ثم كان ﷺ يقرأ بعد ﴿الفَاتِحَة﴾ سورة غيرها. وكان يطيلها أحيانًا،
ويقصرها أحيانًا لعارض سفر، أو سعال، أو مرض، أو بكاء صبي تصلي
أمُّه معه ﷺ؛ كما قال أنس بن مالك ﵁:
" جوَّز ﷺ (١) ذات يوم في الفجر (وفي حديث آخر: صلى الصبح،
فقرأ بأقصر سورتين في القرآن)، فقيل: يا رسول الله! لم جوَّزت؟ قال:
" سمعت بكاء صبي (٢)، فظننت أن أمه معنا تصلي؛ فأردت أن أفرغ له
أمه " " (٣) .
_________________
(١) ﴿أي: خفف﴾ .
(٢) ﴿وفي هذا الحديث وأمثاله: جوازُ إدخال الصبيان المساجد، وأما الحديث المتداول على الألسنة: " جنبوا مساجدَكم صبيانكم " الحديث. فضعيف، لا يحتج به اتفاقًا. وممن ضعفه ابن الجوزي، والمنذري، والهيثمي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والبوصيري، وقال عبد الحق الإشبيلي: " لا أصل له "﴾ .
(٣) أخرجه الإمام أحمد (٣/٢٥٧) قال: ثنا عفان: ثنا حماد بن زيد قال: أنا علي ابن زيد وحميد عنه. قال عفان: فوجدته عندي في غير موضع عن علي بن زيد وحميد وثابت عن أنس بن مالك. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، إلا علي بن زيد، وروايته متابعة. ورواه الطبراني في " الأوسط " بنحوه، وفيه:
[ ١ / ٣٩١ ]
_________________
(١) أنه صلى الفجر بأقصر سورتين من القرآن. قال الهيثمي (٤/٧٤): " وفيه أبو الربيع السمان، وهو ضعيف ". ﴿و[أخرجه] ابن أبي داود في " المصاحف " (٤/١٤/٢ = [١/٥٠٥/٥٠٧) عن البراء ابن عازب به]) . وأخرجه من حديثِ ثابتٍ مسلمٌ (٢/٤٤)، والدارقطني (١٩٦)، والبيهقي (٢/٣٩٣)، وأحمد أيضًا (٣/١٥٣، ١٥٦) من طريق جعفر بن سليمان عنه بلفظ: كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة؛ فيقرأ بالسورة الخفيفة، أو بالسورة القصيرة. وأخرجه من حديث حميد الترمذي (٢/٢١٤) عن مروان بن معاوية الفَزَاري عنه مرفوعًا بلفظ: " والله! إني لأسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة؛ فأُخَفّف مخافة أن تفتن أمه ". وقال: " حسن صحيح ". قلت: مروان بن معاوية: ثقة، لكنه مدلس، وقد عنعنه، وقد خولف في لفظه؛ فأخرجه أحمد (٣/١٨٢ و١٨٨ و٢٠٥) من طرق عن حميد بلفظ: بينما رسول الله ﷺ يصلي إذ سمع بكاء صبي؛ فتجوز في صلاته، فظننا أنه إنما خفف من أجل الصبي؛ أن أمه كانت في الصلاة. وإسناده صحيح على شرطهما. وهو ثلاثي. وله في البخاري (٢/١٦٠)، و" المسند " (٣/٢٣٣ و٢٤٠) طريق رابع: عن سليمان ابن بلال عن شريك: أنه سمع أنس بن مالك يقول:
[ ١ / ٣٩٢ ]
وكان يقول:
" إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي،
فأتجوّز في صلاتي؛ مما أعلم من شدة وَجْدِ أمه من بكائه " (١) .
_________________
(١) ما صليت خلف إمام أخفَّ صلاةً من رسول الله ﷺ، ولا أتم، وإن كان رسول الله ﷺ ليسمع بكاء الصبي؛ فيخفف مخافة أن تفتتن أمه. وإسناده على شرطهما أيضًا. وله شاهد من حديث أبي هريرة. أخرجه أحمد (٢/٤٣٢) عن ابن عجلان قال: سمعت أبي عن أبي هريرة: سمع النبي ﷺ صوت صبي في الصلاة؛ فخفف الصلاة. وسنده حسن.
