وهل دلت الآية إلا على أنه أمرهم بالمعروف الذي تعرفه العقول وتُقر بحسنه الفطر، فأمرهم بما هو معروف في نفسه عند كل عقل سليم، ونهاهم عما هو منكر في الطباع والعقول، بحيث إذا عُرض أمره ونهيه على العقل السليم قَبله أعظم قبول، وشهد بحسنه، كما قال بعض الأعراب وقد سئل: بم عرفت أنه رسول الله؟!، فقال: ما أمر بشيء فقال العقل: ليته ينهى عنه، ولا نهى عن شيء فقال: ليته أمر به!) انتهى (١).
تُرى هذا الأعرابي لما علم أن النبي ﷺ أمر بإعفاء اللحى، يقول: ليته أمر بحلقها أو قصها؟!، لقد كانت العرب أبعد شيء عن التأنث والتشبه بالنساء والعجم، وما كانت العرب تعرف هذه الفعلة القبيحة لكمال رجولتهم وذكوريتهم، وإنما جاءت تشبهًا بالأعاجم، ورجال الأعاجم تتشبه بنسائها وبالمردان، ونساؤهم تتشبه برجالهم، وهذا ظاهر.
_________________
(١) مفتاح دار السعادة، ٢/ ٦.
[ ٣٤ ]
ثم قال ابن القيم –﵀- بعد الكلام السابق: (فهذا الأعرابي أعرف بالله ودينه ورسوله من هؤلاء "يعني نفاة الحكمة" وقد أقر عقله وفطرته بحسن ما أمر به وقُبح ما نهى عنه، حتى كان في حقه من أعلام نبوته وشواهد رسالته.
ولو كان جهة كونه معروفًا ومنكرًا هو الأمر المجرد لم يكن فيه دليل، بل كان يطلب له الدليل من غيره.
ومن سلك ذلك المسلك الباطل لم يمكنه أن يستدل على صحة نبوته بنفس دعوته ودينه، ومعلوم أن نفس الدين الذي جاء به والملة التي دعا إليها من أعظم براهين صدقه وشواهد نبوته) انتهى (١).
تأمل قوله –﵀-: (ومعلوم أن نفس الدين الذي جاء به، والملة التي دعا إليها من أعظم براهين صدقه وشواهد نبوته).
_________________
(١) مفتاح دار السعادة، ٢/ ٦.
[ ٣٥ ]