج -: ثقة محتج به في " الصحيحين ". ﴿وهو مخرج في " الصحيحة " (٢٨٣٦)﴾ .
(٢) قال النووي: " ظاهر هذا أن النار لا تأكل جميع أعضاء السجود السبعة التي يسجد الإنسان عليها. وهكذا قاله بعض العلماء، وأنكره القاضي عياض ﵀ وقال: والمراد بأثر السجود: الجبهة خاصة. والمختار: الأول. فإن قيل: قد ذكر مسلم بعد هذا مرفوعًا: " إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها، إلا دارات الوجوه ". فالجواب أن هؤلاء القوم مخصوصون من جملة الخارجين من النار بأنه لا يسلم منهم من النار إلا دارات الوجوه، وأما غيرهم؛ فيسلم جميع أعضاء السجود منهم؛ عملًا بعموم هذا الحديث، فهذا الحديث عام، وذلك خاص، فيعمل بالعام إلا ما خص. والله أعلم ".
[ ٢ / ٧٧٦ ]
النار؛ إلا أثر السجود " (١) .
_________________
(١) ﴿وفيه: أن عصاة المصلين لا يخلدون في النار، وكذلك لو كان الموحِّد تاركًا للصلاة كسلًا؛ فإنه لا يخلد؛ صح ذلك، فانظر " الصحيحة " (٣٠٥٤)﴾ .
(٢) هو قطعة من حديث طويل في البعث والشفاعة، يرويه أبو هريرة رضي الله عنه - لا بأس من أن نسوقه بطوله - قال: إن الناس قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: " هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ ". قالوا: لا يا رسول الله! قال: " فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ ". قالوا: لا. قال: " فإنكم ترونه كذلك؛ يحشر الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا؛ فليَتْبَع، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها. فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم. فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا؛ عرفناه، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا، فيدعوهم، فيُضرب الصراطُ بين ظهرانَيْ جهنم، فأكون أولَ من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذٍ أحد إلا الرسل. وكلام الرسل يومئذٍ: اللهم! سلّم سلّم. وفي جهنم كلاليب؛ مثل شوك السعدان؛ هل رأيتم شوك السعدان؟ ". قالوا: نعم. قال: " فإنها مثل شوك السعدان؛ غير أنه لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم؛ فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار " الحديث، وتمامه: " فيُخرجون من النار قد امتُحِشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون؛ كما ينبت الحبة في حَميل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولًا الجنة، مقبل بوجهه قِبَلَ النار، فيقول: يا رب! اصرف
[ ٢ / ٧٧٧ ]
_________________
(١) وجهي عن النار، قد قشبني ريحها، وأحَرقني ذكاؤها. فيقول: هل عسيت إن فُعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك! فيعطي الله ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة؛ رأى بهجتها، سكت ما شاء أن يسكت، ثم قال: يا رب! قَدِّمني عند باب الجنة. فيقول الله له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سَألت؟ فيقول: يا رب! لا أكون أشقى خلقك. فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن لا تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك! لا أسأل غير ذلك، فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق؛ فيقدمه إلى باب الجنة فإذا بلغ بابها، فرأى زهرتها، وما فيها من النضرة والسرور؛ فيسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب! أدخلني الجنة. فيقول الله: ويحك يا ابن آدم! ما أغدرك؟! أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟ فيقول: يا رب! لا تجعلني أشقى خلقك. فيضحك الله ﷿ منه، ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول: تمنّ. فيتمنى حتى إذا انقطع أمنيته؛ قال الله ﷿: زد من كذا وكذا. أقبل يذكّره ربه حتى إذا انتهت به الأماني؛ قال الله تعالى: لك ذلك، ومثله معه ". قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة ﵄: إن رسول الله ﷺ قال: " قال الله: لك ذلك، وعشرة أمثاله ". قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله ﷺ إلا قوله: " لك ذلك، ومثله معه ". قال أبو سعيد: إني سمعته يقول: " ذلك لك، وعشرة أمثاله ". أخرجه البخاري (٢/٢٣٣ - ٢٣٤) والسياق له، ومسلم (١/١١٢ - ١١٤)، وابن
[ ٢ / ٧٧٨ ]
_________________
(١) خزيمة في كتاب " التوحيد " (ص ٢١٠) من طريق شُعيب عن الزُّهْري قال: أخبرني سعيد بن المسيّب وعطاء بن يزيد الليثي: أن أبا هريرة أخبرهما: إن الناس به. وأخرجه البخاري أيضًا (١١/٣٧٦ - ٣٩٠)، ومسلم، وأحمد (٢/٢٧٥ و٢٩٣ و٥٣٣ - ٥٣٤) من طرق عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد وحده بنحوه. وروى منه النسائي (١/١٧١)، وابن ماجه (٢/٥٨٨) القدر المذكور في الأصل - مختصرًا -. * * *
[ ٢ / ٧٧٩ ]