المداهِن يَضُرُّ نفْسَه بمخالفته ويضر المدَاهَن بتهوين معصيته ويغرُّ مَن يقتدي به، ومِن هنا واللَّهُ أعلم قالوا: (الْمُدَاهِن شَرٌّ من العَاصِي!).
قال سفيان الثوري - ﵀ -: (إذا أثنى على الرجل جيرانه أجمعون فهو رَجُل سوء)، قالوا: كيف؟!، فقال: (يراهم يعملون بالمعاصي فلا يُغَيِّر عليهم ويلقاهم بوجْهٍ طَلِق) انتهى (١).
وفيه أنَّ العصاة لا يُلقون بوجه طلق، وفيه أنَّ العِبْرة بلزوم الاستقامة، وليس الْمَطْلب ثناء الناس أو الْهَرَب من ذَمِّهم سواء جيران الإنسَان، أوْ غيرهم؛ فكم من مغرور بالثناء والمدح، وكم من فارٍّ من الثلب والقدْح دون ميزان شرعي!، فهذا ميزانه جاهلي.
بعد هذا ماذا يقول مَن أنكر هجر العصاة؟!.
ولقد سَمِعْتُ العَجَبَ من أهل زماننا حتى أنَّ كثيرًا منهم يُحيلون هذا الفِعْل إلى سوء أخلاق الهاجر وتشدده وتزمُّتِه وضيق عَطَنِه ونحو ذلك؛ ولقد غَرَّهم أمران وهما:
_________________
(١) «حلية الأولياء» (٧/ ٣٠)؛ وانظر: «سير أعلام النبلاء» للذهبي (٧/ ٢٧٨).
[ ٢٩ ]
الأول: جُرْأتهم على مَحَارم الله وَقِلَّة خَوْفه.
الثاني: مداهنة الْمُتَدَيِّنين لهم، وَحَسْبُ المداهِن أنْ يُوصف بأنه شيطان أخرس فقد زادهم بذلك فُجُورًا وغرورًا.
ولقد كاد أنْ يَغِيبَ الفرقانُ الشرعي في زماننا إلاَّ ما شاء الله حيث أصبح الدِّين الحق في غاية الغربة.
وقد قال ابن القيم - ﵀ - عن المداهنين بعد أن ذكر الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة لله ورسوله وعباده ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه؛ قال: (فهذه الواجبات لا تَخْطر بِبَالِهِم فضلًا عن أن يريدوا فِعْلها، وفضلًا عن أن يفعلوها.
وأقَلُّ الناس دِينًا وأمْقتهم عِند الله مَن تَرَك هذه الواجبات وإنْ زهد في الدنيا جَمِيعِهَا.
وقَلَّ أن ترى منهم من يَحْمَر وجهه ويُمَعِّرُهُ لله، ويغضب لِحُرُماته ويبذل عِرْضَه في نَصْرِ دِينه، وأصحاب الكبائر أحسن حالًا عند الله من هؤلاء) انتهى باختصار (١).
تأمل قوله - ﵀ -: (يَحْمرّ وجهه ويمعِّره لله ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه لنصر دينه) مع أنَّ هذا عند أكثر أهل الوقت - لا كثرهم الله - تَشَنُّجًا وتزمُّتًا وضِيق عَطَن، وصاحبه مُصَابٌ بأمراض نفسيه!.
وقائل هذا الكلام ونحوه عند انتهاك محارم الله يكون فيه من
_________________
(١) «عدة الصابرين»، ص (١٤٣).
[ ٣٠ ]
صفات الشيطان الأخرس بتركه إنكار المنكر ومن صفات الشيطان الناطق لِطَعْنه على المنكِر للمنكَر، وما أكثر هؤلاء!، فالله المستعان.
قال شميط بن عجلان - ﵀ -: (مَن رضي بالفسق فهو من أهله) (١).
وقال الأوزاعي - ﵀ -: (إذا رأيت العالِم كثير الأصدقاء فاعلم أنه مُخَلِّط لأنه لوْ نطق بالحق لأبغضوه!) انتهى (٢)؛ وهو وَصْف المداهن، وَيوضحه ما جاء عن سفيان الثوري - ﵀ - أنه قال: (كثرة الإخوان من سَخَافَة الدِّين!) (٣)، وقال: (كَثْرةُ الأخلاَّء مِن رِقِّةِ الدِّين!) (٤).
