أهمية الوقت في السُّنَّة المُطهَّرة
حظي الوقت بنصيب وافر من العناية فيما نُقِلَ عن النبيِّ ﷺ من الأقوال والأفعال، والتي يمكن تناولها من خلال دراسة النصوص الدالة على عناية النبيِّ ﷺ بالوقت، وذلك ضمن المحاور الآتية:
أولًا: الوقت نعمة عظيمة.
تؤكد السُّنَّة المُطهَّرة ما جاء في القرآن الكريم من أن الوقت هو من أعظم نعم الله على عباده، وأنهم مأمورون بحفظ الوقت ومسؤولون عنه، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ» (١)، ومعنى قوله ﷺ: «كثيرٌ من الناس»: "أي أن الذي يُوفَّق لذلك قليل، فقد يكون الإنسان صحيحًا ولا يكون متفرغًا لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيًا ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون" (٢)، و"النعمة ما يتنعم به الإنسان ويستلذه، والغبن: أن يشتري بأضعاف الثمن أو يبيع بدون ثمن المثل" (٣) .
وفي هذا الحديث "ضرب النبيُّ ﷺ للمُكلَّف مثلًا بالتاجر الذي له رأس مال، فهو يبتغي الربح مع سلامة رأس المال، فطريقُه في ذلك أن يتحرى فيمن يعامله، ويلزم الصدق والحذق لئلا يُغبن، فالصحة والفراغ رأس مال، وينبغي له أن يعامل اللهَ بالإيمان، ومجاهدة النفس وعدوِّ الدِّين، ليربح خيري الدنيا والآخرة" (٤) .
_________________
(١) البخاري، محمد بن إسماعيل ١٩٤-٢٥٦هـ، صحيح البخاري، اعتنى به أبو صهيب الكرمي، بيت الأفكار الدولية، ١٤١٩هـ-١٩٩٨م، كتاب (٨١)، باب (١)، رقم الحديث (٦٤١٢)، ص١٢٣٢.
(٢) ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ٧٧٣ - ٨٥٢ هـ، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩هـ، كتاب (٨١)، باب (١)، شرح الحديث ذي الرقم (٦٤١٢)، ج١١ ص٢٣٤.
(٣) السندي، أبو الحسن نور الدين محمد بن عبد الهادي ت١١٣٨هـ، شرح سنن ابن ماجه، تحقيق خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، ١٤١٨هـ -١٩٩٧م، ١-٤، ج٤ ص ٤٥٤-٤٥٥.
(٤) ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب (٨١)، باب (١) شرح الحديث ذي الرقم (٦٤١٢)، ج١١ ص٢٣٤.
[ ٣١ ]
فمن صحَّ بدنه وتفرَّغ من الأشغال العائقة، ثم لم يسعَ لاستثمار هذه الصحة وهذا الفراغ لإصلاح آخرته ودنياه، فيستثمرهما الاستثمار الأمثل في تحقيق أهدافه التي تعينه على العيش الرغيد في الدنيا، وترقى به إلى مدارج الصالحين في الآخرة، من لم يكن كذلك فهو كالمغبون فيهما.
ثانيًا: الوقت مسؤولية كبرى
وقت المسلم أمانة عنده، وهو مسؤول عنه يوم القيامة، هذا ما تؤكده السُّنَّة المُطهَّرة، وإن ثمة أربعة أسئلة سيُسألها العبد عند الله ﷿ يوم القيامة، منها سؤالان مختصان بالوقت، ففي الحديث عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عُمُره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه» (١) . أي أن العبد في ذلك الموقف العصيب، يوم القيامة، لن تزول قدماه، ولن يبرح ذلك المكان، حتى يُسأل ويحاسب عن مدة عمره بعامّة كيف قضاها، وعن فترة شبابه بخاصة كيف أمضاها، ذلك أن الشباب هو محور القوة والحيوية والنشاط، وعليه الاعتماد في العمل أكثر من غيره من مراحل العمر الأخرى، ولأهميته تلك فقد خُص بالسؤال عنه مستقلًا مع أنه داخل ضمن السؤال عن العمر.
ثالثًا: الوقت وعاء العبادة
الصلاة والزكاة والصيام والحج، جميعها عبادات محددة بأوقات معينة، لا يصح تأخيرها عنها، وهي لا تُقبل إلا إذا أُدِّيت في أوقاتها المعتبرة شرعًا؛ فهي مرتبطة إذًا ارتباطًا وثيقًا بالوقت، الذي هو عبارة عن الظرف أو الوعاء الذي تؤدى فيه.
