في بعض المساجد إذا سلم الإمام من فريضة العصر يزعق المؤذن بالتأمين ودعاء بعده. وفي بعضها متى سلم الإمام منها أخذ المقتدون في الجهر بالصلاة على النبي ﷺ الكمالية وفي ذلك مخالفة للسنة إذ السنة الاشتغال عقب الفريضة بالأوراد المأثورة بعدها سرًّا كل مصل لنفسه وكذلك من أدب الدعاء خفض الصوت فيه قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَة﴾ وهؤلاء أعرضوا عن التضرع والخفية بالعياط١ والزعقات واللعب في الخلال. وقد أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا اتخذ الفيء دولًا والأمانة مغنمًا والزكاة مغرمًا وتعلم العلم لغير الدين وأطاع الرجل امرأته وعق أمه وأدنى صديقه وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد وساد القبيلة فاسدهم وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء وزلزلة وخسفًا وقذفًا وآيات تتابع كنظام لآلئ قطع سلكه فتتابع"٢م.
قلت: ومما أحمد الله عليه وأشكره عدد خلقه أن وفقنا لإزالة منكر الزعق بالتأمين عقب السلام من فريضة العصر في جامع السنانية وذلك في أواخر جمادى الثانية سنة ١٣٢٤، وسببه أن أحد المصلين أخبرني بعد الفريضة المذكورة يومًا بأنه حين ما زعق المبلغ بالتأمين هوى من القيام إلى السجود
_________________
(١) ١ في تاج العروس العياط ككتاب الصراخ والزعقة. وفي الأساس عيط مد صوته بالصراخ وهو مجاز وفي القاموس التعيط الجلبة والصياح. ا. هـ. ٢ حديث ضعيف، مخرج في "الضعيفة" "١٧٢٧" و"المشكاة" "٥٤٥".
[ ١٤١ ]
ونسي الركوع وكان قبل يوم زارني بعض علماء بيروت وصلى العصر عندي فأفزعه هذا الصراخ بالتأمين فوجدت حينئذ للكلام مع شيخ المؤذنين بابا. فقلت له: الأئمة والمؤذنون في المسجد ينبغي أن يدفعوا عن أنفسهم الملام فيما ينكره الشرع عليهم وهم في المسجد بمثابة العضو الواحد فينبغي أن يتعاونوا على ما فيه صلاح حالهم في وظائفهم، فهذا الزعق بالتأمين قد شكى منه غير واحد؛ لأن المبلغين أكثرهم شبان وفي أصواتهم قوة زائدة تشوش على المصلين فإن رأيتم ترك هذا التأمين رأسًا. فقال لي: أو نأمرهم بخفض الصوت به. فقلت: يمتثلون أيامًا ثم يعودون، فسد الباب أولى وفيه ثواب كبير. فحينئذ امتثل وأمر جماعته بتركه. ثم إني كلمتهم أيضًا وبينت لهم فضل ذلك ثم قلت: كل ما يبلغكم إنكاره فيلزمكم تركه إذا كان محدثًا استبقاء لقلوب المنكرين وصيانة لأنفسكم عن غيبتكم.
[ ١٤٢ ]