فأجاز (٢) رسول الله - ﷺ - حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزلها، حتى اذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له (٣)، فأتى بطن الوادي (٤) فخطب الناس وقال: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وأن أول دم أضع من دمائنا، دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسنرضعا في بني سعد، فقتله هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ريانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله.
فاتقوا الله فى النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليك رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
_________________
(١) كانت قريش في الجاهلية لا تتجاوز النزول بالمزدلفة ويقولون: نحن أهل حرم فلا نخرج منه. ولكن الرسول - ﷺ - تجاوزه لما أخبره القرآن بقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أي سائر العرب غير قريش.
(٢) جاوز المزدلفة.
(٣) وضع عليها الرحل.
(٤) وادي عرفة.
[ ٨٥ ]
وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟
قالوا: نشهد انك قد بلغت وأديت ونصحت! ! !
فقال بإصبه السبابة (١) يرفعها الى السماء ينكتها الى الناس، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات.
ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا.
ثم ركب رسول الله - ﷺ - حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة (٢) بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه.