وأما الإمام مالك بن أنس ﵀؛ فقال:
١- " إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي؛ فكل ما وافق الكتاب
_________________
(١) = فيه - كما قد يفعل بعض الجهلة -، بل يجب التأدب معه؛ لأنه إمام من أئمة المسلمين الذين بهم حُفِظ هذا الدين، ووصل إلينا ما وصل من فروعه، وأنه مأجور على كل حال؛ أصاب أم أخطأ، كما أنه لا يجوز لمعظِّميه أن يظلوا متمسكين بأقواله المخالفة للأحاديث؛ لأنها ليست من مذهبه - كما رأيت نصوصه في ذلك -، فهؤلاء في واد، وأولئك في واد، والحق بين هؤلاء وهؤلاء، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
(٢) الفلاني في " الإيقاظ " (ص ٥٠)، ونسبه للإمام محمد أيضًا، ثم قال: " هذا ونحوه ليس في حق المجتهد؛ لعدم احتياجه في ذلك إلى قولهم؛ بل هو في حق المقلد ". قلت: وبناءً على هذا قال الشعراني في " الميزان " (١/٢٦): " فإن قلت: فما أصنع بالأحاديث التي صحت بعد موت إمامي، ولم يأخذ بها؟ فالجواب: الذي ينبغي لك: أن تعمل بها؛ فإن إمامك لو ظفر بها، وصحت عنده؛ لربما كان أَمَرَك بها؛ فإن الأئمة كلهم أسرى في يد الشريعة، ومن فعل ذلك؛ فقد حاز الخير بكلتا يديه، ومن قال: (لا أعمل بحديث إلا إن أخذ به إمامي)؛ فاته خير كثير؛ كما عليه كثير من المقلدين لأئمة المذاهب، وكان الأولى لهم العمل بكل حديث صح بعد إمامهم؛ تنفيذًا لوصية الأئمة؛ فان اعتقادنا فيهم أنهم لو عاشوا، وظفروا بتلك الأحاديث التي صحت بعدهم؛ لأخذوا بها، وعملوا بما فيها، وتركوا كلَّ قياس كانوا قاسوه، وكلَّ قول كانوا قالوه ".
[ ١ / ٢٦ ]
والسنة؛ فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة؛ فاتركوه " (١) .
٢- " ليس أحد - بعد النبي ﷺ - إلا ويؤخذ من قوله ويترك؛ إلا
النبي ﷺ " (٢) .
٣- قال ابن وهب:
سمعت مالكًا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال:
" ليس ذلك على الناس ".
قال: فتركته حتى خفَّ الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة. فقال:
" وما هي؟ ".
قلت: حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن
عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي عن المستورد بن شداد القرشي قال:
_________________
(١) ابن عبد البر في " الجامع " (٢/٣٢)، وعنه ابن حزم في " أصول الأحكام " (٦/١٤٩)، وكذا الفلاني (ص ٧٢) .
(٢) نسبةُ هذا إلى مالك هو المشهور عند المتأخرين، وصححه عنه ابن عبد الهادي في " إرشاد السالك " (٢٢٧/١)، وقد رواه ابن عبد البر في " الجامع " (٢/٩١)، وابن حزم في " أصول الأحكام " (٦/١٤٥ و١٧٩) من قول الحكم بن عُتَيبة ومجاهد، وأورده تقي الدين السبكي في " الفتاوى " (١/١٤٨) من قول ابن عباس - متعجبًا من حسنه -، ثم قال: " وأخذ هذه الكلمة من ابن عباسٍ مجاهدٌ، وأخذها منهما مالك ﵁، واشتهرت عنه ". قلت: ثم أخذها عنهم الإمام أحمد؛ فقد قال أبو داود في " مسائل الإمام أحمد " (ص ٢٧٦): " سمعت أحمد يقول: ليس أحد إلا ويؤخذ من رأيه ويترك؛ ما خلا النبي ﷺ ".
[ ١ / ٢٧ ]
رأيت رسول الله ﷺ يدلُك بخنصره ما بين أصابع رجليه. فقال:
" إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة ".
ثم سمعته بعد ذلك يُسأل، فيأمر بتخليل الأصابع (١) .