_________________
(١) الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد ٢٦٠-٣٦٠هـ، المعجم الكبير، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط٢، ١٤٠٤هـ - ١٩٨٣م، ١-٢٥، رقم الحديث (١١١)، ج٢٠ ص٦١. والترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، سنن الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر، مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي، ط٢، ١٣٩٨هـ، كتاب (٣٨)، باب (١)، رقم الحديث (٢٤١٧)، ج٤ ص ٦١٢، وقال هذا حديث حسن صحيح.
[ ٣٢ ]
ومما ورد عن النبيِّ ﷺ في الحث على أداء العبادات في وقتها قوله حين سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها» (١) . وكان ﷺ يقول إذا رأى الهلال: «اللهم أهلّه علينا باليُمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربِّي وربُّك الله» (٢) . وكان يقول عن هلال رمضان: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» (٣) .
وجاء عنه ﷺ - في الحث على قيام الليل وذِكْر الله فيه - قولُه: «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن» (٤) .
كما ورد عنه ﷺ الحث على اغتنام عشر ذي الحجة بالعمل الصالح، وذلك في قوله: «ما العمل في أيام أفضل منها في هذه» قالوا: ولا الجهاد قال: «ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء» (٥) .
رابعًا: الوقت في أفعال النبيِّ ﷺ
كان النبيُّ ﷺ من أشدِّ الناس حفظًا لوقته؛ فكان لا يصرف وقتًا في غير عمل لله تعالى، أو فيما لا بد منه لصلاح نفسه، يقول علي بن أبي طالب ﵁ يصف حال النبيِّ ﷺ بأنه: «كان إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء؛ جزءًا لله، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه، ثم جزأ جُزأه بينه وبين الناس» (٦) .
كما كان ﵊ حريصًا على إعمار وقته بالعبادة والطاعة، فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبيَّ ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: «لِمَ تصنعُ هذا يارسول الله وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا» (٧) .
_________________
(١) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب (٩٧)، باب (٤٨)، رقم الحديث (٧٥٣٤)، ص ١٤٣٩. والقشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، مرجع سابق، كتاب (١)، باب (٣٦)، رقم الحديث (٨٥)، ج١ ص ٨٩.
(٢) الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، سنن الترمذي، مرجع سابق، كتاب (٤٩)، باب (٥١)، رقم الحديث (٣٤٥١)، ج٥ ص ٥٠٤، وقال هذا حديث حسن غريب.
(٣) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب (٣٠)، باب (١١)، رقم الحديث (١٩٠٩)، ص ٣٦٢. والقشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، مرجع سابق، كتاب (١٣)، باب (٢)، رقم الحديث (١٠٨١)، ج٢ ص ٧٦٢.
(٤) الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، سنن الترمذي، مرجع سابق، كتاب (٤٩)، باب (١١٩)، رقم الحديث (٣٥٧٩)، ج٥ ص ٥٦٩-٥٧٠، وقال هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
(٥) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب (١٣)، باب (١١)، رقم الحديث (٩٦٩)، ص١٩٣
(٦) الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، مرجع سابق، ج٢٢ ص١٥٧. والبيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين ٣٨٤-٤٥٨هـ، شعب الإيمان، تحقيق محمد السعيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١٠هـ ١-٨، باب (١٤)، رقم الحديث (١٤٣٠)، ج٢ ص ١٥٦. بإسناد ضعيف.
(٧) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب (٦٥)، باب (٢)، رقم الحديث (٤٨٣٧)، ص٩٥٠. والقشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، مرجع سابق، كتاب (٥١)، باب (١٨)، رقم الحديث (٢٨١٩)، ج٤ ص ٢١٧١.
[ ٣٣ ]
خامسًا: تقسيم الوقت وتنظيمه
يحث النبيُّ ﷺ الأمة على الاهتمام بتنظيم الوقت وتوجيهه لمعالي الأمور في الحياة الخاصة والعامة، فيقول فيما يرويه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: دخل عليّ رسول الله ﷺ فقال: «ألم أُخْبَر أنّك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت: بلى. قال: فلا تفعل، قم ونم وصم وأفطر، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لِزَورِكَ (١) عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا» (٢) . ومن الأولى بالمسلم ألاَّ يخل بهذه الموازنة، بل الواجب عليه أن يوزع وقته للوفاء بهذه الحقوق جميعها، دون أن يطغى جانب منها على الآخر، ولا يخفى أن المقصود هنا ليس توزيع الوقت بين هذه الحقوق بالتساوي، إنما المراد التسديد في ذلك والمقاربة في الوفاء بها جميعًا قدر الاستطاعة.
ومما رواه النبيُّ ﷺ عن صحف إبراهيم ﵇ قوله: «على العاقل - مالم يكن مغلوبًا على عقله- أن تكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب» (٣) .