(٢) هو من حديث أنس أيضًا. أخرجه البخاري (٢/١٦١)، ومسلم (٢/٤٤)، وابن ماجه (١/٣١٢)، والبيهقي (٢/٣٩٣)، وأحمد (٣/١٠٩) من طرق عن سعيد بن أبي عَروبة قال: ثنا قتادة: أن أنس بن مالك حدثه به. وله شواهد: منها: عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه مرفوعًا مثله، إلا أنه قال: " كراهية أن أشق على أمه ". أخرجه البخاري (٢/١٦٠)، وأبو داود (١/١٢٦)، والنسائي (١/١٣٢)، وابن ماجه أيضًا، وأحمد (٥/٣٠٥) من طرق عنه.
[ ١ / ٣٩٣ ]
_________________
(١) ومنها: عن أبي هريرة مختصرًا بلفظ: " مخافة أن تفتن أمه ". رواه البزار. ورجاله ثقات - كما في " المجمع " (٢/٧٤) -. قال النووي في " شرح مسلم ": " (الوجد) يطلق على الحزن، وعلى الحب أيضًا، وكلاهما سائغ هنا، والحزن أظهر؛ أي: من حزنها واشتغال قلبها به، وفيه دليل على الرفق بالمأمومين وسائر الأتباع، ومراعاة مصلحتهم، وأن لا يدخل عليهم ما يشق عليهم؛ وإن كان يسيرًا من غير ضرورة، وفيه جواز صلاة النساء مع الرجال في المسجد، وأن الصبي يجوز إدخاله المسجد، وإن كان الأولى تنزيه المسجد عمن لا يُؤْمَنُ منه حدث ". اهـ. وقال الخطابي (١/٢٠١): " فيه دليل على أن الإمام - وهو راكع - إذا أحس برجل يريد الصلاة معه؛ كان له أن ينتظره راكعًا؛ ليدرك فضيلة الركعة مع الجماعة؛ لأنه إذا كان له أن يحذف من طول الصلاة لحاجة الإنسان في بعض أمور الدنيا؛ كان له أن يزيد فيها لعبادة الله، بل هو أحق بذلك وأولى، وقد كرهه بعض العلماء، وشدد فيه بعضهم، وقال: أخاف أن يكون شركًا. وهو قول محمد بن الحسن ". اهـ. قلت: هذا القول ذكره علماؤنا من قول أبي حنيفة، وأَوَّلوه بأنه أراد الشرك في العمل؛ لأن أول الركوع كان لله تعالى، وآخرَه للجائي. قالوا: ولا يكفر؛ لأنه ما أراد التذلل والعبادة له، وقالوا بكراهة إطالة الركوع لإدراك الجائي؛ إن عرفه، وإلا؛ فلا بأس به؛ أي: إن تركه أفضل. لكن قال ابن عابدين في " حاشيته " (١/٤٦٢): " أقول: قصد الإعانة على إدراك الركعة مطلوب؛ فقد شرعت إطالة الركعة الأولى
[ ١ / ٣٩٤ ]
وكان يبتدئ من أول السورة، ويكملها في أغلب أحواله (١) . ويقول:
_________________
(١) في الفجر اتفاقًا، وكذا في غيره على الخلاف؛ إعانةً للناس على إدراكها؛ لأنه وقت نوم وغفلة - كما فهم الصحابة ذلك من فعله ﷺ -. ونقل في " الحلبة " عن عبد الله بن المبارك، وإسحاق، وإبراهيم، والثوري: أنه يستحب للإمام أن يسبح خمس تسبيحات؛ ليدرك من خلفه الثلاث ". اهـ. فعلى هذا: إذا قصد إعانة الجائي؛ فهو أفضل، بعد أن لا يخطر بباله التودد إليه، ولا الحياء منه ونحوه. ولهذا نقل في " المعراج " عن " الجامع ": " لا ضير أنه مأجور؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ". ثم قال ابن عابدين: " قال الطحاوي: ويظهر أن من التقرب إطالة الإمام الركوع؛ لإدراك مكبر لو رفع الإمام رأسه قبل إدراكه، يظن أنه أدرك الركعة - كما يقع لكثير من العوام -، فيسلم مع الإمام بناءً على ظنه، ولا يتمكن الإمام من أمره بالإعادة أو الإتمام ".
