قال الشيخُ سليمان بن سحمان - ﵀ - (١) في قصيدةٍ طويلةٍ له ردًّا على مَن أنكر مَشروعية الْهَجْر في الله تعالى:
وَأَبْكِي وَمَا مِثْلِي يَضِنُّ بِدَمْعِه ِ (٢) عَلَى قِلَّةِ الدَّاعِي وَقِلَّةِ ذِي الْفَهْمِ
أَرُكْنٌ مِنَ الأَرْكَانِ يَا قَوْمَنَا اجْتَرَا عَلَى هَدِّهِ أَعْمَى وَبَالَغَ فِي الْهَدْمِ
أَيُنْكِرُ أَقْوَامٌ عَلَيْنَا بِزَعْمِهِمْ مُهَاجَرَةَ الْعَاصِينَ قُبِّحَ مِنْ زَعْمِ
فَحِرْفَتُهُمْ زُورٌ وَبُهْتٌ وَمَا لَهُمْ سِوَى الطَّعْنِ فِي الإخْوَانِ يَا قَوْمِ مِنْ سَهْمِ
نَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مِنْ كُلِّ طَاعِنٍ عَلَيْنَا بِسُوءٍ قَدْ تَهَوَّرَ فِي الإثْمِ
مَتَى جَادَلُوا فَاللهُ مُوهِنُ كَيْدِهِمْ فَكَمْ قَدْ ظَفِرْتُمْ بَالدَّلِيلِ عَلَى الْخَصْمِ
فَقُولُوا لَهُمْ رَدُّ التَّنَازُعِ بَيْنَنَا إلَى اللَّهِ وَالْمَبْعُوثِ خَيْرِ أُولِي الْعَزْمِ
وَكَثْرَةِ مَنْ يَعْمَى عَنِ الْحَقِّ بَلْ يَصْمِي فَفِيهِ شِفَا عِيٍّ وَفِيهِ جَلاَ فَهْمِ (٣)
فَوَا غُرْبَةَ الإسْلامِ وَا قِلَّةَ الْعِلْمِ وَقَدْ صَدَقُوُا فِيمَا ادَّعَوْهُ بِلاَ كَتْمِ! (٤)
فَأَهْلًا بِهِ أَهْلًا وَسَمْعًا لِحُكْمِهِ أَمَا هَجَرَ الْمَعْصُومُ «كَعْبًا» وَصَحْبَهُ
_________________
(١) توفي - ﵀ - سنة ١٣٤٩هـ.
(٢) يضن: يبخل.
(٣) العي: العجز عن التعبير اللفظي بِمَا يُفيد المعنى المقصود، أو عدم الاهتداء لوجهِ الْمُراد.
(٤) «دِيوان ابن سَحمان»، ص (٢٩٣ - ٢٩٤).
[ ١٠٧ ]
وقد أوْردنا في المقدِّمَة ما جَاءَ عن ابنِ عَباس - ﵄ - أنه قَالَ: (أَحِبَّ فِي اللَّهِ، وَأَبْغِضْ فِي اللَّهِ، وَوَالِ فِي اللَّهِ، وَعَادِ فِي اللَّهِ، فَإِنَّهُ لا تُنَالُ وَلاَيَةُ اللَّهِ - ﷿ - إِلا بِذَلِكَ؛ وَلاَ يَجِدُ رَجُلٌ طَعْمَ الإِيمَانِ وَإِنْ كَثُرَتْ صَلاتُهُ وَصِيَامُهُ حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ؛ وَصَارَتْ مُؤَاخَاةُ النَّاسِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَإِنَّ ذَلِكَ لا يُجْزِئ عَنْ أَهْلِهِ شَيْئًا، ثُم قرأ: ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف، آية: ٦٧]، وقرأ: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١» انتهى (٢).
