اتَّفقُوا على أَن اسْتِعْمَال أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة من الْمَأْكُول والمشروب وَالطّيب وَغَيره مَنْهِيّ عَنهُ.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي النَّهْي هَل هُوَ نهي تَحْرِيم أَو تَنْزِيه؟ .
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد: أَنه نهي تَحْرِيم.
وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ، أَحدهمَا: أَنه نهي تَنْزِيه، وَالْآخر أَنه نهى تَحْرِيم، وَهُوَ الَّذِي نَصه الشِّيرَازِيّ فِي التَّنْبِيه. وَاتَّفَقُوا على أَن هَذَا التَّحْرِيم فِي حق الرِّجَال وَالنِّسَاء. وَأَجْمعُوا على أَنه إِن خَالف مُكَلّف فَتَوَضَّأ مِنْهَا أَثم وَصحت طَهَارَته إِلَّا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد أَنه لَا تصح طَهَارَة من تطهر مِنْهَا، واختارها عبد الْعَزِيز، وَالْأُخْرَى يكره وَيجزئهُ وَهُوَ اخْتِيَار الْخرقِيّ.
وَأَجْمعُوا على أَن اتخاذها حرَام إِلَّا أَن بعض الشَّافِعِيَّة قَالَ: لَا يحرم إِلَّا
[ ١ / ٣٢ ]
اسْتِعْمَالهَا فَقَط وَهُوَ وَجه لَهُم.
وَحكى ابْن أبي مُوسَى ذَلِك عَن الشَّافِعِي، ثمَّ قَالَ: وَعَن أَحْمد مثله.
وَاتَّفَقُوا على آثَار سُؤْر مَا يُؤْكَل لَحْمه من الْبَهَائِم طَاهِرَة. ثمَّ اخْتلفُوا فِي سُؤْر مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه من سِبَاع الْبَهَائِم كالأسد والنمر وَنَحْوهمَا، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه: هِيَ نجسه.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: هِيَ طَاهِرَة، وَاسْتثنى مَالك مَا يَأْكُل النَّجَاسَة مِنْهَا، فَحكم بِنَجَاسَة سؤره.
وَاخْتلفُوا فِي الْكَلْب وَالْخِنْزِير، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: هما نجسان، وَكَذَلِكَ سؤرهما، وَقَالَ مَالك فِي الْكَلْب طَاهِر، وسؤره كَذَلِك رِوَايَة وَاحِدَة.
وَالْخِنْزِير نجس وَفِي طَهَارَة سؤره عِنْده رِوَايَتَانِ وعَلى ذَلِك فسؤر الْكَلْب وَالْخِنْزِير فِي الرِّوَايَة الَّتِي يَقُول بِطَهَارَة سؤرهما مكروهان، وَيغسل الْإِنَاء من ولوغ الْكَلْب سبعا تعبدا إِلَّا لنجاسته، ويراق المَاء اسْتِحْبَابا، وَلَا يراق مَا ولغَ فِيهِ من
[ ١ / ٣٣ ]
سَائِر الْمَائِعَات وَفِي غسل الْإِنَاء من ولوغ الْخِنْزِير عَنهُ رِوَايَتَانِ أَحدهمَا هُوَ كَالْكَلْبِ وَالثَّانِي لَا يغسل.
وَاتَّفَقُوا على أَن سُؤْر الْبَغْل وَالْحمار طَاهِر إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ شكّ فِي كَونه مطهرا، وروى ابْن جرير عَن مَالك كَرَاهِيَة سؤرهما.
وَاخْتلف عَن أَحْمد فروى عَنهُ الشَّك فيهمَا كَأبي حنيفَة.
وَفَائِدَته: أَنه إِذا لم يجد مَاء غَيره تَوَضَّأ بِهِ وأضاف إِلَيْهِ التَّيَمُّم، وَإِن وجد مَاء غَيره لم يتَوَضَّأ بِهِ.