ولا ريب أن لِمُدَاهنة الفساق والعصاة آثار سوء، وكُتُبُ أهلِ السُّنة حافلة ببيان هذا والتحذير منه.
وقد قال رسول الله - ﷺ -: (إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ
_________________
(١) «الزهد» للإمام أحمد، ص (٢٢٩)؛ وانظر: «صفة الصفوة» لابن الجوزي (٣/ ٣٤١).
(٢) «فيض القدير» للمناوي، (٤/ ٢٧٤).
(٣) «التواضع والخمول» لابن أبي الدنيا ص (٦٩) ورقم (٤٢)، و«الورع» للإمام أحمد ص (١٩٣)؛ وانظر: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم الرازي (١/ ٩٤).
(٤) «الطبقات الكبرى» للشعراني، (١/ ٤٦).
[ ٣١ ]
وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) (١).
وقال - ﷺ -: (لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ) (٢).
وقد ذكر أهلُ العلمِ أنَّ «عبدَ الرزاق بن هَمَّام» ما دخل في التشيُّع إلاَّ بعد أنْ سَمِعَ وصَحِب «جعفر بن سليمان» (٣).
ورُمِيَ بالقَدَر «ابن أبي ذئب» حينما تلطَّف مع القدرية وأدخلهم مجلسه؛ قال الذهبي: (كان حَقُّه أن يكفهرَّ في وجوههم، ولَعَلَّه كان يُحسن الظنَّ بالناس) انتهى (٤).
وقد كان «عِمْران بن حطان» من أهل السنة، وحينما تزوَّج
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (٥٢١٤)، ومسلم برقم (٢٦٢٨)، وغيرهم؛ وكلهم من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -.
(٢) أخرجه أبو داود في «سننه» برقم (٤٨٣٢)، والترمذي في «سننه» برقم (٢٣٩٥)، وأحمد في «مسنده» برقم (١١٣٥٥)، الحاكم في «مستدركه» برقم (٧١٦٩)، وغيرهم؛ وكلهم من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -؛ وقال الحاكم عقبه: (هذا حديث صحيح الإسناد ولَم يُخرجاه) ووافقه الذهبي؛ وحسَّنه البغوي في «شرح السنة» (٦/ ٤٦٨)، وحسَّنه - أيضًا - ابنُ مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٥٢٧).
(٣) أنظر: «تذكرة الحفاظ» للذهبي (١/ ٢٤١)، و«سير أعلام النبلاء» (٩/ ٥٧٠)، و«الكامل» لابن عدي (٥/ ٣١٥).
(٤) «سير أعلام النبلاء» (٧/ ١٤١).
[ ٣٢ ]
خارجية صَارَ من أئمة الخوارج؛ قال ابن عساكر: (وعمران بن حطان كانَ رَجُلًا مِنْ بَنِي سدوس أدرك جماعة من أصحاب النبي - ﷺ - وصار في آخر أمره أنْ رأى رأي الخوارج؛ وكان سبب ذلك فيما بَلَغَنَا أنَّ ابنة عمٍّ له رأتْ رأيَ الخوارج فتزوَّجَها ليردَّها عن ذلك فصَرَفَتْه إلى مذهبها!) انتهى (١).
قال ابن مسعود - ﵁ -: (اعتبروا الناس بأخدانهم فإنَّ المرءَ لا يُخَادِن إلاَّ مَن يُعجبه) (٢).
وعن عمرو بن قيس أنه كان يُقال: (لاَ تُجالس صاحب زَيْغٍ فيزيغ قلبك) (٣).
وقال يحيى بن سعيد القطان: لَمَّا قدم سفيان الثوري - ﵀ - «البصرة» جعل ينظر إلى أمْرِ الربيع بن صبيح وقَدْره عند الناس فسَأل: (أيُّ شيءٍ مذهبه؟!)، قالوا: مَا مَذهبه إلاَّ السُّنة؛ فقال: (مَن بطانته؟!)، قالوا: أهلُ القَدَر؛ فقال: (هُوَ قَدَرِي!) (٤).
قال ابنُ بَطَّة - ﵀ - مُعلِّقًا على كلام «سفيان الثوري» بعد أنْ
_________________
(١) أنظر: «تاريخ دمشق» لابن عساكر (٤٣/ ٤٩٠)، و«تهذيب الكمال» للمزي (٢٢/ ٣٢٣).
