و" كان يطمئن في ركوعه ". وأمر به (المسيء صلاته)؛ فقال:
" إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ " الحديث. وفيه:
" ثم يكبر ثم يقول: الله أكبر. ثم يركع حتى تطمئن مفاصله " (١) .
_________________
(١) هو من حديث رِفاعة بن رافع. وقد مضى. قال الحافظ في " الفتح " (٢/٢٢٢): " واستُدِلَّ بهذا الحديث على وجوب الطمأنينة في أركان الصلاة. وبه قال الجمهور ". واشتهر عن الحنفية أن الطمأنينة سنة، وصرح بذلك كثير من مصنفيهم، لكن كلام الطحاوي كالصريح في الوجوب عندهم؛ فإنه ترجم في " شرح المعاني " (١/١٣٦ - ١٣٧): (مقدار الركوع والسجود)، ثم ذكر الحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره في قوله: " سبحان ربي العظيم - ثلاثًا في الركوع -، وذلك أدناه ". قال: " فذهب قوم إلى أن هذا مقدار الركوع والسجود، ولا يُجزئ أدنى منه ". قال: " وخالفهم آخرون؛ فقالوا: إذا استوى راكعًا، واطمأن ساجدًا؛ أجزأ ". ثم قال: " وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد ". اهـ. وقال السندي: " نَصَّ الطحاويُّ في " آثاره " أن مذهب أبي حنيفة وصاحبيه افتراض الطمأنينة في الركوع والسجود. وهو أقرب؛ للأحاديث ".
[ ٢ / ٦٤٠ ]
وكان يقول:
" أتمُّوا (١) الركوعَ والسجود؛ فوالذي (٢) نفسي بيده! إني لأراكم من بعد
ظهري (٣) إذا ما ركعتم، وإذا ما سجدتم " (٤) .
_________________
(١) أي: ائتوا بهما تامَّيْن كاملين؛ بشرائطهما، وسننهما، وآدابهما، وأوفوا الطمأنينة فيهما حقها، فتجب الطمأنينة فيهما في الفرض، وكذا في النفل عند الشافعية؛ وذلك بأن تستقر أعضاؤه في محلها. قال الحراني: الإتمام: التوفية لما له صورة تلتئم من أجزاء وآحاد. كذا في " فيض القدير " للمناوي.
(٢) فيه جواز الحلف بالله تعالى من غير ضرورة، ولكن المستحب تركه إلا لحاجة؛ كتأكيد أمر، وتفخيمه، والمبالغة في تحقيقه وتمكينه من النفوس، وعلى هذا يُحمل ما جاء في الأحاديث من الحلف.
(٣) أي: من ورائي. قال العلماء: معناه: أن الله تعالى خلق له ﷺ إدراكًا في قفاه يبصر به من ورائه. وقد انخرقت العادة له ﷺ بأكثر من هذا، وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع؛ بل ورد الشرع بظاهره؛ فوجب القول به. قال القاضي: قال أحمد بن حنبل وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقة. كذا في " شرح مسلم ". قال ابن حجر: " وظاهر الحديث أن ذلك خاص بحالة الصلاة، ويحتمل العموم ". انتهى. وكلام جمعٍ متقدمين مصرِّحٌ بالعموم. كذا في " الفيض ". قلت: والظاهر ما قاله ابن حجر، ﴿وهي من معجزاته ﷺ﴾، والعموم لا دليل عليه من السنة. والله أعلم.
(٤) هو من حديث أنس ﵁.
[ ٢ / ٦٤١ ]
و" رأى رجلًا لا يُتِمُّ ركوعه، وينقر في سجوده وهو يصلي؛ فقال:
" لو مات هذا على حاله هذه؛ مات على غير ملة محمد ﷺ؛ [ينقر
صلاته كما ينقر الغرابُ الدمَ]، مَثَلُ الذي لا يتم ركوعه وينقر في
سجوده؛ مثل الجائع الذي يأكل التمرة والتمرتين، لا يُغنِيان عنه
شيئًا " " (١) .
