إدارة الوقت في السُّنَّة المُطهَّرة
مارس النبيُّ ﷺ الإدارة ممارسة عملية، وتجلت وظائف الإدارة في سُنَّته القولية والفعلية، ذلك أنه كان يرأس الدولة الإسلامية الفتية الناشئة في المدينة النبويَّة، وسنعرض في هذا المبحث لأهم وظائف الإدارة وتحليلها في ضوء نصوص السُّنَّة النبويَّة، وفي إطار إدارة الوقت.
أولًا: التخطيط
من خلال دراسة السيرة النبويَّة في العهد المكيِّ يمكن القول إن هذه الفترة قد احتوت على نوعين من التخطيط وفقًا للمفهوم المعاصر: تخطيط بعيد المدى أو إستراتيجي، وتخطيط قصير المدى أو تنفيذي (١) . أما في العهد المدني فقد تجلى التخطيط واتضحت معالمه، حيث تم تشكيل دولة الإسلام برئاسة النبيِّ ﷺ، وسنتلمس في البنود الآتية بعض عناصر التخطيط في السُّنَّة النبويَّة ذات العلاقة بإدارة الوقت، والتي من أهمها:
١ - تحديد الأهداف وترتيب الأولويات:
وهو عنصر مهم من عناصر إدارة الوقت واستثماره، ولعل ذلك يتضح جليًا من خلال وصيّة النبيِّ ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن، وكان الهدف من بعثه دعوة أهل اليمن إلى الإسلام. فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «إنّك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ
_________________
(١) انظر: البنا، فرناس عبد الباسط، التخطيط: دراسة في مجال الإدارة الإسلامية وعلم الإدارة العامة، مرجع سابق، ص ١١١.
[ ٨٧ ]
محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإيّاك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب» (١) .
نلحظ من سياق هذا الحديث أن النبيَّ ﷺ قد حدد لمعاذ بن جبل ﵁ أهداف البعثة ورتب له أولويات الدعوة، حتى لا تذهب جهوده سدى، كل ذلك من أجل أن تحقق البعثة أهدافها المرسومة في أقل وقت ممكن.
وقد رتب النبيُّ ﷺ الأهداف ترتيبًا منطقيًا حسب أهميتها وأولويتها، قال الخطَّابي: (إن ذكر الصدقة أُخِّر عن ذكر الصلاة لأنها إنما تجب على قوم دون قوم، وأنها لا تُكرّر تكرار الصلاة)، قال ابن حجر مُعلِّقًا على كلام الخطابيِّ: (هو حسن، وتمامه أن يقال: بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطّف في الخطاب لأنه لو طالبهم بالجميع في أوّل مرّة لم يأمن النفرة) (٢) .
٢ - التفكر والاعتبار:
جاء في الحديث عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لا يُلدغ المؤمن من جُحْر واحد مرتين» (٣)، ما يدل على ضرورة التفكير والأخذ بمبدأ الحيطة والحذر من الوقوع فيما سلف من الأخطاء.
٣ - بذل الأسباب والوسائل المشروعة:
بذل الأسباب وتوفير الإمكانات للوصول إلى الغايات وتحقيق الأهداف المشروعة هو مما حث عليه النبيُّ ﷺ في قوله: «المؤمن القوي خير وأحب
_________________
(١) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب (٢٤)، باب (٦٣)، رقم الحديث (١٤٩٦)، ص ٢٩١. والقشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، مرجع سابق، كتاب (١)، باب (٧)، رقم الحديث (١٩)، ج١ ص ٥٠.
(٢) ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩هـ، كتاب (٢٤)، باب (٦٣)، شرح الحديث ذي الرقم (١٤٩٦)، ج٣ ص ٤٢١.
(٣) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب (٧٨)، باب (٨٣)، رقم الحديث (٦١٣٣)، ص ١١٨٢. والقشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، مرجع سابق، كتاب (٥٣)، باب (١٢)، رقم الحديث (٢٩٩٨)، ج٤ ص ٢٢٩٥.
[ ٨٨ ]
إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» (١) . فالنص يقرر أن القوة مطلوبٌ تحقيقها في المؤمن، وأنه ينبغي له الحرص على كل ما ينفعه في دينه ودنياه، وفيه أيضًا أمرٌ بطلب العون من الله والتوكل عليه، ونهيٌ عن العجز لأن فيه إهدار للوقت.