وَرُوِيَ عَنهُ أَن سؤرهما نجس وَهُوَ الَّذِي نَصره أَصْحَابه.
وَاخْتلفُوا فِي آثَار جوارح الطير، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه هِيَ طَاهِرَة إِلَّا أَن أَبَا حنيفَة يكرهها مَعَ ثُبُوت طَهَارَتهَا عِنْده، وَقَالَ أَحْمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: هِيَ نَجِسَة، وَقَالَ مَالك: أَن كَانَت تَأْكُل النَّجَاسَة وتفترسها فَهِيَ نَجِسَة، وَإِن كَانَت لَا تأكلها وَلَا تفترسها فَهِيَ طَاهِرَة.
وَاتَّفَقُوا على طَهَارَة سُؤْر الْهِرَّة وَمَا دونهَا من الْخلقَة إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ يكرههُ.
[ ١ / ٣٤ ]
وَاتَّفَقُوا على أَنه إِذا مَاتَ فِي المَاء الْيَسِير مَا لَيست لَهُ نفس سَائِلَة كالذباب وَنَحْوه فَإِنَّهُ لَا يُنجسهُ إِلَّا فِي أحد قولي الشَّافِعِي فَإِنَّهُ يُنجسهُ، وَالْقَوْل الآخر أَنه لَا يُنجسهُ وَهُوَ الْأَظْهر.
وَاخْتلفُوا فِي اشْتِرَاط الْعدَد فِي إِزَالَة النَّجَاسَة.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا يشْتَرط الْعدَد فِي شَيْء من ذَلِك وَلَا يجب إِلَّا أَن مَالِكًا اسْتحبَّ غسل الْإِنَاء من ولوغ الْكَلْب سبعا كَمَا ذكرنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجب الْعدَد فِي شَيْء من ذَلِك إِلَّا من الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَمَا تولد مِنْهُمَا من أَحدهمَا، وَكَذَلِكَ إِن كَانَ الولوغ على الأَرْض.
وَحكى ابْن الْقَاص عَن الشَّافِعِي قولا فِي الْقَدِيم أَنه يغسل من ولوغ الْخِنْزِير مرّة وَاحِدَة، وَالصَّحِيح من مذْهبه حكمه حكم الْكَلْب نَص عَلَيْهِ فِي الْأُم.
وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهِي أَن النَّجَاسَة تكون فِي
[ ١ / ٣٥ ]
مَحل غير الأَرْض إِذْ لَا تخْتَلف الرِّوَايَة عَنهُ أَن الْعدَد لَا يشْتَرط فِيمَا إِذا كَانَت النَّجَاسَة على الأَرْض، فَالْمَشْهُور عَنهُ فيهمَا أَنه يجب الْعدَد فِي غسل سَائِر النَّجَاسَات سبعا سَوَاء كَانَت من السَّبِيلَيْنِ أَو من غَيرهمَا، وَعنهُ رِوَايَة ثَانِيَة أَنه يجب غسل سَائِر النَّجَاسَات ثَلَاثًا سَوَاء كَانَت من السَّبِيلَيْنِ أَو غَيرهمَا. وَعنهُ رِوَايَة ثَالِثَة: إِن كَانَت فِي السَّبِيلَيْنِ فسبعا، وَإِن كَانَت فِي السَّبِيلَيْنِ أَو فِي غير الْبدن وَجب الْعدَد. وَكَانَ الْوَاجِب سبعا، وَإِن كَانَت فِي الْبدن، فقد رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: إِذا أصَاب جسده فَهُوَ أسهل، والخلال يُخطئ راويها، وَالْخَامِسَة: إِسْقَاط الْعدَد فِيمَا عدا الْكَلْب وَالْخِنْزِير.
وَاخْتلفُوا فِي رَوْث مَا يُؤْكَل لَحْمه وبوله، فَقَالَ مَالك وَأحمد: من الْمَشْهُور عَنهُ أَنه ظَاهر، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: ذرق الْحمام والعصافير طَاهِر، وَالْبَاقِي نجس، وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ نجس على الْإِطْلَاق.
