الباب الأول: في بدع الصلاة في المساجد
"وفيه فصول"
الفصل الأول: في بدع صلاة الجمعة
١- المحدثات في خطبة الجمعة:
قد نبه على ما أحدث فيها الإمام شمس الدين بن القيم الدمشقي في "زاد المعاد" في بيان هدي النبي ﷺ فيها قال عليه الرحمة: كان ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه ويقول: "أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ١ وكان ﷺ يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، وكان يمهل يوم الجمعة حتى يجتمع الناس فإذا اجتمعوا خرج إليهم
_________________
(١) ١ حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث جابر دون قوله: "وكل ضلالة في النار" فهو عند النسائي والبيهقي في "الأسماء والصفات" وسنده صحيح.
[ ٤٧ ]
من غير أحد يصيح بين يديه ولا لبس طيلسان ولا سواد فإذا دخل المسجد سلم عليهم فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم ولم يدع مستقبل القبلة ثم يجلس ويأخذ بلال في الأذان، فإذا فرغ منه قام النبي ﷺ فخطب من غير فصل بين الأذان والخطبة لا بإيراد خبر ولا غيره، ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره وإنما كان يعتمد على قوس قبل أن يتخذ المنبر، وكان في الحرب يعتمد على قوس وفي الجمعة يعتمد على عصاه ولم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائمًا وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف فمن فرط جهله.
وقال ابن الحاج: ينبغي أن ينهى المؤذنون عما أحدثوه من أن الإمام إذا خرج على الناس في المسجد يقوم المؤذنون إذ ذاك ويصلون على النبي ﷺ يكررون ذلك مرارًا حتى يصل إلى المنبر وإن كانت الصلاة على النبي ﷺ من أجل العبادات. ا. هـ.
وقال الإمام النووي في "الروضة" في آخر الباب الأول من كتاب الجمعة: يكره في الخطبة أمور ابتدعها الجهلة منها التفاتهم في الخطبة الثانية والدق على درج المنبر في صعوده والدعاء إذا انتهى صعوده قبل أن يجلس وربما توهموا أنها ساعة الإجابة وهذا جهل فإن ساعة الإجابة إنما هي بعد جلوسه١، ومنها المجازفة في أوصاف الأمراء في الدعاء لهم. وأما أصل الدعاء فقد ذكر صاحب "المهذب" وغيره أنه مكروه والاختيار أنه لا بأس به إذا لم يكن فيه مجازفة في وصفه ومنها مبالغتهم في الإسراع في الخطبة الثانية.
وقال أبو شامة في "الباعث": ومن البدع المشعرة بأنها من السنن بعمومها وشهرتها واستدامة مبتدعيها لفعله ما يفعله عوام الخطباء وشبه العوام من أمور نذكرها، منها تباطؤ الخطيب في الطلوع. ومنها الالتفات يمينًا وشمالًا عند قوله: آمركم وأنهاكم وعند الصلاة على النبي ﷺ ولا أصل لذلك بل السنة الإقبال الناس
_________________
(١) ١ قلت: هذا في بعض أقوال أهل العلم، وهو مرجوح؛ لأن حديثه معلول، والراجح القول الآخر وهو أنها بعد العصر، وفيه أحاديث ثابتة. "ناصر الدين".
[ ٤٨ ]
بوجهه من أول الخطبة إلى آخرها، ومنها أنهم يتكلفون رفع الصوت في الصلاة على النبي ﷺ فوق المعتاد وفي باقي الخطبة يرون إزعاج الأعضاء برفع الصوت بها وذلك جهل لأنها دعاء له ﵊. وجميع الأدعية السنة فيها الإسرار دون الجهر غالبًا، وكان ﷺ يرفع صوته عند الموعظة لأنها معظم المقصود من الخطبة، وأما رفع أيديهم عند الدعاء فبدعة قديمة روى الإمام أحمد عن غضيف بن الحارث ﵁ قال: بعث إليَّ عبد الملك بن مروان فقال: "يا أبا أسماء إنا قد جمعنا الناس على أمرين رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة والقصص بعد الصبح والعصر" فقال: "إنهما أمثل بدعكم عندي، ولست مجيبك إلى شيء منها" قال: "لم؟ " قال: "لأن النبي ﷺ قال: "ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة"١.
_________________
(١) ١ إسناده ضعيف؛ لأنه في "المسند" "٤: ١٠٥" عن تقية عن أبي بكر بن عبد الله عن حبيب بن عبيد الرحبي عن غضيف بن الحارث الشمالي. وتقية مدلس وقد عنعنه. وأبو بكر بن عبد الله هو ابن أبي مريم وهو ضعيف. ورواه ابن وضاح في "البدع والنهي عنها" "ص٣٧" عن حسان بن عطية قال: فذكره نحوه موقوفًا عليه.
[ ٤٩ ]