٤ - تعليق النتائج بمشيئة الله:
المسلم في سعيه في هذه الدنيا، وفي تأديته لأعماله، وتخطيطه لمستقبل حياته العملية والخاصة، يؤمن بقضاء الله وقدره، ويتوكل على الله في سعيه لأنه سبحانه هو المصرّف للأمور وهو الذي بيده مقاليد كل شيء.
والنبيُّ ﷺ قد ربّى أمته على ذلك، إذ علّمهم أن تحقيق الهدف مرهون بأمرين: أولهما فعل السبب الملائم، وثانيهما توفيق الله ﷿. لذا عندما سأل رجلٌ النبيَّ ﷺ في شأن الناقة أيُطلِقها ويتوكل على الله في حفظها وعدم ضياعها أم يعقلها ويتوكل على الله بعد عقلها؟ قال له النبيُّ ﷺ حينئذٍ: «اعقلها وتوكل» (٢) . وهذا توجيه من النبيِّ ﷺ للرجل بفعل السبب الملائم لحفظ الناقة من أن تتفلت، وهو القيام بعقلها وشدِّ وَثاقها ثم التوكل بعدها على الله في حفظها.
وقد نهى ﷺ المسلم عن التحسر على ما فاته، وأمره بالتسليم لقضاء الله وقدره، وذلك في قوله ﷺ: «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإنّ "لو" تفتح عمل الشيطان» (٣) . وهذا التوجيه يولّد في نفس المؤمن روح المثابرة وتكرار المحاولة وعدم اليأس والقنوط، حتى لو أتت النتائج على غير المراد، أو كانت عكس المراد، فإنه يحتسب الأجر في ذلك عند الله، وهذا دائمًا حال المؤمن الذي
_________________
(١) القشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، مرجع سابق، كتاب (٤٦)، باب (٨)، رقم الحديث (٢٦٦٤)، ج٤ ص ٢٠٥٢.
(٢) ابن بلبان، الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي ت٧٣٩هـ، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٣، ١٤١٨هـ-١٩٩٧م، ١-١٨، رقم الحديث (٧٣١)، ج٢ ص ٥١٠.
(٣) القشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، مرجع سابق، كتاب (٤٦)، باب (٨)، رقم الحديث (٢٦٦٤)، ج٤ ص ٢٠٥٢.
[ ٨٩ ]
وصفه النبيُّ ﷺ بأن أمره كله خير في قوله: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (١)، أما غير المؤمن فإنه يعتريه السخط وقد يصيبه الإحباط فيؤدي به إلى اليأس والاستسلام للعجز، عياذًا بالله.
ثانيًا: التنظيم
يعد التنظيم من الوظائف المهمة التي لها علاقة قوية بالإدارة بعامّة وبإدارة الوقت بخاصّة، وسنعرض هنا لأبرز سمات التنظيم في السنّة النبوية.
١ - التنظيم الهرمي للوظائف:
عرف المسلمون التنظيم والتسلسل الهرمي في العمل الوظيفي من خلال ممارسات النبيِّ ﷺ، إذ كان يرأس إدارة الدولة الإسلامية، وكان يستعمل آخرين في وظائف متنوعة من ولاية البلدان وقيادة الجيوش، والقضاء، والشورى، وجباية الصدقات، إلى غير ذلك من الوظائف التي تأخذ شكل الهيكل الإداري.
٢ - التفويض:
التفويض مبدأ مهم من مبادئ إدارة الوقت، ذلك أن الإنسان مهما أوتي من قدرة فإنه لن يستطيع الاضطلاع بالمسؤوليات كافّة، وتحقيق جميع الأهداف بنفسه، ومن هنا كان لابد من التفويض، وفي سيرة النبيِّ ﷺ الذي أوكل الله إليه دعوة الناس إلى الإسلام، نجده قد استخدم التفويض بفعالية لتحقيق هذا الهدف، منهجه في ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٢) . فها هو ذا يفوّض أُمَّته في التبليغ عنه
_________________
(١) المرجع نفسه، كتاب (٥٣)، باب (١٣)، رقم الحديث (٢٩٩٩)، ج٤ ص ٢٢٩٥.
