وأما الإمام الشافعي ﵀؛ فالنقول عنه في ذلك أكثر وأطيب (٢)،
وأتباعه أكثر عملًا بها وأسعد؛ فمنها:
١- " ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله ﷺ وتعزُبُ عنه،
فمهما قلتُ من قول، أو أصّلت من أصل، فيه عن رسول الله ﷺ خلاف ما
قلت؛ فالقول ما قال رسولُ الله ﷺ، وهو قولي " (٣) .
٢- " أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله ﷺ؛ لم
يَحِلَّ له أن يَدَعَهَا لقول أحد " (٤) .
_________________
(١) مقدمة " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم (ص ٣١ - ٣٢)، ورواها تامة البيهقي في " السنن " (١/٨١) .
(٢) قال ابن حزم (٦/١١٨): " إن الفقهاء الذين قُلِّدوا مبطلون للتقليد، وإنهم نهوا أصحابهم عن تقليدهم، وكان أشدهم في ذلك الشافعي؛ فإنه ﵀ بلغ من التأكيد في اتباع صحاح الآثار، والأخذ بما أوجبته الحجة، حيث لم يبلغ غيره، وتبرَّأ من أن يُقَلَّدَ جملة، وأعلن بذلك، نفع الله به، وأعظم أجره؛ فلقد كان سببًا إلى خير كثير ".
(٣) رواه الحاكم بسنده المتصل إلى الشافعي؛ كما في " تاريخ دمشق " لابن عساكر (١٥/١/٣)، و" إعلام الموقعين " (٢/٣٦٣ و٣٦٤)، و" الإيقاظ " (ص ١٠٠) .
(٤) ابن القيم (٢/٣٦١)، والفلاني (ص ٦٨) .
[ ١ / ٢٨ ]
٣- " إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ؛ فقولوا بسنة رسول
الله ﷺ، وَدَعُوا ما قلت ".
وفي رواية: " فاتبعوها، ولا تلتفتوا إلى قول أحد " (١) .
٤- " إذا صح الحديث؛ فهو مذهبي " (٢) .
_________________
(١) الهروي في " ذم الكلام " (٣/٤٧/١)، والخطيب في " الاحتجاج بالشافعي " (٨/٢)، وابن عساكر (١٥/٩/١)، والنووي في " المجموع " (١/٦٣)، وابن القيم (٢/٣٦١)، والفلاني (ص ١٠٠) . والرواية الأخرى لأبي نعيم في " الحلية " (٩/١٠٧)، وابن حبان في " صحيحه " (٣/٢٨٤ - الإحسان) بسنده الصحيح عنه نحوه.
(٢) النووي في المصدر السابق، والشعراني (١/٥٧)، وعزاه للحاكم، والبيهقي، والفلاني (ص ١٠٧)، وقال الشعراني: " قال ابن حزم: أي: صح عنده، أو عند غيره من الأئمة ". قلت: وقوله الآتي عقب هذا صريح في هذا المعنى، قال النووي ﵀ ما مختصره: " وقد عمل بهذا أصحابنا في مسألة التثويب، واشتراط التحلل من الإحرام بعذر المرض وغيرهما مما هو معروف في كتب المذهب، وممن حُكي عنه أنه أفتى بالحديث من أصحابنا: أبو يعقوب البُويطي، وأبو القاسم الدَّارَكي، وممن استعمله من أصحابنا المحدثين: الإمام أبو بكر البيهقي وآخرون، وكان جماعة من متقدمي أصحابنا إذا رأوا مسألة فيها حديث، ومذهب الشافعي خلافه؛ عملوا بالحديث، وأفتوا به قائلين: مذهب الشافعي ما وافق الحديث. قال الشيخ أبو عمرو: فمن وجد من الشافعية حديثًا يخالف مذهبه؛ نظر: إن كملت آلات الاجتهاد فيه مطلقًا - أو في ذلك الباب، أو المسألة -؛ كان له الاستقلال بالعمل به، وإن لم تكمل - وشَقَّ عليه مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفه عنه جوابًا شافيًا -؛ فله العمل به، إن =
[ ١ / ٢٩ ]
٥- " أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث الصحيح؛
فَأَعْلِموني به - أي شيء يكون: كوفيًّا، أو بصريًا، أو شاميًا -؛ حتى أذهب إليه
إذا كان صحيحًا ".
_________________
(١) = كان عَمِل به إمام مستقل غير الشافعي، ويكون هذا عذرًا له في ترك مذهب إمامه هنا. وهذا الذي قاله حسن متعين. والله أعلم ". قلت: هناك صورة أخرى لم يتعرض لذكرها ابن الصلاح، وهي فيما إذا لم يجد من عمل بالحديث؛ فماذا يصنع؟ أجاب عن هذا تقي الدين السبكي في رسالة " معنى قول الشافعي إذا صح الحديث " (ص ١٠٢ ج ٣)؛ فقال: " والأولى عندي اتباع الحديث، وليفرض الإنسان نفسه بين يدي النبي ﷺ، وقد سمع ذلك منه؛ أيسعه التأخر عن العمل به؟ لا والله! وكل واحد مكلف بحسب فهمه ". وتمام هذا البحث وتحقيقه تجده في " إعلام الموقعين " (٢/٣٠٢ و٣٧٠)، وكتاب الفلاني المسمى " إيقاظ همم أولي الأبصار، للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار، وتحذيرهم عن الابتداع الشائع في القرى والأمصار، من تقليد المذاهب مع الحمية والعصبية بين فقهاء الأعصار "، وهو كتاب فَذّ في بابه، يجب على كل محبٍّ للحق أن يدرسه دراسة تفهم وتدبر.
(٢) الخطاب للإمام أحمد بن حنبل ﵀. رواه ابن أبي حاتم في " آداب الشافعي " (ص ٩٤ - ٩٥)، وأبو نعيم في " الحلية " (٩/١٠٦)، والخطيب في " الاحتجاج بالشافعي " (٨/١)، وعنه ابن عساكر (١٥/٩/١)، وابن عبد البر في " الانتقاء " (ص ٧٥)، وابن الجوزي في " مناقب الإمام أحمد " (ص ٤٩٩)، والهروي (٢/٤٧/٢) من ثلاثة طرق عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: أن الشافعي قال له: فهو صحيح عنه؛ ولذلك جزم بنسبته إليه ابن القيم في " الإعلام " (٢/٣٢٥)، والفلاني في " الإيقاظ " (ص ١٥٢)، ثم قال: " قال البيهقي: ولهذا كَثُر أخذه - يعني: الشافعي - بالحديث، وهو أنه جمع علم أهل الحجاز، والشام، واليمن، والعراق، وأخذ بجميع ما صح عنده من غير محاباة منه، ولا ميل إلى ما استحلاه من مذهب أهل بلده؛ مهما بان له الحق في غيره، وفيمن كان قبله من =
[ ١ / ٣٠ ]
٦- " كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله ﷺ عند أهل النقل
بخلاف ما قلت؛ فأنا راجع عنها في حياتي، وبعد موتي " (١) .
٧- " إذا رأيتموني أقول قولًا، وقد صحَّ عن النبي ﷺ خلافُه؛ فاعلموا أن
عقلي قد ذهب " (٢) .
٨- " كل ما قلت؛ فكان عن النبي ﷺ خلاف قولي مما يصح؛ فحديث
النبي أولى، فلا تقلدوني " (٣) .
٩- " كل حديث عن النبي ﷺ؛ فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني " (٤) .