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/١٧٩ و١١/٤٤٨)، ومسلم (٢/٢٨)، والنسائي (١/١٦١ و١٦٨)، والبيهقي (٢/١١٧)، والطيالسي (٢٦٧)، وأحمد (٣/١١٥ و١٧٠ و٢٣١ و٢٧٤ و٢٧٩) من طرق عن قتادة عنه. وقد صرح قتادة بالتحديث في رواية البخاري، وهي رواية للنسائي.
(٢) هو من حديث أمراء الأجناد: عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وشرحبيل ابن حسنة؛ سمعوا من رسول الله ﷺ. أخرجه الطبراني في " الكبير " ﴿(١/١٩٢/١)﴾، وأبو يعلى ﴿في " مسنده " (٣٤٠ و٣٤٩/١)﴾ من طريق أبي صالح عن أبي عبد الله الأشعري: أن رسول الله ﷺ رأى الحديث. قال أبو صالح: " قلت لأبي عبد الله: من حَدَّث بهذا عن رسول الله ﷺ؟ قال: أمراء الأجناد ". فذكرهم. قال المنذري في " الترغيب " (١/١٨٢)، وتبعه الهيثمي (٢/١٢١): " وإسناده حسن ". وهو كما قالا. فقد أخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " ﴿(١/٨٢/١)، والآجري في " الأربعين " [رقم ٢٠]﴾، والبيهقي أيضًا (٢/٨٩) من طريق الوليد بن مسلم: ثنا شيبة بن الأحنف الأوزاعي: ثنا أبو سلام الأسود: ثنا أبو صالح الأشعري عن أبي عبد الله الأشعري به نحوه. وزاد في (أمراء الأجناد):
[ ٢ / ٦٤٢ ]
_________________
(١) ويزيد بن أبي سفيان (*) . وهذا سند رجاله كلهم موثقون. وأعله ابن التركماني بقوله: " ذكر صاحب " الكمال ": أن دُحَيمًا قال: لم يسمع الوليد بن مسلم من حديث شيبة بن الأحنف شيئًا ". قلت: وهذه علة لا تساوي شيئًا؛ فإن الوليد قد صرح بسماعه لهذا الحديث من شيبة، وهو ثقة؛ فلا يجوز تكذيبه إلا ببرهان. على أن كلام دُحيم هذا قد ذكره الحافظ في " تهذيب التهذيب "، وليس فيه ما نقله ابن التركماني، ونصه: " وقال عثمان الدارمي عن دحيم: كان الوليد يروي عنه. ما سمعت أحدًا يعرفه ". فليس فيه نفي سماع الوليد منه؛ بل نفى هو عن نفسه أن يكون سمع أحدًا يعرفه. وقد روى عنه غيرُ الوليد بن مسلم: محمد بن شُعيب بن شابور، وهشام أبو عبد الله صاحب الصدقة. وقد ذكره أبو زُرعة الدمشقي في ذكر نفر ذوي إسناد وعلم. وذكره ابن حبان في " الثقات ". فمثله لا يقل درجة حديثه عن الحسن؛ لا سيما وأنه لم يرو شيئًا منكرًا. والله أعلم. وله في " المسند " (٤/١٣٨) شاهد من حديث عثمان بن حُنَيف بإسناد ضعيف بنحوه؛ دون قوله: " مثل الذي " إلخ. (*) وعزاه الشيخ في " الصفة " المطبوع لِ " الضياء " في " المنتقى من الأحاديث الصحاح والحسان " (٢٧٦/١)، وابن عساكر (٢/٢٢٦/٢ و١/٤١٤ و٨/١٤/١ و٧٦/٢) .
[ ٢ / ٦٤٣ ]
﴿وقال أبو هريرة ﵁:
" نهاني خليلي ﷺ أن أنقر في صلاتي نقر الدّيك، وأن ألتفت التفات
الثعلب، وأن أُقعي كإقعاء القرد " (١)﴾ . وكان ﷺ يقول:
" أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته ".
قالوا: يا رسول الله! وكيف يسرق من صلاته؟ قال:
" لا يتم ركوعها وسجودها " (٢) .