(٢) سورة يوسف، الآية ١٠٨.
[ ٩٠ ]
بقوله ﷺ: «بلِّغوا عني ولو آية» (١) . قال المعافى النهرواني (٢): (ولو آية، أي واحدة ليسارع كلُّ سامع إلى تبليغ ما وقع له من الآي ولو قلَّ، ليتصل بذلك نقل جميع ما جاء به ﷺ) (٣) .
وقد مارس النبيُّ ﷺ التفويض ممارسة عملية في حياته الدعوية، حين أرسل مصعب بن عمير إلى المدينة معلمًا، وعليَّ بن أبي طالب إلى اليمن داعية، ومعاذ بن جبل إلى اليمن أيضًا داعية وقاضيًا، والعلاء بن الحضرمي ومن بعده أَبَان بن سعيد إلى البحرين واليًا، كل ذلك لتحقيق هدف نشر الإسلام وتعليمه للناس، وإقامة دولة الإسلام على دعائم إيمانية راسخة، فصنع بذلك أمة استطاعت أن تخرج في فترة زمنية وجيزة من بوتقة التشرذم والتبعية والتقوقع داخل الجزيرة العربية، لتفتح أقطار الدنيا وتبثَّ الدعوة الإسلامية في شتى ممالك الأرض في ذلك الحين.
٣ - تقسيم العمل وتحديد الاختصاصات:
لا شك بأن إسناد الأعمال لأهل الدراية بها والخبرة فيها يسهم بشكل فاعل في إنجازها على الوجه الصحيح، ما يوفر الكثير من الوقت والجهد والمال، لذا فقد جاء عن النبيِّ ﷺ التحذير من إسناد الأمور إلى غير أهلها وعَدَّه من تضييع الأمانة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا ضُيِّعَت الأمانة فانتظر الساعة» قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: «إذا أُسنِد الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة» (٤) . وقال ﷺ - مثبتًا منقصة الخيانة لمن حابى في تولية من ليس أهلًا للولاية -: «من استعمل رجلًا من عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين» . (٥)
_________________
(١) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب (٦٠)، باب (٥٠)، رقم الحديث (٣٤٦١)، ص ٦٦٦.
(٢) المعافى بن زكريا بن يحيى بن حميد الحافظ العلاّمة القاضي ذو الفنون أبو الفرج النهرواني، كان أعلم الناس في وقته بالفقه والنحو واللغة، ت٣٩٠هـ. انظر: (الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان ت٧٤٨هـ، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٦، ١٤٠٩هـ، ١-٢٣، ج١٦ ص٥٤٤) .
(٣) ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب (٦٠)، باب (٥٠)، شرح الحديث ذي الرقم (٣٤٦١)، ج٦ ص ٥٧٥.
(٤) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب (٨١)، باب (٣٥)، رقم الحديث (٦٤٩٦)، ص ١٢٤٥.
(٥) الحاكم، محمد بن عبد الله النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، كتاب (٣٢)، رقم الحديث (٧٠٢٣)، ج٤ ص ١٠٥، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وخالفه الذهبي.
[ ٩١ ]
أما قوله ﷺ: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدُّهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبيُّ بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينًا وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» (١)، فالحديث إشارة واضحة إلى عظيم علمه ﷺ بأهمية التخصص في الأعمال، فها هو يخص أبيَّ بن كعب بمعرفة أوجه القراءات، وزيدَ بن ثابت بعلم الفرائض، ومعاذ بن جبل بعلم الحلال والحرام، وأبا عبيدة بأمانة الأمة.
وإسناد العمل إلى المختص به هو من الأسباب المسهمة في إنجاح هذا العمل وإتقانه، وهذا مما شدد عليه الإسلام، سواء في جانب الأعمال التعبدية أو الأعمال الدنيوية، ومما لاشك فيه أن أداء العمل على أسس صحيحة يوفر الجهد والوقت والمال فلا يُهدَر بعد ذلك في التصحيح والتقويم، وإلى ذلك وجّه النبيُّ ﷺ الأمة بقوله: «إن الله ﵎ يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» (٢)، وهذا التوجيه النبوي يعتبر قاعدةً ثمينة في هذا الباب.