(٢) أخرجه ابن بطة في «الإبانة» برقم (٣٨١)، وابن أبي الدنيا في «الإخوان» برقم (٣٨).
(٣) «الإبانة»، رقم (٣٧١) و(٣٩٥).
(٤) «الإبانة»، رقم (٤٢٦).
[ ٣٣ ]
ذكَرَه: (لقد نطق بالحكمة فَصَدَق، وقال بالعلم فوافق الكتاب والسنة، وما تُوجِبُه الحكمةُ، ويُدركه العَيانُ، ويعرفه أهلُ البصيرَةِ والعَيانِ، قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ (١» انتهى.
وقد قيل للأوزاعي - ﵀ -: إنَّ رَجُلًا يقول: " أنا أجالس أهل السنة وأهل البدع "؛ فقال: (هذا رجل يُرِيدُ أن يُساوي بين الحق والباطل!) (٢).
وقال سفيان الثوري - ﵀ -: (ليس شيء أبلغ في فَسَادِ رَجُلٍ وصَلاَحِه مِن صَاحِب!) (٣)، يعني تأكُّد تأثُّره به.
ولذلك يقول عديُّ بن زيد (٤):
عَنِ الْمَرْءِ لاَ تَسْألْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارَنِ يَقْتَدِي!
وَصَاحِبْ أُوْلِي التَّقْوَى تَنَلْ مِنْ تُقَاهُمُ. وَلاَ تَصْحَبِ الأرْدَى فَتَرْدَى مَعَ الرَّدِي
وقال الفُضَيل بن عِيَاض - ﵀ -: (ليس للمؤمن أنْ يَقْعُد مع كُلِّ مَن شَاءَ لأنَّ الله - ﷿ - يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا
_________________
(١) سورة آل عمران، من الآية: ١١٨.
(٢) «الإبانة»، رقم (٤٣٤).
(٣) «الإبانة» رقم (٥٠٤).
(٤) «بَهجة المجالِس» لابن عبد البر، (١/ ١٥١).
[ ٣٤ ]
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (١» انتهى (٢).
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: (ورُفع إلى عمر بن عبد العزيز - ﵀ - قومٌ يشربون الخمر وكان فيهم جليس لَهُم صائم فقال: «ابدؤوا به في الْجَلد، ألم تسمع الله يقول: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ (٣)») ثم قال ابن تيمية بعد ذلك: (فإذا كان هذا في الْمُجَالسَة والعِشْرة العارضة حين فِعْلهم للمُنْكَر يكون مُجَالِسُهُم مِثْلًا لَهُم فكيف بالعِشْرَةِ الدائمة!) انتهى (٤)؛ فليتأمل الْمُداهن هذا!.
وقد قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: (وَمِن أنواعِ مَكايده وَمَكْره - أيْ الشيطان -: أنْ يدعو العبدَ بِحُسْنِ خُلُقِهِ وطلاقَتِه وَبِشْرِه إلى أنواعٍ من الآثام والفجُور، فيلقاه مَن لاَ يُخَلِّصُه مِن شَرِّه إلاَّ تَجَهُّمه والتعبيس في وجهه والإعراض عنه، فَيُحْسِّن له العدوُّ أنْ يلقاه بِبِشْرِه وطلاقة وجهه وحُسْن كلامه، فيتعلق به فيروم التخلص منه فيعجز، فلا يزال العدوُّ يسعى بينهما حتى يُصيب حاجته، فيَدْخُل على العبدِ بِكَيده مِن بابِ حُسْنِ الْخُلْق وطَلاَقة الوَجه!، ومن هَهُنَا وصَّى أطباءُ القلوبِ بالإعراضِ عن أهل البِدَع وأنْ لاَ يُسَلِّم
_________________
(١) سورة الأنعام، من الآية: ٦٨.
(٢) «الإبانة»، رقم (٥١٤).
(٣) سورة النساء، من الآية: ١٤٠.
(٤) «مجموع الفتاوى»، (١٥/ ٣١٥).
[ ٣٥ ]
عليهم، ولا يُرِيهِمْ طلاقةَ وجْهِهِ، ولاَ يلقاهُمْ إلاَّ بالعبوس والإعراض) انتهى (١).
_________________
(١) «إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان» لابن القيم، (١/ ١٤٠).
[ ٣٦ ]