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله تعالى - مُعلِّقًا على هذا الأثَر: (فإذا كانتْ البلوى قد عمَّتْ بِهَذا فِي زمن ابن عباس - ﵄ - خير القرون فمَا
_________________
(١) سورة المجادلة، آية: ٢٢.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» برقم (٣٤٧٧٠)، واللالكائي في «اعتقاد أهل السنة» برقم (١٦٩١)، وابن أبي الدنيا في «الإخوان» برقم (٢٢)، وابن الْمُبارك في «الزهد» ص (١٢٠)، والعدني في «الإيِمَان» برقم (٥٦) واللفظ له، وكلهم عن ابن عباس موقوفًا؛ وأخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٣١٢) عن عبد الله بن عمر - ﵄ - مرفوعًا، والطبراني في «المعجم الكبير» برقم (١٣٥٣٧) عن ابن عمر موقوفًا؛ والصحيح أنه موقوف على ابن عباس، والله أعلم.
[ ١٠٨ ]
زاد الأمرُ بعد ذلك إلاَّ شِدَّة حتى وَقَعَت الْمُوَالاةُ على الشِّرك والبِدَع والفُسُوقِ والعِصْيَان!) انتهى (١).
وبعد أنْ أوْرد الشيخ حمود التويجري - ﵀ - كلام الشيخ عبد الرحمن بن حسَن - ﵀ - قال: (قُلْتُ: والأمرُ بعد زمن الشيخ «عبد الرحمن» أعظم وأعظم ولاسِيَّمَا في زماننا هذا الذي قد اشتَدَّتْ فيه غُربةُ الدِّينِ وانعكَسَتْ فيه الحقائق عند الأكثرين حتى عاد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا؛ ومن ذلك موالاة الكفار والمنافقين وموادتهم ومصاحبتهم ومُجَالستهم ومواكلتهم ومشاربتهم والأنس بِهِم والانبساط معهم، كُل ذلك صَار مِنْ قَبِيلِ الْمَعروفِ عند أكثر الناس بل عند كثيرٍ مِمَّن يَنتسب إلى العِلْم والدِّين!.
وأمَّا الْحُبُّ في الله والبغض في الله والْمُوالاة في الله والْمُعاداة في الله وهَجْر أهل المعاصي لله والإكفهرار في وجوههم من أجل ما ارتكبوه من المعاصي، فكُل ذلك قد صَار عند كثير من الناس من قَبِيل الْمُنكَرات!.
حتى إنَّ كثيرًا من المنتسبين إلى العِلْم قد صَاروا يُدندنون حول إنكار هذه الأعمال الفاضلة الْمَحبوبة إلى الله تعالى ويعدونها من مساوئ الأخلاق، ويعيبون على من يعمل بها ويذمونهم، ويعدونهم لذلك أهل تَجبُّرٍ وتكبُّرٍ وتعنُّتٍ وشذوذٍ وتشديدٍ وغُلوٍّ في
_________________
(١) «فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد»، ص (١٧٦).
[ ١٠٩ ]
الدِّين!.
وقد سَمِعْتُ هذا أو بعضه من بعض الْخُطبَاء والقُصَّاص الثرثارين المتشدقيِن الذين يقولون مَالاَ يَفعلون، ويفعلون ما لاَ يُؤمَرُون، ويأمُرونَ الناس بالبِرِّ وينسون أنفُسَهم وهم يتلون الكتاب أفلاَ يعقلون!.
وسَمِعْتُ بعضهم يُصَرِّح على رؤوس الأشهادِ بإِنكار الحب في الله والبغض في الله.
وَسَمِعْتهم أيضًا يَحُثُّونَ الناس في خُطَبِهِم وَقَصَصِهم على حُسْن السُّلوك مع الناس كلِّهِم واستجلاب مودتهم ومحبتهم ويُرَغِّبُونَهم في إظهار البشاشة لكلِّ أحدٍ، وسواء على ظاهر كلامهم الصالح والطالح!.