٤ - مراعاة حال العامل المكلَّف:
خلق الله الناس في هذه الحياة وقسم بينهم معيشتهم فيها، وسخّر بعضهم لخدمة بعض، وقد أوصى الإسلام المسلم بالرفق بمن تحت يده من الناس، ومما أُثر عن النبيِّ ﷺ في ذلك قوله: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزع من شيء إلا شانه» (٣)، وكان يقول: «إن إخوانكم خَوَلكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليُطعِمه مما يأكل، وليُلبِسه مما يلبس، ولا تكلِّفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم
_________________
(١) الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، سنن الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر، مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي، ط٢، ١٣٩٨هـ، كتاب (٤٩)، باب (٣٣)، رقم الحديث (٣٧٩١)، ج٥ ص ٦٦٥، وقال هذا حديث حسن صحيح. وابن بلبان، الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، مرجع سابق، رقم الحديث (٧١٣١)، ج١٦ ص٧٤.
(٢) البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين ٣٨٤-٤٥٨هـ، شعب الإيمان، تحقيق محمد السعيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١٠هـ ١-٨، الباب (٣٥)، رقم الحديث (٥٣١٢)، ج٤ ص٣٣٤. الموصلي، أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى التميمي ٢١٠-٣٠٧هـ، مسند أبي يعلى الموصلي، تحقيق حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، ط١، ١٤٠٤هـ- ١٩٨٤م، ١-١٣، رقم الحديث (٤٣٨٦)، ج٧ ص٣٤٩.
(٣) القشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، مرجع سابق، كتاب (٤٥)، باب (٢٣)، رقم الحديث (٢٥٩٤)، ج٤ ص ٢٠٠٤.
[ ٩٢ ]
فأعينوهم» (١) . وقال أيضًا: «إخوانكم أحسنوا إليهم أو قال فأصلحوا إليهم، استعينوهم على ما غلبكم، وأعينوهم على ما غلبهم» (٢) . وهو ﷺ بهذا يحث أمته على الرفق بمن هم تحت ولايتهم، ويؤكد ضرورة معاملتهم بالحسنى ومراعاة أحوالهم، وعدم تكليفهم من الأعمال أكثر من طاقتهم، وإن كُلِّفوا بذلك وجب عونهم ومساندتهم.
ثالثًا: التوجيه
التوجيه والإرشاد من أفضل الأعمال وأجلّها في دين الإسلام، وكتب الحديث حافلة بالنصوص التي تحث على التوجيه بعناصره الثلاثة: الاتصال والقيادة والتحفيز، نسوق منها قول النبيِّ ﷺ: «الدين النصيحة قلنا لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٣)، وثمة توجيه آخر من النبيِّ ﷺ لأصحابه ولعامة المسلمين، يتجلى في قوله: «من رأى منكم منكرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٤)، وهذه توجيهات نبوية صريحة في الحث على التوجيه والإرشاد وأن ذلك من فضائل الأعمال وأنه صالح لكل زمان ومكان.
ومن أجل أن يكون التوجيه فعالًا فإنه يتعين أن يكون على فترات دون إطالة؛ لأن الإطالة تبعث على الملل والسآمة، فقد جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يتخولنا (٥) بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا» (٦) .
وقد كان لموضوع الحوافز حيِّزٌ في توجيهات النبيِّ ﷺ حيث قال: «من استأجر أجيرًا فليُعلِمْه أجره» (٧) . وقال: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفَّ عَرَقه» (٨) . وفي الحديث القدسي قال رسول الله ﷺ: قال الله: «ثلاثة أنا
_________________
(١) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب (٤٩)، باب (١٥)، رقم الحديث (٢٥٤٥)، ص ٤٨١. والقشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح الإمام مسلم، كتاب (٢٧)، باب (١٠)، رقم الحديث (١٦٦١)، ج٣ ص ١٢٨٢.