(٢) ﴿يدل لذلك أحاديث كثيرة ستأتي فيما بعد﴾ . قال الزين بن المُنَيِّر: " ذهب مالك إلى أن يقرأ المصلي في كل ركعة بسورة؛ كما قال ابن عمر: لكل سورة حظها من الركوع والسجود. قال: ولا تقسم السورة في ركعتين، ولا يقتصر على بعضها، ويترك الباقي. قال: فإن فعل ذلك؛ لم تفسد صلاته، بل هو خلاف الأولى ". ذكره في " الفتح " (٢/٢٠٤)، وقال: " وهو مذهب الشافعي. ثم قال ابن المُنَيِّر: والذي يظهر أن التكرير أخف من قَسْمِ السورة في ركعتين. اهـ. وسبب الكراهة فيما يظهر أن السورة مرتبط بعضها ببعض؛ فأي موضع قطع فيه، لم يكن كانتهائه إلى آخر السورة، فإنه إن قطع في وقف غير تام؛ كانت الكراهة ظاهرة، وإن قطع في وقف تام؛ فلا يخفى أنه خلاف الأولى. وقد تقدم في (الطهارة) قصة الأنصاري الذي رماه العدو بسهم، فلم يقطع صلاته، وقال:
[ ١ / ٣٩٥ ]
" أعطوا كل سورة حَظَّها من الركوع والسجود (وفي لفظ: لكل سورة
ركعة) " (١) .
_________________
(١) كنت في سورة، فكرهت أن أقطعها. وأقره النبي ﷺ على ذلك ". قلت: هو حديث طويل أخرجه أبو داود (١/٣٠ - ٣١) وغيره بإسناد حسن.
(٢) أخرجه الطحاوي (١/٢٠٤) من طريق سفيان عن عاصم عن أبي العالية قال: أخبرني من سمع النبي ﷺ يقول: فذكره. ثم أخرجه من طريق زهير بن معاوية قال: أنا عاصم الأحول عن أبي العالية قال: قال رسول الله ﷺ: فذكره. قال: فذكرت ذلك لابن سيرين؛ فقال: أسَمَّى لك من حَدَّثه؟ قلت: لا. قال: أفلا تسأله؟ فسألته: فقلت: من حدثك؟ فقال: إني لأعلم من حدثني، وفي أي مكان حدثني، وقد كنت أصلي بين عشرين حتى بلغني هذا الحديث. وأخرجه الإمام أحمد (٥/٦٥) عن يحيى بن سعيد الأموي، وابن نصر في " قيام الليل " (٦١) عن عبد الواحد بن زياد؛ كلاهما عن عاصم به بلفظ: " لكل سورة حظها " إلخ. وزاد أحمد: قال: ثم لقيته بعد، فقلت له: إن ابن عمر كان يقرأ في الركعة بالسور، فَتَعْرِفُ مَنْ حدَّثك هذا الحديث؟ قال: إني لأعرفه، وأعرف منذ كم حدثنيه؛ حدثني منذ خمسين سنة. ثم أخرجه أحمد (٥/٥٩): ثنا أبو معاوية وعبدة قالا: ثنا عاصم به بلفظ: " أعطوا كل سورة ". والباقي مثله (*) . (*) وعزاه الشيخ ﵀ في " الصفة " المطبوع لِ " عبد الغني المقدسي في " السنن " (٩/٢) بسند صحيح ".