ورُبَّمَا صَرَّح بعضهم أنَّ هذه الأفعال الذميمة من حُسن الْخُلُق ومن مُقتضيات العَقْل (١)؛ فَيُقَال لِهَؤلاَءِ الْحَيارى والمغرورين:
_________________
(١) عِلْمًا بأنَّ الشيخ حمود - ﵀ - يقول هذا الكلام في كتابه «تحفة الإخوان» الذي ذكر في آخره أنه فَرَغ منه عام (١٣٨٣هـ)!، فكيف لو رأى ما آلَت إليه الأحوال اليوم؟!.
[ ١١٠ ]
العقل في باب الحب والبغض والموالاة والمعاداة عقلان:
أحدهما: عقلٌ مُسَدَّدٌ مُوَفَّقٌ قاهرٌ للهوى والنفْس الأمَّارَة بالسُّوء، قد استنار بنورِ الإِيِمَان وصار الْحَاكم عليه كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله - ﷺ -، فهذا العقلُ يقتضي من أصحابه أن لاَ يُقَدِّموا على طاعة الله تعالى وطاعة رسوله - ﷺ - شيئًا أبدًا، ويقتضي من أصحابه أن يُحِبُّوا في الله ويبغضوا في الله ويوالوا في الله ويُعادوا في الله وَيُعطوا لله وَيَمْنعوا لله، وَيُسَارعوا إلى كُلِّ ما يُحِبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال سَواء رضي الناس أو سَخطوا لاَ تأخذهم في الله لومة لائم؛ وما أقَلَّ هذا العقل في هذه الأزمانِ الْمُظْلِمَةِ!.
والعقل الآخر: عَقلٌ معيشي نِفَاقي مَخْذول، قَدْ قَهَرَته النفْس الأمَّارة بالسُّوءِ، وأسَرَتْه الحظوظُ الدنيويةُ والشهواتُ النفْسية، وصار الحاكم عليه الهوى، فمَحبته لِهَوَاهُ وَبُغضه لِهَواه وموالاته ومعاداته لِهَواه وبذْله لهواه ومنعه لِهَواه؛ فهذا العقل يقتضي من أربابه أن يتمَلَّقوا لسائر أصناف الناس بألسنتهم ويُحسِّنوا السلوكَ مع الصالح والطالح، وهذا العقل هو الغالب على أكثر الناس في زماننا عامتهم وخاصتهم!، وما أكثره في المنتسبين إلى العلم!، فلا حولَ ولا قوة
[ ١١١ ]
إلاَّ بالله العلي العظيم) انتهى (١).
وهذا العَقْل المعيشي - الذي ذكَره الشيخ التويجري - قال فيه ابن القيم - ﵀ -: (يظن أربابه أنهم على شَيْءٍ، ألاَ إنَّهُم هُمُ الكَاذِبوُن، فإنَّهُم يَرَوْن العقلَ أن يُرضوا الناسَ على طَبَقَاتِهِم وَيُسَالِمُوهم ويَستجْلِبوُا مَوَدَّتَهُم وَمَحَبَّتَهم؛ وهذا مَع أنه لاَ سبيل إليه فهو إيثارٌ للرَّاحَةِ والدَّعَة على مُؤْنةِ الأذَى في اللهِ والْمُوالاَةِ فيه والمعاداةِ فيه؛ وهو وإنْ كان أسْلَمُ عَاجِلَةً فهو الْهُلْك فِي الآجلة، فإنه ماذاق طعم الإيمان مَن لَمْ يُوالِ في الله وَيُعَادِ فيه، فالعَقْلُ كُلُّ العَقْلِ مَا أوصل إلَى رِضَا الله ورسوله، والله الموفق) انتهى (٢).
ثم قال الشيخ حمود التويجري بعد أن أوْردَ كلام ابن القيم: (إذا عُلم هَذا فأهلُ العقل الْمَعِيشِي لا يَرَوْن بِمُداهنة أهل البدع والفسوق والعِصْيان بَأسًا، وكثير منهم لاَ يَرَوْنَ بِمُداهنة الكفار والمنافقين بَأسًا) انتهى (٣).