(٢) الموصلي، أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى التميمي، مسند أبي يعلى الموصلي، مرجع سابق، رقم الحديث (٩٢٠)، ج٢ ص٢٢١. والبخاري، محمد بن إسماعيل ١٩٤-٢٥٦هـ،، الأدب المفرد، تحقيق سمير بن أمين الزهيري، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤١٩هـ - ١٩٩٨م، ١ -٢، رقم الحديث (١٩٠)، ج١ ص ١٠١. وقال: ضعيف.
(٣) القشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، مرجع سابق، كتاب (١)، باب (٢٣)، رقم الحديث (٥٥)، ج١ ص ٧٤.
(٤) المرجع نفسه، كتاب (١)، باب (٢٠)، رقم الحديث (٤٩)، ج١ ص ٦٩.
(٥) يتخولنا: يتعهدنا. انظر: (الفيروزآبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٢، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م، باب اللام، فصل الخاء، ص ١٢٨٧) .
(٦) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب (٣)، باب (١١)، رقم الحديث (٦٨)، ص ٣٩. والقشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، مرجع سابق، كتاب (٥١)، باب (١٩)، رقم الحديث (٢٨٢١)، ج٤ ص ٢١٧٢.
(٧) الأصبهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله ت٤٣٠هـ، مسند الإمام أبي حنيفة، تحقيق نظر محمد الفاريابي، مكتبة الكوثر، الرياض، ط١، ١٤١٥هـ، ص٨٩. والبيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي ٤٥٨ هـ، السنن الكبرى، دار المعرفة، بيروت، ط١، ١٣٥٦هـ، ج٦ ص ١٢٠.
(٨) الموصلي، أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى التميمي، مسند أبي يعلى الموصلي، مرجع سابق، رقم الحديث (٦٦٨٢)، ج١٢ ص ٣٤-٣٥. والبيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي، السنن الكبرى، مرجع سابق، ج٦ ص ١٢٠.
[ ٩٣ ]
خصمهم يوم القيامة» وذكر منهم «ورجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره» (١) .
رابعًا: الرقابة:
نلمس من خلال نصوص السُّنَّة النبويَّة أن الرقابة نوعان ذاتية وإدارية.
ويتجلى الحث على الرقابة الذاتية في كثير من نصوص السُّنَّة النبويَّة، ومن ذلك قول النبيِّ ﷺ: «الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله» (٢) . وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا) (٣) (٤) . فمحاسبة النفس وتلمّس أوجه الخلل والقصور أمر في غاية الأهمية، وهو صورة من صور الرقابة الذاتية، وخطوة ضرورية لبناء المجتمع السليم، قال ميمون بن مهران (٥): (لا يكون العبد تقيًّا حتى يحاسب نفسه كما يحاسب شريكه، من أين مطعمه وملبسه؟) (٦) .
ومن القواعد الكلية في ذلك قول النبيِّ ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (٧)، وقوله: «من استعملناه منكم على عمل فكتَمَنا مخيطًا فما فوقه، كان غلولًا يأتي به يوم القيامة» (٨) .
أما ما يختص بالرقابة الإدارية فنجد أن النبيَّ ﷺ قد حاسب ابن اللّتبية (عامله على الصدقات) وذلك حينما قدم بعد أن جبى الصدقات فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقال النبيُّ ﷺ: «فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيُهدى له أم لا، والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئًا إلاّ جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو
_________________
(١) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب (٣٧)، باب (١٠)، رقم الحديث (٢٢٧٠)، ص ٤٢٣.
(٢) الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، سنن الترمذي، مرجع سابق، كتاب (٣٨)، باب (٢٥)، رقم الحديث (٢٤٥٩)، ج٤ ص ٦٣٨، وحسنه. والحاكم، محمد بن عبد الله النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، مرجع سابق، كتاب (٤٤)، رقم الحديث (١٩١)، ج١ ص ١٢٥، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرّجاه. وخالفه الذهبي.
(٣) الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، سنن الترمذي، مرجع سابق، كتاب (٣٨)، باب (٢٥)، ج ٤ ص٦٣٨.
(٤) ميمون بن مهران الجزري، أبو أيوب، ثقة فقيه، ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، ت ١١٧هـ. انظر: (ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ٧٧٣ - ٨٥٢هـ، تقريب التهذيب، عناية عادل مرشد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط١، ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م، رقم الترجمة (٧٠٤٩)، ص٤٨٨.
