صَعِيدًا جُرُزًا) (١)، ولذلك فإن كل ما فيها فهو منغّص لا سيما شهوات الإنسان، ويكفيه التفكر بما يؤول إليه طعامه الشهي المنمّق المزوّق!.
إنه من لطف الله بعباده ورحمته لهم أن جعل شهوات الدنيا وملذاتها وجمال صورها محفوفًا بالنقص والتنغيص والأكدار.
ووصف لهم دار النعيم الكامل الذي لا يشوبه نقص لئلا يركنوا إلى الدنيا ويطمئنوا إليها.
فالمراد شرعًا وطبيعة في هذه الدار الحد من شدة التعلق بها والطلب والإرادة، لذلك جاءت الشوائب والمشوشات على الجمال؛ ولذلك فإن المرأة كما تقرر سابقًا وإن كانت مُنعت شعر اللحية فهي لم تمنع أن يتحول جمالها ويتغير مع كرور الليالي والأيام.
_________________
(١) سورة الكهف، آية: ٧ - ٨.
[ ٢٢ ]
وانظر إلى القمر ليلة اكتماله واتساقه حيث يكون في أوج جماله ثم يبدأ في التحول؛ وعلى ذلك تُقاس كمالات دار الفناء وجمالها، وذلك من تمام حكمة الحكيم سبحانه ورحمته بعباده بأن جعل ما يستحسنونه ويميلون إليه ويشتهونه كالأنموذج لما في دار النعيم المقيم، وحفّه هنا بالكدر.
وفي هذا المعنى يقول أبو الحسن التهامي عن الدنيا:
طُبِعَت على كدر وأنت ريدها صفوًا من الأقذاء والأكدار!
أما هناك في الجنة فالكمال والجمال مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ) (١).
إن كل جمال في الدنيا وكل كمال وكل شهوة قد أُلصق
_________________
(١) سورة الزخرف، من الآية: ٧١.
[ ٢٣ ]