[ ١ / ٣٩٦ ]
_________________
(١) وهذا حديث صحيح. رجاله كلهم ثقات رجال الستة، وطرقه كلها إلى عاصم صحيحة، ولا يقدح جهالة الصحابي؛ لأن الصحابة كلهم عدول - كما ذكرنا ذلك مرارًا -. وقد رواه ابن أبي شيبة ﴿(١/١٠٠/١) = [١/٣٢٤/٣٧١٠]﴾ باللفظ الثالث، وسكت عليه عبد الحق مصححًا له. قال ابن القطان: " وهو كما ذكره، وزَعْمُ ضعفه باطل ". هذا، ولم أجد من شرح الحديث وأبان عن المراد منه؛ إلا المناوي في " فيض القدير "، ولم يصب حيث قال: " أي: فلا يكره قراءة القرآن في الركوع والسجود ". وقال في مكان آخر: " ويحتمل أن المراد: إذا قرأتم سورة؛ فصلوا عقبها صلاة قبل الشروع في الأخرى. ويحتمل أن المراد: أوفوا القراءة حقها من الخشوع والخضوع اللذين هما بمنزلة الركوع والسجود في الصلاة، وإذا مررتم بآية سجدة؛ فاسجدوا ". اهـ. وهذان الاحتمالان بعيدان جدًا عن لفظ الحديث؛ لا سيما اللفظ الثاني، والمعنى الثاني لم يذهب إلى العمل به أحد من العلماء فيما علمت. والمعنى الأول هو أقرب ما يكون إلى ظاهر الحديث؛ لكن الرواة لم يفهموا منه ذلك - كما سبق في تخريجه -؛ فإن أبا العالية - أحد رواته - كان يجمع بين عشرين سورة في ركعة قبل أن يبلغه الحديث، فلما بلغه؛ ترك ذلك. وكذلك لما بَلَّغه ابن سيرين؛ استغرب ذلك، وعارضه بأن ابن عمر كان يجمع بين السور؛ فأراد أن يتحقق من الحديث. فقد اتفق أبو العالية وابن سيرين [على] أن معنى الحديث: أنه ينبغي الاقتصار على سورة في كل ركعة. وأقرب الألفاظ دلالة لهذا المعنى هو اللفظ الثاني:
[ ١ / ٣٩٧ ]
_________________
(١) " لكل سورة ركعة ". ولذلك أورده الطحاوي في (باب جمع السور في ركعة)، ثم قال: " وقد ذهب إلى هذا قوم، فقالوا: لا ينبغي للرجل أن يزيد في كل ركعة من صلاته على سورة مع ﴿فاتحة الكتاب﴾ . واحتجوا في ذلك بهذا الحديث ". اهـ. ويحتمل أن معنى الحديث: لكل سورة ركعة؛ أي: سورة كاملة في كل ركعة؛ أي: فلا يقتصر على بعضها؛ بل عليه أن يُتِمَّها؛ ليكون حظ الركعة بها كاملًا. وقد أشار إلى هذا المعنى وإلى الذي قبله ابنُ نصر؛ حيث بوب للحديث بقوله: (باب كراهة تقطيع السور، والجمع بين السور في ركعة)، ثم ساق هذا الحديث بألفاظه الثلاثة. وبالجملة؛ فالحديث لا يحتمل إلا هذين المعنيين. وأنا إلى المعنى الثاني (*) أَمْيَلُ منه إلى الأول، وإن ذهب إليه من علمت؛ لأن أقواله ﷺ لا يمكن فهمها فهمًا صحيحًا، إلا ضمن أقواله الأخرى وأفعاله، وقد ذكرنا في الأصل أن الغالب من هديه ﷺ إتمام السورة؛ دون الاقتصار على بعضها إلا نادرًا. وعليه؛ فالحديث يدل على الكمال من القراءة، وهي السورة الكاملة. واقتصاره ﷺ على بعضها نادرًا؛ إنما هو للدلالة على جواز ذلك مع الكراهة التنزيهية؛ لأنها خلاف الأفضل؛ ولكنه لا ينفي الزيادة على السورة، وأنها أكمل وأفضل. كيف ذلك؛ وقد صح عنه أنه ﷺ كان يقرأ السورتين فأكثر في ركعة واحدة، وأنه كان يقول: " أفضل الصلاة طول القيام "! فهذا نص صريح في أن الصلاة كلما كان قيامها أطول - وإنما يكون ذلك بطول (*) وبهذا جزم الشيخ ﵀ - أخيرًا - كما في " الصفة " المطبوعة؛ فقال: " ومعنى الحديث عندي: اجعلوا لكل ركعة سورة كاملة؛ حتى يكون حظ الركعة بها كاملًا! والأمر للندب؛ بدليل ما يأتي عقبه ".
[ ١ / ٣٩٨ ]
وكان تارة يقسمها في ركعتين (*) .
وتارة يعيدها كلها في الركعة الثانية (١) .
وكان أحيانًا يجمع في الركعة الواحدة بين السورتين أو أكثر (٢) .
_________________
(١) القراءة، وبضم السورة إلى الأخرى -؛ كانت أفضل عند الله تعالى. فإن لم نذهب إلى هذا المعنى الذي اخترناه، وذهبنا إلى المعنى الأول؛ تعارض قوله ﷺ هذا مع الحديث الذي نتكلم عليه، وقد تقرر في الأصول أنه: يجب الجمع بين الحديثين الصحيحين ما أمكن ذلك. وهذا لا يمكن إلا بهذا الوجه. والله تعالى أعلم. (*) كتب الشيخ ﵀ هنا ملاحظة لنفسه: " انظر " المجمع " (٢/٢٧٤) ". وخرَّجه في " صفة الصلاة " المطبوع؛ فقال: " [رواه] أحمد، وأبو يعلى من طريقين. وانظر: (القراءة في صلاة الفجر) [ص ٤٣٠] ".