_________________
(١) ﴿ولطرفه الأول - دون الزيادة - شاهد مرسل: عند ابن بطة في " الإبانة " (٥/٤٣/١)﴾ . وفي البخاري (٢/٢١٨ و٢٣٥)، والبيهقي (٢/١١٨)، وأحمد (٥/٣٨٤ و٣٩٦) عن حذيفة موقوفًا نحوه.
(٢) ﴿أخرجه الطيالسي، وأحمد، وابن أبي شيبة. وهو حديث حسن؛ كما بينته في تعليقي على " الأحكام " للحافظ عبد الحق الإشبيلي (١٣٤٨) . [وانظر " صحيح الترغيب والترهيب " (٥٥٥)﴾ .
(٣) هو من حديث أبي هريرة ﵁. أخرجه الحاكم (١/١٢١)، ومن طريقه البيهقي (٢/٣٨٦) عن عبد الحميد بن أبي العِشْرين عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: ثني أبو سَلَمة عنه مرفوعًا به. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. قلت: عبد الحميد هذا - وهو: ابن حبيب بن أبي العِشرين -: مُختَلَفٌ فيه. وفي " التقريب ": " صدوق ربما أخطأ ". قلت: فهو حسن الحديث.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
_________________
(١) ومن طريقه رواه الطبراني في " الكبير " و" الأوسط " - كما في " المجمع " (٢/١٢٠) -، وابن حبان أيضًا في " صحيحه " - كما في " الترغيب " (١/١٨٣) -. وليحيى فيه إسناد آخر. أخرجه الحاكم أيضًا، وعنه البيهقي، والدارمي (١/٣٠٤)، وأحمد (٥/٣١٠) من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عنه عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه مرفوعًا به. وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا؛ إن سلم من تدليس الوليد بن مسلم؛ فقد رواه معنعنًا - كما ترى -. ورواه الطبراني أيضًا في " الكبير " و" الأوسط "؛ كما في " المجمع "، وقال: " ورجاله رجال " الصحيح " ". وابن خُزيمة في " صحيحه " - كما في " الترغيب " (١/١٨١) -. وللحديث شواهد: منها: عن عبد الله بن مُغَفَّلَ. أخرجه الطبراني في " الصغير " (ص ٦٧) قال: ثنا جعفر بن مَعْدَان الأهوازي: ثنا زيد بن الحَرِيش: ثنا عثمان بن الهيثم: ثنا عوف عن الحسن عنه. وقال: " تفرد به زيد بن الحَرِيش ". قلت: قال ابن حبان في ترجمته في " الثقات ": " ربما أخطأ ". وقال ابن القطان: " مجهول الحال ". اهـ. وبقية رجال الإسناد ثقات رجال البخاري. وقاله المنذري (١/١٨١):
[ ٢ / ٦٤٥ ]
_________________
(١) " رواه الطبراني في " معاجمه الثلاثة " بإسناد جيد ". وكذا قال الهيثمي؛ إلا أنه قال: " رواه الطبراني في " الثلاثة "، ورجاله ثقات ". ومنها: عن أبي سعيد الخُدْري. أخرجه ﴿ابن أبي شيبة (١/٨٩/٢) = [١/٢٥٧/٢٩٦٠]﴾، والطيالسي (٢٩٤)، وأحمد (٣/٥٦) من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عنه مرفوعًا نحوه. وقال السيوطي في " تنوير الحوالك ": " إسناده صحيح ". كذا قال! وعلي بن زيد - وهو: ابن جُدْعان -: مختلف فيه. وفي " التقريب ": " ضعيف ". فلا يصح حديثه. نعم؛ حديثه حسن لا بأس به في الشواهد - كما هنا -. ومنها: عن النعمان بن مُرّة. أخرجه مالك في " الموطأ " (١/١٨١) عن يحيى بن سعيد عنه. وهذا مرسل صحيح الإسناد. ولفظ حديث النعمان بن مُرَّة: " ما ترون في الشارب والسارق والزاني؟ "، وذلك قبل أن تنزل فيهم الحدود. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " هن فواحش، وفيهن عقوبة. وأسوأ السرقة الذي يسرق من صلاته ". قال الباجي:
[ ٢ / ٦٤٦ ]
و" كان يصلي، فلمح (١) بمؤخَّر عينه إلى رجل لا يقيم (٢) صلبه في
الركوع والسجود، فلما انصرف؛ قال:
" يا معشر المسلمين! إنه لا صلاة لمن لا يقيم (٢) صلبه في الركوع
والسجود " " (٣) .
