كل من سبر كتب الأحاديث الموضوعة علم أنه لم يصح في صوم رجب حديث ولا أثر. قال الإمام أبو شامة عليه الرحمة في كتاب الباعث ذكر الشيخ أبو الخطاب في كتاب "أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب"١ عن المؤتمن بن أحمد الساجي الحافظ قال: كان الإمام عبد الله الأنصاري شيخ خراسان لا يصوم رجب وينهى عن ذلك ويقول: ما صح في فضل رجب ولا في صيامه عن رسول الله ﷺ شيء، وقد رويت كراهة صومه عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر وعمر ﵄، وكان عمر يضرب بالدرة صوامه، وروى ذلك الفاكهي في كتاب مكة له وأسنده الإمام المتفق على عدالته وعلى إخراج حديثه وروايته أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني قال:
حدثنا سفيان عن مسعر عن وبرة عن خرشة أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوها عن طعامه حتى يضعوها فيه ويقول: إنما هو شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه، قال: وهذا سند مجمع على عدالة رواته فالصيام جنة وفعل خير وعمل بر لا لفضل صوم هذا الشهر. قال: فإن قيل أليس هذا هو استعمال خير، قيل له: استعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعًا من النبي ﷺ فإذا علمنا أنه كذب خرج من المشروعية، وإنما كانت تعظمه مضر في الجاهلية كما قال أمير المؤمنين عمر ﵁ وضرب أيدي الذين كانوا يصومونه، وكان ابن عباس حبر القرآن يكره صيامه، وقال فقيه القيروان وعالم أهل زمانه بالفروع أبو محمد بن أبي زيد: وكره ابن عباس صيام رجب كله خيفة أن يرى الجاهل أنه مفترض، وذكر بعض هذه الآثار أبو بكر الطرطوشي في كتاب الحوادث والبدع وزاد قال: وروى ابن وضاح
_________________
(١) ١ لقد قمت بتخريج أحاديث مخطوطة منه استحضرها المكتب الاسلامي. فعسى أن ييسر له طبعه قريبًا إن شاء الله تعالى. "ناصر الدين".
[ ٧١ ]
أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يضرب الرجبيين الذين يصومون رجب كله، وروى أن ابن عمر ﵄ كان إذا رأى الناس وما يعدون لوجب كرهه وقال: صوموا وافطروا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية، وعن أبي بكر ﵁ أنه دخل على أهله وقد أعدوا لرجب فقال: ما هذا؟ فقالوا: لرجب نصومه، فقال: اجعلتم رجب كرمضان، قال الطرطوشي يكره صيام رجب على أحد ثلاثة أوجه: أحدها إذا خصه المسلمون بالصيام في كل عام حسب العوام ومن لا معرفة له بالشريعة مع ظهور صيامه أنه فرض كرمضان أو سنة ثابتة خصه رسول الله ﷺ كالسنن الراتبة، وأما أن الصوم فيه مخصوص بفضل ثواب على سائر الشهور جار مجرى صوم عاشوراء أو فضل آخر الليل على أوله في الصلاة فيكون من باب الفضائل لا من باب السنن والفرائض ولو كان من باب الفضائل لسنه رسول الله ﷺ أو فعله مرة في العمر كما فعل في يوم عاشوراء وفي الثلث الغابر من الليل ولما لم يفعل بطل كونه مخصوصا بالفضيلة ولا هو فرض ولا سنة باتفاق فلم يبق لتخصيصه بالصيام وجه. فكره صيامه والدوام عليه حذرًا من أن يلتحق بالفرائض والسنن الراتبة عند العوام فإن أحب امرؤ أن يصومه على وجه يؤمن فيه الذريعة وانتشار الأمر حتى لا يعدو فرضًا أو سنة.
[ ٧٢ ]