(٢) ﴿كما فعل في صلاة الفجر، ويأتي قريبًا [ص ٤٣٥]﴾ .
(٣) سيأتي توضيح ذلك وتخريجه قريبًا. قال أبو عبيد: " والذي عليه أمر الناس: أن الجمع بين السور في الركعة حسن غير مكروه، وهذا الذي فعله عثمان بن عفان، وتميم الداري، وغيرهما؛ هو من وراء كل جمع. إلا أن الذي أختار من ذلك: أن لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث؛ للأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ وأصحابه من الكراهة لذلك ". ذكره ابن نصر في " قيام الليل " (٦٢) . قال الحافظ (٢/٢٠٤): " وقد نقل البيهقي في " مناقب الشافعي " عنه أن الجمع بين السور مستحب ". وروى أحمد (٢/١٣ و٥/٦٦)، والبيهقي (٢/٦٠)، والطحاوي (١/٢٠٥) عن نافع قال: ربما أَمَّنَا ابن عمر بالسورتين والثلاث في الفريضة.
[ ١ / ٣٩٩ ]
وقد " كان رجل من الأنصار (*) يؤمهم في مسجد قُباء، وكان كلما
افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به (١)؛ افتتح بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدٌ﴾ (٢) حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها؛ وكان يصنع ذلك في
كل ركعة. فكلمه أصحابه؛ فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى
أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى؛ فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها، وتقرأ
بأخرى. فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك؛ فعلت، وإن
كرهتم؛ تركتكم. وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره.
فلما أتاهم النبي ﷺ؛ أخبروه الخبر؛ فقال:
" يا فلان! ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على
لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ ".
_________________
(١) على شرطهما. (*) كتب الشيخ ﵀ هنا - ملاحظة لنفسه -: " يراجع اسمه ". وللفائدة نقول: هو كُلْثوم بن الهِدْم. أو كلثوم بن زهدم. أو كُرز بن زهدم؛ على خلاف تراه في " الفتح " (٢/٣٣٤) .
(٢) أي: من السورة بعد ﴿الفَاتِحَة﴾ .
(٣) قال الحافظ (٢/٢٠٥): " تمسك به من قال: لا يشترط قراءة ﴿الفَاتِحَة﴾ . وأجيب بأن الراوي لم يذكر ﴿الفَاتِحَة﴾؛ اغتناء بالعلم؛ لأنه لا بد منها، فيكون معناه: افتتح بسورة بعد ﴿الفَاتِحَة﴾ . أو كان ذلك قبل ورود الدليل الدال على اشتراط ﴿الفَاتِحَة﴾ ".
[ ١ / ٤٠٠ ]
فقال: إني أحبها. فقال:
" حُبُّكَ إيَّاها أدخلك الجنة " " (١) .
_________________
(١) ذكره البخاري في " صحيحه " (٢/٢٠٤ - ٢٠٥) تعليقًا مجزومًا به: وقال عبيد الله عن ثابت عن أنس ﵁ به. وقد وصله الترمذي (٢/١٤٨ - طبع بولاق)، والبيهقي (٢/٦٠ - ٦١) من طريق عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدي عن عبيد الله بن عمر به. وقال الترمذي: " حسن صحيح غريب ". قلت: وهو على شرط مسلم. وأخرجه البزار، والطبراني أيضًا - كما في " الفتح " -. ثم أخرجه الترمذي، وكذا الدارمي (٢/٤٦٠ - ٤٦١)، وابن نصر (٦٥) عن مبارك ابن فَضَالة: ثنا ثابت عن أنس: أن رجلًا قال: والله إني لأحب هذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال رسول الله ﷺ: " حبك إياها أدخلك الجنة ". وسنده حسن. قال ناصر الدين بن المُنَيِّر: " في هذا الحديث أن المقاصد تغير أحكام الفعل؛ لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لا يحفظ غيرها؛ لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها. لكنه اعتل بحبه؛ فظهرت صحة قصده؛ فَصَوَّبَه ". قال: " وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه، والاستكثار منه، ولا يعد ذلك هجرانًا لغيره ". * * *
[ ١ / ٤٠١ ]