_________________
(١) " قصد ﷺ أن يُعَلِّمهم أن الإخلال بإتمام الركوع والسجود كبيرة، وأنه أسوأ مما تقرر عندهم أنه فاحشة. وإنما خص الركوع والسجود؛ لأن الإخلال في الغالب إنما يقع بهما، وسماه سرقة على معنى أنه خيانة فيما اؤتمن على أدائه ". كذا في " التنوير ".
(٢) أي: نظر ولاحظ. قال السندي: " وهذا إما مبنيٌّ على زعمه، وإلا؛ فهو ﷺ كان يرى من خلفه أحيانًا، وأحيانًا يلمح ".
(٣) أي: لا يعدل ولا يسوي. والمقصود الطمأنينة في الركوع والسجود.
(٤) هو من حديث علي بن شيبان ﵁: أنه خرج وافدًا إلى رسول الله ﷺ قال: فصلينا خلف النبي ﷺ، فلمح الحديث. أخرجه ﴿ابن أبي شيبة (١/٨٩/١) = [١/٢٥٦/٢٩٥٧]﴾، وأحمد (٤/٢٣)، وابن ماجه (١/٢٨٤ - ٢٨٥) من طريق مُلازم بن عمرو: ثنا عبد الله بن بدر: أن عبد الرحمن ابن علي حدثه: أن أباه علي بن شيبان حدثه به. وهذا إسناد صحيح. ورجاله ثقات؛ كما في " الزوائد " قال: " ورواه ابن خزيمة، وابن حبان في " صحيحيهما ". وكذا قال في " الترغيب " (١/١٨٢) . ﴿وانظر " الصحيحة " (٢٥٣٦)﴾ .
[ ٢ / ٦٤٧ ]
وقال في حديث آخر:
" لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود " (١) .
_________________
(١) هو من رواية عقبة بن عمرو أبي مسعود البدري ﵁. أخرجه أبو داود (١/١٣٦)، والنسائي (١/١٦٧)، والترمذي (٢/٥١)، ﴿وأبو عوانة [٢/١٠٤]﴾، والدارمي (١/٣٠٤)، وابن ماجه (١/٢٨٤)، والطحاوي في " مشكل الآثار" (١/٧٩)، والدارقطني (١٣٣)، ﴿والسهمي (٦١)﴾، والبيهقي (٢/٨٨ و١١٧)، والطيالسي (٨٥)، وأحمد (٤/١١٩ و١٢٢) من طرق عن الأعمش عن عُمَارة بن عمير عن أبي معمر عنه. وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ". والدارقطني: " إسناده ثابت صحيح ". والبيهقي: " صحيح ". قلت: وهو على شرط الشيخين. ورواه ابن خزيمة، وابن حبان في " صحيحيهما "، والطبراني، وقال: " إسناده صحيح " - كما في " الترغيب " (١/١٨١) -. ثم أخرجه ﴿أبو عوانة [٢/١٠٥]﴾، والبيهقي من طريق يحيى بن أبي بُكَير: ثنا إسرائيل عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر به مرفوعًا. وقال: " تفرد به يحيى بن أبي بكير ". قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين. فالظاهر أن للأعمش في هذا الحديث إسنادين؛ أحدهما: عن أبي سفيان عن جابر. والآخر: عن عمارة بن عُمَير عن أبي مَعْمَر عن أبي مسعود. والله أعلم. وفي رواية للطحاوي من طريق الفِرْيابي عن سفيان عن الأعمش عن عِمارة:
[ ٢ / ٦٤٨ ]