و" كان يجعل الركعتين الأخيرتين أقصر من الأُولَيين قدر النصف؛ قدر
خمس عشرة آية " (١) .
_________________
(١) قلت: ورواه الإمام محمد في " الآثار " (١٥) بنحوه، ولم يُسَمِّ علقمة.
(٢) هو من حديث سعد بن أبي وقاص. رواه عنه جابر بن سَمُرَة ﵁، وله عنه طريقان: الأول: عن عبد الملك بن عُمير سمعه من جابر بن سَمُرة: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر؛ فقالوا: إنه لا يُحسن يصلي! قال: الأعاريب؟! والله! ما آلو بهم عن صلاة رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، أَرْكُدُ في الأُولَيين وأَحْذِفُ في الأُخريين. فسمعت عمر ﵁ يقول: كذلك الظن بك يا أبا إسحاق! أخرجه أحمد (١/١٧٩): ثنا سفيان عن عبد الملك به. وقد أخرجه البخاري (٢/١٨٧)، ومسلم (٢/٣٨)، والنسائي (١/١٥٦)، والبيهقي (٢/٦٠)، والطيالسي (٣٠)، وأحمد (١/١٧٦ و١٨٠) من طرق عن ابن عُمير. الطريق الثاني: عن شعبة عن محمد بن عبيد الله أبي عَوْن عن جابر به نحوه. أخرجه البخاري (٢/١٩٩ - ٢٠٠)، ومسلم، وأبو داود (١/١٢٨)، والنسائي (١/١٥٥)، والبيهقي، والطيالسي، وأحمد (١/١٧٥) من طرق عنه. وقد ذهب إلى هذا الحديث من قال بقراءة السورة في الأخريين - وسيأتي ذكرهم -؛ فاتفقوا على أنها أخفّ منها في الأُولَيين.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
_________________
(١) وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ - وقد سبق لفظه بتمامه [ص ٤٦٠ - ٤٦١]-: أنهم قدروا قيامه ﷺ في الأُخْرَيَيْنِ على النصف من قيامه في الأُوليَيْنِ، وهو قدر ثلاثين آية. فقيامه في هاتين الركعتين يكون قدر خمسَ عشْرَةَ آية. وقد اختلف العلماء في استحباب قراءة السورة في الأُخريين من الرباعية والثالثة من المغرب؛ فقيل بالاستحباب، وبعدمه. وهما قولان للشافعي ﵀. كذا في " شرح مسلم ". قلت: والصحابة أيضًا اختلفوا في ذلك: فبعضهم كان لا يقرأ - وقد ساق أخبارهم الطحاوي (١/١٢٣ - ١٢٤)، والبيهقي (٢/٦٥) -. وبعضهم كان يقرأ - ومن هؤلاء أبو بكر الصديق ﵁ -؛ ففي " الموطأ " (١/١٠٠)، ومن طريقه البيهقي (٢/٦٤ و٣٩١): أن أبا بكر ﵁ قرأ في الركعة الثالثة من المغرب بـ: ﴿أم القرآن﴾ وهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ الآية. وسنده صحيح - كما قال النووي (٣/٣٨٣) -. وزاد البيهقي في رواية: وقال سفيان بن عُيينة: لما سمع عمر بن عبد العزيز بهذا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ قال: إن كنتُ لَعَلَى غير هذا حتى سمعتُ بهذا؛ فأخذتُ به. وقد أخذ به من علمائنا المتأخرين أبو الحسنات اللكنوي في " التعليق الممجد " (ص ١٠٢)، وقال:
[ ٢ / ٤٦٨ ]
و" ربما اقتصر فيهما على ﴿الفَاتِحَة﴾ " (١) .
_________________
(١) " وأغرب بعض أصحابنا؛ حيث حكموا على وجوب سجود السهو بقراءة سورة في الأخريين! وقد رده شراح " المنية ": إبراهيم الحلبي، وابن أمير حاج الحلبي، وغيرهما بأحسن رد، ولا أشك في أن من قال بذلك؛ لم يبلغه الحديث، ولو بلغه؛ لم يتفوه به ". اهـ. قال النووي: " واختلف أصحابنا في تطويل الثالثة على الرابعة؛ إذا قلنا بتطويل الأولى على الثانية ". قلت: وقد روى البيهقي حديثًا في تطويل الثالثة على الرابعة عن عبد الله بن أبي أوفى؛ لكن في سنده طَرَفَةُ الحضرمي، وهو مجهول - كما سبق قريبًا -. ومن طريقه رواه البزار، والطبراني في " الكبير " - كما في " المجمع " (٢/١٣٣) -.
(٢) هو من حديث أبي قتادة ﵁. وقد سبق تخريجه قريبًا [ص ٤٥٧] . وفيه أن السنة قراءة ﴿الفَاتِحَة﴾ في الأُخريين من الرباعية. وإليه ذهب جماهير أهل العلم من الصحابة فمن بعدَهم، وهو مذهب علمائنا أيضًا؛ لكنهم قالوا بالتخيير بين القراءة، أو السكوت، أو التسبيح. قال الإمام محمد في " الموطأ " (١٠١): " السنة أن تقرأ في الفريضة في الركعتين الأُوليين بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾؛ وسورة، وفي الأخريين بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾، وإن لم تقرأ فيهما؛ أجزأك، وإن سبحت فيهما؛ أجزأك، وهو قول أبي حنيفة ﵀ ". وقد أشار إلى الرد عليهما إسحاق بن راهويه ﵀ فيما روى عنه إسحاق بن منصور المروزي في " مسائله " قال: " قال إسحاق: والقراءة في الركعتين الأخيرتين بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ سنة، وعلى
[ ٢ / ٤٦٩ ]
وقد أمر (المسيء صلاته) بقراءة ﴿الفَاتِحَة﴾ في كل ركعة، حيث قال
له بعد أن أمره بقراءتها في الركعة الأولى:
" ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (وفي رواية: كل ركعة) " (١) .
_________________
(١) ذلك عشرة من أصحاب محمد ﷺ بعده، وما قال هؤلاء في التسبيح في الأُخريين خطأ ". قلت: وإذا ضممتَ إلى فعله ﷺ ذلك أمرَه ﷺ لِ (المسيء صلاته) بأن يقرأ في كل ركعة - كما يأتي بيانه -؛ ثبت بذلك وجوب ﴿الفَاتِحَة﴾ في كل ركعة، وهو مذهب الجمهور - كما قال النووي وغيره -، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة: أن القراءة في الأُخريين واجبة، حتى لو تركها ساهيًا؛ لزمه سجود السهو. وإليه مال الكمال ابن الهُمَام في " الفتح " (١/٣٢٢ - ٣٢٣)، وهو الحق إن شاء الله تعالى؛ فإنهم لا جواب لهم عن حديث (المسيء صلاته)، ولا دليل لهم على ذلك إلا بعض الآثار عن الصحابة؛ ولا يجوز أن يحتج بها في معارضة ما ثبت في السنة.
(٢) تقدم تخريجه في أول الكتاب [ص ٥٥] . وفي لفظ عند أحمد (٤/٣٤٠) من حديث رِفاعةَ: " ثم اصنع ذلك في كل ركعة ". فمن كان يذهب إلى أنه ﷺ إنما أَمَرَهُ بمطلق القراءة - كالحنفية -؛ فعليهم أن يوجبوا ذلك في كل ركعة، ومن ذهب إلى أنه أمره بـ: ﴿الفَاتِحَة﴾؛ فعليه أن يقول بوجوبها في كل ركعة، وهو الحق إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٤٧٠ ]