وقد جاء عن سفيان الثوري - ﵀ - أنه قال: بَلَغَنا أنَّ هذا الكَلام في وصية عِيسى بنِ مَريم - ﵇ -: (يا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ تَحَبَّبُوا إِلَى اللهِ بِبُغْضِ أهْلِ الْمَعَاصِي، وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِالْمَقْتِ لَهُمْ، وَالتَمِسُوا رِضَاهُ بِسَخَطِهِمْ)، قَالوا: يا نبي الله فمَن نُجَالِس؟!؛
_________________
(١) «تحفة الإخوان»، ص (٣٤ - ٣٧).
(٢) «مفتاح دار السعادة»، (١/ ١١٧).
(٣) «تحفة الإخوان»، ص (٣٧).
[ ١١٢ ]
قال: (جَالِسُوا مَنْ يَزِيدُ فِي أعْمَالِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَمَن تُذَكِّرُكُمْ بِاللهِ رُؤْيَتُهُ، وَيُزَهِّدُكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ عَمَلُهُ) انتهى (١).
وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (٢)؛ قال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: (أيْ إنْ لَم تُجانِبوُا الْمُشْرِكين وتُوَالوُا المؤمنين وإلاَّ وَقَعَتْ فِتنَةٌ في النَّاسِ، وهُو الْتِبَاسُ الأمْرِ واختلاطُ المؤمنين بالكافرين، فَيَقَع بين الناسِ فَسَادٌ مُنتَشِرٌ عَرِيضٌ طويل) انتهى (٣).
وقد تقدَّمَ الكلام في المقدِّمة أنَّ هذا الكِتاب ليسَ في شأنِ الكفار والبراءة منهم ومعاداتهم وإنَّمَا هو في فُسَّاقِ المسلمين وأهل البِدَعِ والأهواءِ، ومعلوم أنَّ الآيات التي نزلت في شأن الكفار لِعُصَاة المسلمين منها نَصِيبٌ بِقَدْرِ بُعدِهم عن الإسلام وإنْ لَمْ يَكُن خُرُوجًا منه، وقُرْبهُم من الكفر وإنْ لَمْ يَكن دُخولًا فيه؛ وهذا لاَبُدَّ منه.
وأمَّا إذا كان التقسيم هكذا: كافِرٌ له البرَاءة والْمُعَاداة، وَمُسلمٌ له الموالاة والمحبة دون التفصيلِ في البَرْزَخ الذي وَلَجَهُ المسلم بكبائره وَفِسْقه الْمُوجِب له أنْ يُعامَل بِمَا يَستحق، فعلى هذا لاَ يُهجَر ولا
_________________
(١) أنظر: «حلية الأولياء» (٧/ ٤٦)، و«الزهد» للإمام أحمد ص (٥٤)، و«شُعَبَ الإيمان» (٧/ ٥٧).
(٢) سورة الأنفال، آية: ٧٣.
(٣) «تفسير ابن كثير»، (٢/ ٣٣١).
[ ١١٣ ]
يُبْغَض مُسْلم لكبائره وَفِسْقه ويُحَب مطلقًا كما يُبْغَض الكافر مطلقًا!؛ وهذا مَذْهَبٌ إرجائي سَلَكَه كثيرون يدَّعُون الْمَعرفة والعِلم، وكتابنا هذا كله في هذا الشأن، وهو تفنيدٌ لِهَذا الرأيِ الضَّال الفَاسِد.
وتأمل ما تقدَّم ذِكره قبل قليل من قوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ وكلامُ «ابنِ كَثِير» عن ذلك؛ فَبِمَا أن العبدَ إذا لَمْ يُعادِ الكفار ويُوالِ أهل الإيمان تَحْصل الفتنة وهي قوة الكفر، والفساد الكبير وهو ضعف الإسلام؛ فكذلك إذا لَمْ يُهْجَر ويصارَم ويُبغض العصاة تكون الفتنةُ والفساد الكبير، وقد أخَذَت الأمة في وقتنا بنصيبٍ وافرٍ من القِسْمين حتى طَبَّقَت الفِتنة وعَمَّ الفَسَاد الكبير كمَا أخبر سبحانه، لكن الكلام في هذا المؤلف على معاملة عصاة المسلمين وما يَحْصُل من الفتنة والفساد بِمُداهنتهم.
