اخْتلفُوا فِي وَقت وجوب الصَّلَاة.
[ ١ / ٨٢ ]
فَقَالَ مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ: الصَّلَاة تجب بِأول الْوَقْت.
وَقَالَ بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة: تجب بِآخِرهِ.
وَاتَّفَقُوا على أَن وَقت الظّهْر إِذا زَالَت الشَّمْس، وَلَا يجوز أَن يُصَلِّي قبل الزَّوَال.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي آخر وَقت الظّهْر.
فَقَالَ الشَّافِعِي: قَول وَاحِد آخر وَقتهَا إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثله غير الظل الَّذِي يكون للشَّخْص عِنْد الزَّوَال فَإِنَّهُ يطول وَيقصر بِحَسب اخْتِلَاف الزَّمَان، وَإِذا صَار كل شَيْء مثله، وَزَاد أدنى زِيَادَة فقد خرج وَقت الظّهْر وَدخل وَقت الْعَصْر، فَإِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ، وَزَاد أدنى زِيَادَة فَهُوَ آخر وَقت الْعَصْر.
وَاخْتلف عَن أبي حنيفَة، فَروِيَ عَنهُ كمذهب الشَّافِعِي وَأحمد، وَهُوَ اخْتِيَار أبي يُوسُف وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ وَهُوَ آخر وَقت الظّهْر، فَإِذا زَاد شَيْئا وَجب الْعَصْر، وَرُوِيَ عَنهُ أَن آخر وَقتهَا إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ فبينهما وَقت لَيْسَ من وقتهما، وَآخر وَقت الْعَصْر إصفرار الشَّمْس.
وَقَالَ مَالك: وَقت الظّهْر الْمُخْتَار من أول زَوَال الشَّمْس إِلَى أَن يصير ظلّ كل
[ ١ / ٨٣ ]
شَيْء مثله.
فَإِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثله فَهُوَ آخر وَقت الظّهْر الْمُخْتَار وَهُوَ بِعَيْنِه أول وَقت الْعَصْر الْمُخْتَار، وَيكون وقتا لَهما ممتزجا بَينهمَا، فَإِذا زَاد على الْمثل زِيَادَة بَيِّنَة خرج وَقت الظّهْر الْمُخْتَار، واختص الْوَقْت بالعصر وَلَا يزَال ممتدا إِلَى أَن يصير ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ وَذَلِكَ آخر وَقت الْعَصْر الْمُخْتَار، وينتقل مَا كَانَ من الِاخْتِيَار فِي الظّهْر إِلَى أَن يبْقى للغروب قدر خمس رَكْعَات، أَربع لِلظهْرِ وركعة للعصر، فَحِينَئِذٍ يستويان فِي الضَّرُورَة وَقَوله: إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثله سَوَاء فِي الْأَشْخَاص عِنْد الزَّوَال أَيْضا. وَقَول أبي حنيفَة وَمَالك: إِذا صَار كل شَيْء مثله أَنَّهُمَا أَيْضا يعتبران ذَلِك من وَقت تناهي نقصانه وَأخذ فِي الزِّيَادَة لَا من أَصله كَمَا ذكرنَا عَن الشَّافِعِي وَأحمد فَهُوَ اتِّفَاق مِنْهُم.
وَاخْتلفُوا فِي وَقت الْمغرب.
[ ١ / ٨٤ ]
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: لَهَا وقتان فَأول وَقتهَا إِذا غَابَتْ الشَّمْس وَآخره حِين يغيب الشَّفق.
وَقَالَ مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَالشَّافِعِيّ فِي أظهر قوليه: لَهَا وَقت وَاحِد مضيق مِقْدَار آخر الْفَرَاغ مِنْهَا.
وَعَن مَالك رِوَايَة أُخْرَى رَوَاهَا عَنهُ ابْن وهب: أَن لَهَا وقتان.
وَاخْتلفُوا فِي الشَّفق الَّذِي يدْخل وَقت الْعشَاء بغيبوبته.
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: هُوَ الْحمرَة.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: هُوَ الْبيَاض.
وَأهل اللُّغَة على القَوْل الأول، وَقَالَ الْخَلِيل وَالْفراء وَابْن دُرَيْد: الشَّفق الْحمرَة.
وَقَالَ الْفراء: سَمِعت بعض الْعَرَب يَقُول: وَعَلِيهِ ثوب مصبوغ كَأَنَّهُ الشَّفق وَكَانَ أَحْمَر.
وَاخْتلفُوا فِي آخر وَقت الْعشَاء الْمُخْتَار.
[ ١ / ٨٥ ]
فَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنْهُمَا: إِلَى ثلث اللَّيْل. وَاخْتلف أَصْحَاب أبي حنيفَة فَمنهمْ من قَالَ: إِلَى قبل ثلث اللَّيْل، وَمِنْهُم من قَالَ: إِلَى ثلث اللَّيْل، وَمِنْهُم من قَالَ: إِلَى نصف اللَّيْل.
