ومما يتصل بموضوعنا ما ذكره ابن القيم –﵀- في كتابه النفيس (مفتاح دار السعادة) في كلامه في حكمة الخالق الحكيم سبحانه حيث قال: (ومن سلب الإحساس الحيواني الشعور والأظفار التي في الآدمي لأنها قد تطول وتمتد وتدعو الحاجة إلى أخذها وتخفيفها، فلو أعطاها الحس لآلمته وشق عليه أخذ ما شاء منها، ولو كانت تحس لوقع الإنسان منها في إحدى البليّتين: إما تركها حتى تطول وتفحش وتثقل عليه، وإما مُقاساة الألم والوجع عند أخذها.
ومن جعل باطن الكف غير قابل لإنبات الشعر لأنه لو أشعر لتعذر على الإنسان صحة اللمس، ولشق عليه كثير من الأعمال التي تباشر بالكف، ولهذه الحكمة لم يكن هِن الرجل قابلًا لإنباته لأنه يمنعه من الجماع؛ ولما كانت المادة تقتضي إنباته هناك نبت حول هنّ الرجل والمرأة، ولهذه الحكمة سُلِب عن الشفتين، وكذا باطن الفم، وكذا أيضًا القدم أخمصها وظاهرها لأنها تلاقي التراب والوسخ والطين والشوك، فلو كان هناك شعر لآذى الإنسان جدًا، وحمل من الأرض كل
[ ٢٨ ]
وقت ما يُثقل الإنسان، وليس هذا للإنسان وحده بل ترى البهائم قد جلّلها الشعر كلها، وأُخليت هذه المواضع منه لهذه الحكمة.
أفلا ترى الصنعة الإلهية كيف سُلِبت وجوه الخطأ والمضرة وجاءت بكل صواب وكل منفعة وكل مصلحة!.
ولما اجتهد الطاعنون في الحكمة العائبون للخِلْقة فيما يطعنون به عابوا الشعور تحت الآباط وشعر العانة وشعر باطن الأنف وشعر "البيضتين"، وقالوا: أي حكمة فيها وأي فائدة؟!، وهذا من فرط جهلهم وسخافة عقولهم، فإن الحكمة لا يجب أن تكون بأسرها معلومة للبشر ولا أكثرها، بل لا نسبة لما علموه إلى ما جهلوه فيها، ولو قيست علوم الخلائق كلهم بوجوه حكمة الله تعالى في خلقه وأمره إلى ما خفي عنهم منها ما كانت كنقرة عصفور في البحر، وحسب الفطن اللبيب أن يستدل بما عرف منها على ما لم يعرف، ويعلم أن الحكمة فيما جهله منها مثلها فيما علمه بل أعظم
[ ٢٩ ]
وأدق، وما مثل هؤلاء الحمقى النوكى إلا كمثل رجل لا علم له بدقائق الصنائع والعلوم من البناء والهندسة والطب، بل والحياكة والخياطة والنجارة إذا رام الاعتراض بعقله الفاسد على أربابها في شيء من آلاتهم وصنائعهم وترتيب صناعتهم فخفيت عليه، فجعل كل ما خفي عليه منها شيء قال: هذا لا فائدة فيه، وأي حكمة تقتضيه؟!، هذا مع أن أرباب الصنائع بشر مثله يمكنه أن يشاركهم في صنائعهم ويفوقهم فيها فما الظن بمن بهرت حكمته العقول الذي لا يشاركه مشارك في حكمته كما لا يشاركه في خلقه فلا شريك له بوجه.
فمن ظن أن يكتال حكمته بمكيال عقله أو يجعل عقله عيارًا عليها فما أدركه أقر به، وما لم يدركه نفاه فهو من أجهل الجاهلين، ولله في كل ما خفي على الناس وجه الحكمة فيه حكم عديدة لا تُدفع ولا تنكر، فاعلم الآن أن تحت منابت هذه الشعور من الحرارة والرطوبة ما اقتضت الطبيعة إخراج هذه الشعور عليها؛ ألا ترى أن العشب ينبت في مستنقع المياه بعد نُضوب الماء عنها لما خُصَّت به من الرطوبة
[ ٣٠ ]