وآيات القرآن كثيرة في ذمِّ الكُفر والكفار للظلمة والمبتدعة والفسَقة نصيب منها.
فلْيُنْظَر مَا أَهْمَل من هذا الأمر مِن المتديِّنين لاَسِيَّمَا مَن ابتُلْي منهم بِمَعنى (نَفْسَك إنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِالْحَقِّ شَغَلَتْكَ بِالبَاطِلِ) حيث يكتبُ بعضُهُم عني ويتكلَّم آخرون من الْمُدَاهنين ثالبًا عائبًا أنِّي لاَ أسلِّم على أهل هذه التعاليم الحادثة والأعمَال التي هي سُلَّم إليها والشاشات المدمِّرة، ونحو ذلك مِمَّا عَمَّ اليوم وَطَمَّ!،
[ ١١٤ ]
وقد قال الأوزاعي - ﵀ -: (عَلَيْكَ بِآثَارِ مَنْ سَلَفَ وَإِنْ رَفَضَكَ النَّاسُ، وَإيَّاكَ وأقْوَالَ الرِّجَالِ وَإِنْ زَخْرَفُوهَا وَحَسَّنوُهَا، فَإِنَّ الأمْرَ يَنْجَلِي وَأنْتَ مِنْهُ عَلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ!) انتهى (١).
وقد كان حَمَّاد بن سَلَمة - ﵀ - إذا جلسَ يقول: (مَن كَانَ قَدَرِيًّا فَلْيَقُمْ!) (٢).
قال ابنُ مُفْلِحٍ بعد أنْ ذَكَرَ ذلك: (وعن طاووس وأيوب وسليمان التيمي ويونس بن عبيد وغيرهم معنى ذلك) انتهى (٣).
وذلك من جنس مَن يقول: (مَن كانت مُخَالَفَتُه كذا فلاَ يُسَلِّم عَلَيَّ) لاَسِيَّمَا وقَد دَخَل عُمومُ الناسِ الْمَدَاخِلَ الْمُظْلِمَة ولَم ينجُ إلاَّ القليلُ النَّادر (٤)، والنادرُ لاَ حُكْم له.
وقد أخَذَ عبد الصَّمَد - والي مَكَّة - بِيَدِ سُفيان الثوري فَذَهب به إلى المهْدِي وهو بِمِنَى، فلمَّا رآه صاح بأعلى صَوته: (ما هذه الفسَاطيطِ؟!، ما هذه السُّرَادِقَات؟!، وقد حَجَّ عُمَر بن الخطابِ فسَأل: " كَمْ أنْفَقْنَا فِي حَجَّتِنَا
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «المدخل إلى السُّنن الكبرى» برقم (٢٣٣)، والخطيب البغدادي في «شَرَفِ أصحابِ الحديث» ص (٧).
(٢) «الآداب الشرعية»، (١/ ٢٦٢).
(٣) «الآداب الشرعية»، (١/ ٢٦٢).
(٤) وكل الأمة سَلكت هذا الطريق إلاَّ ما ندَر، فلا يطبّق على ذلك قياس، ولذلك فلاَبُدَّ من إظهار الدِّين.
[ ١١٥ ]
هَذِهِ؟! " فقيل: كذا وكذا دينارًا - ذَكَر شَيئًا يسيرًا -؛ فقال: " لَقَدْ أسْرَفْنَا! ") انتهى (١).
فانظُرْ ما الذي أنكَرَه سُفْيَان على المهدي ورفْع صَوْته بذلك!، وهذا جُنونٌ عند كثيرٍ من أهل وقتنا!.
_________________
(١) «حلية الأولياء» (٧/ ٤٩)، و«سير أعلام النبلاء» (٧/ ٢٦٥).
[ ١١٦ ]