(٥) الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، سنن الترمذي، مرجع سابق، كتاب (٣٨)، باب (٢٥)، ج٤ ص٦٣٨، وحسَّنه.
(٦) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب (١١)، باب (١١)، رقم الحديث (٨٩٣)، ص ١٧٩.والقشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، كتاب (٣٣)، باب (٥)، رقم الحديث (١٨٢٩)، ج٣ ص ١٤٥٩.
(٧) القشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، مرجع سابق، كتاب (٣٣)، باب (٧)، رقم الحديث (١٨٣٣)، ج٣ ص ١٤٦٥.
[ ٩٤ ]
شاة تيعر، ثم رفع بيده حتى رأينا عُفْرة إبطيه اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، ثلاثًا» (١) .
كما حث النبيُّ ﷺ على ضرورة الرقابة الإدارية وضرورة التنبيه على أخطاء المسؤولين وذلك في قوله: «أبلغوني حاجةَ مَنْ لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ ذا سلطان حاجةَ مَنْ لا يستطيع إبلاغها ثبّت الله قدميه على الصراط يوم تزلُّ الأقدام» (٢) .
وتطبيقًا لهذا المبدأ فقد عزل الرسول ﷺ العلاءَ بن الحضرمي (عامله على البحرين) حينما اشتكاه وفد عبد القيس، وعيّن بدلًا عنه أبان بن سعيد وأوصاه خيرًا بعبد القيس، إذ قال له: «استوص بعبد القيس خيرًا وأكرم سراتهم» (٣) .
خامسًا: اتخاذ القرارات
يؤدي التردد في إصدار القرار اللازم - خوفًا من الإخفاق - إلى إضاعة الجهد والوقت، فعلى المدير الحازم أن يصدر القرار المبني على الأسس والمؤشرات المتوافرة لديه حين إصدار القرار، ويمكن لهذا المدير أن يصحح شتى الظواهر التي قد تفسد فعالية نشاط منشأته أو وحداتها الإنتاجية في المستقبل، وهذا لايعني التسرع في ذلك؛ لأن المراد هنا إصدار القرار بعد الدراسة والتحليل والنظر في الخيارات المبنية على إحصاءات ومعلومات وتوقعات، إلى غير ذلك من أسس صنع القرار.
فالتأنّي محمود لقول النبيِّ ﷺ لأشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحِلْم والأناة» (٤)، ما لم يصل ذلك التأني إلى حد التسويف المضر بمصالح المنشأة.
_________________
(١) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مرجع سابق، كتاب (٥١)، باب (١٧)، رقم الحديث (٢٥٩٧)، ص ٤٩١. والقشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، مرجع سابق، كتاب (٣٣)، باب (٧)، رقم الحديث (١٨٣٢)، ج٣ ص ١٤٦٣.
(٢) البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، شعب الإيمان، مرجع سابق، باب (١٤)، رقم الحديث (١٤٣٠)، ج٢ ص ١٥٦. وابن تيميّة، أحمد بن عبد الحليم ٦٦١-٧٢٨هـ، السياسة الشرعية، دار المسلم، الرياض، ١٤١٢هـ-١٩٩٢م، ص٣٤.
(٣) ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع الهاشمي، الطبقات الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط٢، ١٤١٨هـ-١٩٩٧م، ١-٨، ج ٤ ص ٢٦٦-٢٦٧.
(٤) القشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، مرجع سابق، كتاب (١)، باب (٦)، رقم الحديث (١٧)، ج١ ص٤٨.
[ ٩٥ ]
والإداري الناجح هو الذي يستفيد من جميع الإمكانات المتاحة، ولا ينفرد برأيه دون الآخرين؛ حيث إن المؤمن إذا وجد الحكمة فهو أحقُّ بها؛ ومن أجلِّ تعريفات الحكمة ما ذكره ابن القيِّم ﵀ بأنها: (فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي) (١) .
_________________
(١) ابن القيم، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية ٦٩١ - ٧٥١هـ، تهذيب مدارج السالكين، هذبه عبد المنعم صالح العلي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٣، ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م، ج٢ ص ٧٧٦.
[ ٩٦ ]