ومن حُسن تنظيم الوقت أن يُجعل فيه جزء للراحة والترويح، فإن النفس تسأم بطول الجِدِّ، والقلوب تَمَلُّ كما تملّ الأبدان، فلا بد من قَدْر من الترفيه المباح، فعن حنظلة الأُسَيِّدي ﵁ أنه دخل على النبيِّ ﷺ فقال: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ: وما ذاك؟ قلت: يارسول الله نكون عندك تذكّرنا بالنار والجنة حتى كأنَّا رأيُ عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا (٤) الأزواج والأولاد والضَّيْعات فنسينا كثيرًا، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنْ لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذِّكْر،
_________________
(١) لزورك: الزّور الأضياف والزوار. انظر: (ابن حجر، فتح الباري، مرجع سابق، ج ١١ ص٥٤٨) .
(٢) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب (٧٨)، باب (٨٤)، رقم الحديث (٦١٣٤)، ص ١١٨٣. والقشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، مرجع سابق، كتاب (١٣)، باب (٣٥)، رقم الحديث (١١٥٩)، ج٢ ص ٨١٤.
(٣) ابن بلبان، الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي ت٧٣٩هـ، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٣، ١٤١٨هـ-١٩٩٧م، ١-١٨، رقم الحديث (٣٦١)، ج٢ ص ٧٨. والبيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، شعب الإيمان، مرجع سابق، باب (٣٣)، رقم الحديث (٤٦٧٧)، ج٤ ص ١٦٤. والحديث لا يثبت مرفوعًا.
(٤) عافسنا الأزواج والأولاد والضَّيْعات: أي خالطناهم، قال في القاموس: تعافسوا: تعالجوا في الصراع، والمعافسة المعالجة. انظر: (الفيروزآبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب ٧٢٩ - ٨١٧ هـ، القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٢، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م، ص ٧٢٠، باب السين، فصل العين) .
[ ٣٤ ]
لصافحتكم الملائكة على فُرُشكم وفي طُرُقكم، ولكن يا حنظلةُ ساعةً وساعة» كررها ثلاث مرات (١) . هكذا كان النبيُّ ﷺ يعلِّم أصحابه ويبيِّن لهم أن القلوب تَكِلُّ وتتعب وتتقلَّب، فمن الحكمة مراعاتها والترويح عنها بين الفينة والأخرى بما أحل الله، وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم ذلك ووعَوْه وطبقوه في حياتهم العملية؛ فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (أريحوا القلوب، فإن القلب إذا أُكرِه عَمِي) (٢)، ورُوي عنه أيضًا أنه قال: (إن للقلوب شهوة وإقبالًا، وفترة وإدبارًا، فخذوها عند شهواتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها) (٣)، وجاء عن أبي الدرداء ﵁ قوله: (إنّي لأستجمّ نفسي بالشيء من الباطل غير المُحرَّم، فيكون أقوى لها على الحق) (٤) .
سادسًا: الحث على اغتنام الوقت والتحذير من إضاعته
جاء في الحديث الحث على استثمار الوقت واقتناص فرصه، ومن ذلك قول رسول الله ﷺ لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هَرَمك، وصِحَّتَك قبل سَقَمك، وغَنَاءك قبل فقرك، وفراغك قبل شُغْلك، وحياتك قبل موتك» (٥) . لقد لخّص النبيُّ ﷺ في هذه الكلمات الموجزة البليغة ما تناوله الباحثون في كتب عديدة، وهذا من جوامع الكلِم، إذ تحدّث عن أهمية الوقت والمبادرة إلى استثماره واغتنام قوة الشباب، وفرص الفراغ في العمل الصالح المثمر، وحذر من خمس معوّقات تحول دون استثمار الأوقات، كل ذلك في عبارات وجيزة لا تبلغ كلماتها العشرين.
كما كان ﷺ يأمر بالمبادرة إلى العمل الصالح قبل أن تحول العوائق دون ذلك، فيقول: «بادروا بالأعمال سبعًا، هل تُنْظَرون إلا إلى فقر مُنسٍ، أو غنىً مُطْغٍ، أو مرضٍ مُفْسِد، أو هرم مُفْنِد، أو موت مُجْهِز، أو الدَّجال
_________________
(١) القشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، مرجع سابق، كتاب (٤٩)، باب (٣)، رقم الحديث (٢٧٥٠)، ج٤ ص ٢١٠٦.
(٢) ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي ٣٦٨-٤٦٣ هـ، بهجة المجَالس وأنس المُجَالس، تحقيق محمد مرسي الخولي، دار الكتب العلمية، بيروت، دت، ج١ ص ١١٥.
(٣) المرجع نفسه، ج١ ص ١١٥.
(٤) المرجع نفسه، ج١ ص ١١٥.
(٥) الحاكم، محمد بن عبد الله النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١١هـ - ١٩٩٠م، ١-٤، كتاب (٤٤)، رقم الحديث (٧٨٤٦)، ج٤ ص ٣٤١، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه، ووافقه الذهبي.
