ماذا يعد العاقل من منكرات بعض الخطباء. لعمر الحق أن اللسان ليعجز عن إحصاء تلك الكوارث. ومن فظائعها نعي الحسين ﵇ في جمعة المحرم على رءوس الملأ وذكرى شهادته سنة "٦١" في كربلا سرد ما نزل بالمسلمين من مصابه الجلل بما يستدر دمع المجمعين ويثير في أفئدتهم لواعج الأحزان وكوامن العلل ولا يعود بأدنى فائدة عليهم. ومثله مما نهي عنه كما قدمنا، وقد سرى لهم هذا الداء من الرافضة. قال صاحب "المجالس" أن الرافضة تغالوا في حزنهم لهذه المصيبة واتخذوا يوم عاشوراء مأتمًا لقتل الحسين ﵁ فيقيمون فيه العزاء ويجلبون النوح والبكاء ويظهرون الحزن
[ ١٦٥ ]
والكآبة ويفعلون ما ليس فيه إصابة أما سمعوا قول النبي ﷺ: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" ١. ثم قال: وكان الغلاة من الناصبة يكيدون الرافضة يوم عاشوراء بإظهار الفرح والسرور والكحل ولبس الثياب الفاخرة وطبخ الأطعمة المنوعة وأوردوا فيه حديثا كذبا على رسول الله ﷺ في إحياء ليلته وفيه من صلى ومن اغتسل ومن اكتحل ومن مر يده على رأس يتيم. وهو حديث كذب قبح الله من وضعه وافتراه فلقد تبوأ بيتًا من جهنم يصير مأواه. ا. هـ.
وقد أسهب في تقبيح تينك البدعتين الإمام تقي الدين ابن تيمية في منهاج السنة وعبارته٢ وصار الشيطان بسبب قتل الحسين ﵁ يحدث للناس بدعتين بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء من اللطم والصراخ والبكاء والعطش وإنشاد المراثي وما يفضي إليه ذلك من سب السلف ولعنهم حتى يسب السابقون الأولون وتقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها كذب وكان قصد من سن ذلك فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمة فإن هذا ليس واجبًا ولا مستحبًا باتفاق المسلمين، بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة من أعظم ما حرمه الله ورسوله وكذلك بدعة السرور والفرح وكانت الكوفة بها قوم من الشيعة المنتصرين للحسين وكان رأسهم المختار بن عبيد الكذاب وقوم من الناصبة المبغضين لعلي ﵁ وأولاده ومنهم الحجاج بن يوسف الثقفي وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "سيكون في ثقيف كذاب ومبير" فكان ذلك الشيعي هو الكذاب وهذا الناصبي هو المبير فأحدث أولئك الحزن وأحدث هؤلاء السرور. ورووا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله
_________________
(١) ١ صحيح، أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أم حبيبة وأم عطية ﵄. وله شاهد من حديث البياضي عند مالك "١: ٨٠: ٢٩" وعند أحمد "٤: ٣٤٤"، وعن ابن عمر عنده "٢: ٣٦، ٦٧، ١٦٩" ومعجم ابن خزيمة "١: ٢٢٧: ١" والطبراني عن أبي هريرة وعائشة كما في "الفتح الكبير". ٢ صحيفة ٢٤٨ الجزء الثاني.
[ ١٦٦ ]
عليه سائر سننه قال حرب الكرماني سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: لا أصل له١ ورووا أنه من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد ذلك العام ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام فصار قوم يستحبون يوم عاشوراء الاكتحال والاغتسال والتوسعة على العيال واتخاذ أطعمة غير معتادة وهذه بدعة أصلها من المتعصبين على الحسين ﵁ تلك بدعة أصلها من المتعصبين بالباطل له وكل بدعة ضلالة ولم يستحب أحد من الأئمة الأربعة وغيرهم لا هذا ولا هذا، ولا في شيء من استحباب ذلك حجة شرعية بل المستحب يوم عاشوراء الصيام عند جمهور العلماء.
ثم قال ﵀ بعد: ولا ريب أن قتل الحسين من أعظم الذنوب لكن قتله ليس بأعظم من قتل من هو أفضل منه من النبيين والسابقين الأولين ومن قتل في حرب مسيلمة وكشهداء أحد والذين قتلوا ببئر معونة وكقتل عثمان وقتل علي. وذكر ﵀ قبل: أن الواجب عند المصائب الصبر والاسترجاع كما يحبه الله ورسوله. قال: ورفع إلى عمر بن الخطاب ﵁ نائحة فأمر بضربها فقيل: يا أمير المؤمنين إنه قد بدا شعرها فقال: إنه لا حرمة لها إنها تنهى عن الصبر وقد أمر الله به وتأمر بالجزع وقد نهى الله عنه وتفتن الحي وتؤذي الميت وتبيع عبرتها وتبكي بشجو غيرها، إنها لا تبكي على ميتكم إنما تبكي على أخذ دراهمكم.
_________________
(١) ١ يعني في الصحة، وإلا فقد رواه الطبراني والبيهقي وغيرهما عن أبي سعيد وغيره، لكن لا يصح من ذلك شيء وقد ضعفه البيهقي. راجع "المشكاة" "١٩٢٦، ١٩٢٧".
[ ١٦٧ ]