وَهَذَا القَوْل الآخر للشَّافِعِيّ وَالرِّوَايَة عَن أَحْمد.
وَقَالَ مَالك: وَقت الضَّرُورَة للمغرب وَالْعشَاء إِلَى قبل طُلُوع الْفجْر بِمِقْدَار أَربع رَكْعَات، ثَلَاثَة للمغرب وَوَاحِدَة من الْعشَاء، وَهُوَ القَوْل الآخر للشَّافِعِيّ وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى عَن أَحْمد.
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: وَقت الْعشَاء الْآخِرَة للضَّرُورَة إِلَى أَن يطلع الْفجْر فَمن أدْرك من الْعشَاء الْآخِرَة رَكْعَة قبل طُلُوع الْفجْر فقد أدْركهَا.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: وَقت الْجَوَاز إِلَى أَن يطلع الْفجْر.
وَاتَّفَقُوا على أَن أول وَقت الْفجْر طُلُوع الْفجْر الثَّانِي الْمُنْتَشِر وَلَا ظلمَة بعده، وَآخر وَقتهَا الْمُخْتَار إِلَى أَن يسفر.
وَاخْتلفُوا هَل الْأَفْضَل تَقْدِيم صَلَاة الْفجْر من أول الْوَقْت؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْإِسْفَار أفضل إِلَّا بِالْمُزْدَلِفَةِ.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: الْأَفْضَل التغليس.
وَعَن احْمَد رِوَايَة أَنه يعْتَبر حَال الْمُصَلِّين، فَإِن شقّ عَلَيْهِم التغليس كَانَ لإسفار أفضل.
واجمعوا على أَن وَقت الضَّرُورَة إِلَى طُلُوع الشَّمْس.
وَأَجْمعُوا على أَن الْأَفْضَل تَأْخِير الظّهْر عَن وَقت جَوَاز فعلهَا من يَوْم الْغَيْم
[ ١ / ٨٦ ]
إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا غلب على ظَنّه وَقتهَا صلاهَا من غير تَأْخِير.
وَعَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ: إِذا كَانَت السَّمَاء مغيمة رَاعى الشَّمْس فَإِذا برز لَهُ مِنْهَا مَا يدله وَإِلَّا أخر حَتَّى يرى أَنه صلاهَا آخر الْوَقْت واحتاط بتأخيرها مَا بَينه وَبَين أَن يخَاف دُخُول وَقت الْعَصْر.
وَاتَّفَقُوا على أَن الْأَفْضَل تَأْخِير الظّهْر فِي شدَّة الْحر إِذا كَانَ يُصليهَا فِي مَسْجِد الْجَمَاعَات خلافًا لبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي اعْتِبَار ذَلِك فِي الْبِلَاد الحارة دون غَيرهَا.
وَاتَّفَقُوا على اسْتِحْبَاب تَعْجِيل الظّهْر فِي الشتَاء إِذا لم يكن برود وَفِي الصَّيف إِذا لم يصل فِي مَسَاجِد الْجَمَاعَات. إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ: يسْتَحبّ لمساجد الْجَمَاعَات يؤخروها إِلَى أَن يصير الْفَيْء ذِرَاعا.
وَاخْتلفُوا هَل الْأَفْضَل فِي صَلَاة الْعَصْر التَّقْدِيم أَو التَّأْخِير فِي جَمِيع الْأَزْمِنَة؟
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: التَّأْخِير مَا لم تصفر الشَّمْس.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: تَقْدِيمهَا أفضل.
وَاخْتلفُوا فِي الصَّلَاة الْوُسْطَى.
[ ١ / ٨٧ ]
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: هِيَ الْعَصْر.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه: هِيَ الْفجْر، وَالْقَوْل الآخر وَهُوَ أظهرهمَا: أَنَّهَا الْعَصْر.
وَاخْتلفُوا فِي الْمغمى عَلَيْهِ.
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: إِذا كَانَ إغماؤه لسَبَب محرم مثل أَن يشرب خمرًا أَو دَوَاء لم يحْتَج إِلَيْهِ، لم تسْقط الصَّلَاة عَنهُ، وَكَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاء فرضا، فَإِن أُغمي عَلَيْهِ بجنون أَو مرض أَو سَبَب مُبَاح سقط عَنهُ قَضَاء مَا كَانَ فِي حَال إغمائه من الصَّلَاة على الْإِطْلَاق.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَ الْإِغْمَاء يَوْمًا وَلَيْلَة فَمَا دون ذَلِك لم يمْنَع وجوب الْقَضَاء، وَإِن زَاد على ذَلِك لم يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء، وَلم يفرق بَين أَسبَاب الْإِغْمَاء.
وَقَالَ أَحْمد: الْإِغْمَاء بِجَمِيعِ أَسبَابه لَا يمْنَع وجوب الْقَضَاء بِحَال.