[ ٣٥ ]
فشرٌّ غائبٌ يُنتظَر، أو الساعة؟ فالساعةُ أدهى وأمرُّ» (١) .
فهو ﷺ يحثُّ أُمَّته على المبادرة لأداء الأعمال وعدم تأجيلها، ذلك أن حال الإنسان لا يخلو غالبًا من وقوع المعوِّقات؛ من مرض، أو هرم، أو موت، أو نحو ذلك مما يقف حائلًا دون أداء الأعمال أو إتمامها، فالمعوِّقات كثيرة، والحاذق من بادر بأداء العمل قبل أن تحاصره العوائق.
أما قوله ﷺ: «من خاف أدلج ومن أدلج بَلَغ المَنْزِل» (٢) . فإن الطيبي (٣) يقول في شرح معناه: "هذا مَثَلٌ ضربه النبيُّ ﷺ لسالك الآخرة؛ فإن الشيطان على طريقه والنفس وأمانيه الكاذبة أعوانه، فإنْ تيقَّظ في مسيره وأخلص النية في عمله أمِن من الشيطان وكيده" (٤) .
وهذا المثل عامٌّ، ينطبق كذلك في حق من حدد لنفسه أهدافًا، ثم خاف أن تدركه المعوِّقات قبل بلوغها، فتجده يحثُّ الخُطا حتى يحقق أهدافه.
وقد كان ﷺ يأمر بالتبكير في أداء الأعمال، فعن صخرٍ الغامديِّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «اللهم بارك لأمتي في بُكُورها، وكان إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم من أول النهار»، وكان صخرٌ رجلًا تاجرًا، وكان يبعث تجارته من أوّل النهار، فأثرى وكَثُر مالُه (٥) .
وفي هذا المعنى أيضًا تروي أمُّ المؤمنين عائشةُ ﵂ أن النبيَّ ﷺ قال: «باكروا طلب الرزق والحوائج؛ فإن الغُدُوَّ بركة ونجاح» (٦) .
وعن فاطمةَ ﵂ وأرضاها، قالت: مرّ بي رسول الله ﷺ وأنا مضطجعة مُتصبِّحة فحرَّكني برجله، ثمّ قال: «يا بنية، قومي اشهدي رزقَ ربِّك ولا تكوني من الغافلين، فإن الله يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس» (٧) .
_________________
(١) الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، سنن الترمذي، مرجع سابق، كتاب (٣٧)، باب (٣)، رقم الحديث (٢٣٠٦)، ج٤ ص ٥٥٣، وقال: هذا حديث حسن غريب. والبيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، شعب الإيمان، مرجع سابق، باب (٧١)، رقم الحديث (١٠٥٧٢)، ج٧ ص٣٥٧.
(٢) الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، سنن الترمذي، مرجع سابق، كتاب (٣٨)، باب (١٨)، رقم الحديث (٢٤٥٠)، ج٤ ص ٦٣٣، وقال هذا حديث حسن غريب. الحاكم، محمد بن عبد الله النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، مرجع سابق، كتاب (٤٤)، رقم الحديث (٧٨٥١)، ج٤ ص ٣٤٣، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه، ووافقه الذهبي.
(٣) الطيبي: شرف الدين حسن بن محمد الطيبي، صاحب التصانيف المتوفى سنة ٧٤٣هـ. انظر: (القسطنطيني، مصطفى بن عبد الله ١٠١٧-١٠٦٧هـ، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٣هـ-١٩٩٢م، ١-٢، ج١ ص٧٢٠) .
(٤) المباركفوري، محمد عبد الرحمن، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١٠هـ-١٩٩٠م، ١-١٠، شرح الحديث ذي الرقم (٢٥٦٧)، ج٧ ص ١٢٣-١٢٤.
(٥) أبو داود، سليمان بن أشعث السجستاني، سنن أبي داود، فهرسة كمال يوسف الحوت، دار الجنان، ١٤٠٩هـ، كتاب (٩)، رقم الحديث (٢٦٠٦)، ج٢ ص ٤١. وابن بلبان، الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، مرجع سابق، رقم الحديث (٤٧٥٤)، ج١١ ص ٦٢.
(٦) الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد ٢٦٠ - ٣٦٠ هـ، المعجم الأوسط، تحقيق طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني، دار الحرمين، القاهرة، ١٤١٥هـ ١ - ١٠، رقم الحديث (٧٢٥٠)، ج٧ ص ١٩٣-١٩٤. بإسناد ضعيف.
(٧) البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، شعب الإيمان، مرجع سابق، باب (٣٣)، رقم الحديث (٤٧٣٥)، ج٤ ص١٨١، وإسناده ضعيف.
[ ٣٦ ]