ولما كان موضوع الكتاب إنما هو بيان هدي النبي ﷺ في الصلاة؛ كان من
البدهي أن لا أتقيد فيه بمذهب معين؛ للسبب الذي مرَّ ذكرُه، وإنما أُورد فيه ما
ثبت عنه ﷺ - كما هو مذهب المحدِّثين (١) قديمًا وحديثًا (٢) -، وقد أحسن من قال:
_________________
(١) قال أبو الحسنات اللكنوي في " إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام " (ص ١٥٦) ما نصه: " ومن نظر بنظر الإنصاف، وغاص في بحار الفقه والأصول متجنبًا الاعتساف؛ يعلم علمًا يقينيًا أن أكثر المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف العلماء فيها؛ فمذهب المحدِّثين فيها أقوى من مذاهب غيرهم، وإني كلما أسير في شُعَب الاختلاف؛ أجد قول المحدِّثين فيه قريبًا من الإنصاف، فلله دَرُّهم، وعليه شكرهم - كذا الأصل -، كيف لا؛ وهم ورثة النبي ﷺ حقًا، ونواب شرعه صدقًا؟! حشرنا الله في زمرتهم، وأماتنا على حبهم وسيرتهم ".
(٢) قال السبكي في " الفتاوى " (١/١٤٨): " وبعد؛ فإن أهم أمور المسلمين الصلاة، يجب على كل مسلم الاهتمام بها، والمحافظة على أدائها، وإقامة شعائرها، وفيها أمور مُجْمَعٌ عليها؛ لا مندوحة عن الإتيان بها، وأمور اختلف العلماء في وجوبها، وطريق الرشاد في ذلك أمران: إما أن يتحرى الخروج من الخلاف إن أمكن، وإما ينظر ما صح عن النبي ﷺ؛ فيتمسك به، فإذا فعل ذلك؛ كانت صلاته صوابًا صالحة داخلة في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ . قلت: والوجه الثاني أولى؛ بل هو الواجب؛ لأن الوجه الأول - مع عدم إمكانه في كثير من المسائل - لا يتحقق به أمره ﷺ: " صلوا كما رأيتموني أصلي "؛ لأنه في هذه الحالة ستكون صلاته - حتمًا - على خلاف صلاته ﷺ، فتأمل.
[ ١ / ٢١ ]
أهلُ الحديث هُمُ أهلُ النبيّ وإنْ لم يَصْحبوا نَفْسَهُ أنفاسَهُ صَحِبوا (١)
ولذلك فإن الكتاب سيكون - إن شاء الله تعالى - جامعًا لشتات ما تفرق
في بطون كتب الحديث والفقه - على اختلاف المذاهب مما له علاقة بموضوعه -،
بينما لا يجمع ما فيه من الحق أيُّ كتاب أو مذهب، وسيكون العامل به - إن
شاء الله - ممن قد هداه الله ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ
يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
ثم إني حين وضعت هذا المنهج لنفسي - وهو التمسك بالسنة الصحيحة -،
وجريت عليه في هذا الكتاب وغيره - مما سوف ينتشر بين الناس إن شاء الله
تعالى -؛ كنت على علم أنه سوف لا يُرْضِي ذلك كلَّ الطوائف والمذاهب، بل
سوف يوجه بعضهم - أو كثير منهم - ألسنة الطعن، وأقلام اللوم إليَّ، ولا بأس
من ذلك عليَّ؛ فإني أعلم أيضًا أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، وأن:
" من أرضى الناس بسخط الله؛ وكَلَه الله إلى الناس "؛ كما قال رسول الله ﷺ (٢)
ولله دَرُّ من قال:
ولست بناجٍ من مقالةِ طاعِنٍ ولو كنتُ في غارٍ على جبلٍ وعرِ
ومن ذا الذي ينجو من الناسِ سالمًا ولو غابَ عنهم بين خافِيَتَي نسرِ (٣)
_________________
(١) من إنشاد الحسن بن محمد النَّسَوي؛ كما رواه الحافظ ضياء الدين المقدسي في جزء له في " فضل الحديث وأهله ".
(٢) [أخرجه] الترمذي، والقُضَاعي، وابن بِشْران وغيرهم. وقد تكلمت على الحديث وطرقه في تخريج أحاديث " شرح العقيدة الطحاوية "، ثم في " الصحيحة " (٢٣١١)، وبينت أنه لا يضره وقف من أوقفه، وأنه صححه ابن حبان.
(٣) الخوافي: ريشات إذا ضم الطائر جناحيه؛ خفيت، وتكون وراء القوادم.
[ ١ / ٢٢ ]
فحسبي أنني معتقد إن ذلك هو الطريق الأقوم، الذي أمر الله تعالى به المؤمنين،
وبيَّنه نبينا محمد سيد المرسلين، وهو الذي سلكه السلف الصالح من الصحابة
والتابعين ومن بعدهم، وفيهم الأئمة الأربعة - الذين ينتمي اليوم إلى مذاهبهم
جمهور المسلمين -، وكلهم متفق على وجوب التمسك بالسنة، والرجوع إليها، وترك
كل قول يخالفها، مهما كان القائل عظيمًا؛ فإن شأنه ﷺ أعظم، وسبيله أقوم.
ولذلك فإني اقتديت بهداهم، واقتفيت آثارهم، وتبعت أوامرهم
بالتمسك بالحديث؛ وإن خالف أقوالهم، ولقد كان لهذه الأوامر أكبر الأثر في
نهجي هذا النهج المستقيم، وإعراضي عن التقليد الأعمى. فجزاهم الله تعالى
عني خيرًا.