وَاتَّفَقُوا على أَن رَوْث مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه نجس إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ يرى أَن ذرق سِبَاع الطير كالبازي والصقر، والباشق وَنَحْوه طَاهِر.
[ ١ / ٣٦ ]
وَاخْتلفُوا فِي المَاء الْمُسْتَعْمل من رفع الْحَدث، فَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي إِحْدَى الرِّوَايَات عَنهُ: هُوَ نجس نَجَاسَة صَرِيحَة، إِلَّا أَنه يَقُول على هَذِه الرِّوَايَة، أما مَا يترشرش مِنْهُ على الثَّوْب أَو مَا يعلق بالمنديل عِنْد التنشيف من بلله طَاهِر، وَإِنَّمَا يحكم نَجَاسَته عِنْد استقراره مُنْفَصِلا إِلَى الأَرْض أَو الْإِنَاء.
وَعنهُ رِوَايَة ثَانِيَة: أَنه نجس نَجَاسَة مُخَفّفَة مثل بَوْل مَا يُؤْكَل فَلَا يمْنَع جَوَاز الصَّلَاة مَا لَا يبلغ ربع الثَّوْب.
وَعنهُ رِوَايَة ثَالِثَة: أَنه طَاهِر غير مطهر، وَقَالَ مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ: هُوَ طَاهِر، وَزَاد مَالك فَقَالَ: مطهر وَعَن أَحْمد نَحوه.
وَأَجْمعُوا على جَوَاز وضوء الرجل بِفضل الْمَرْأَة إِن خلت بِالْمَاءِ إِلَّا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد فَإِنَّهُ منع من ذَلِك وَاحْتج لَهُ بِحَدِيث لم يرو فِي هَذَا
[ ١ / ٣٧ ]
الْكتاب، وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى أَنه قَالَ: أكرهه.
وَأَجْمعُوا على أَن الْجنب وَالْحَائِض والمشرك إِذا غمس كل وَاحِد مِنْهُم يَده فِي إِنَاء فِيهِ مَاء قَلِيل، فَإِن المَاء بَاقٍ على طَهَارَته.
وَاخْتلفُوا فِي الْبِئْر تخرج مِنْهَا فَأْرَة وَقد كَانَ تَوَضَّأ مِنْهَا متوضئ، فَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَت متفسخة أعَاد ثَلَاثَة أَيَّام، فَإِن لم تكن متفسخة أعَاد صَلَاة يَوْم وَلَيْلَة، وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: إِن كَانَ المَاء يَسِيرا أعَاد من الصَّلَوَات مَا يغلب على ظَنّه أَنه تَوَضَّأ مِنْهَا بعد وُقُوعهَا وَإِن كَانَ كثيرا وَلم يتَغَيَّر لم يعد.
وَإِن تغير أعَاد من وَقت التَّغَيُّر، وَمذهب مَالك أَنه إِن كَانَ المَاء معينا وَلم
[ ١ / ٣٨ ]
يتَغَيَّر أَو ضَاقَ فَهُوَ طَاهِر وَلَا إِعَادَة على الْمُصَلِّي مِنْهُ، وَإِن كَانَ غير معِين كالمواجن وأشباهها فَلهُ فِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا: رَاعى فِيهَا التَّغَيُّر كالمعين، وَالْأُخْرَى لم يراع فِيهَا التَّغَيُّر. وَأطلق ابْن الْقَاسِم من أَصْحَابه القَوْل بِالنَّجَاسَةِ.
وَقَالَ أَصْحَاب مَالك كَعبد الْوَهَّاب وَغَيره: أَن هَذَا من ابْن الْقَاسِم على سَبِيل التَّوَسُّع فِي الْعِبَادَة، بِدَلِيل أَن الصَّلَاة إِنَّمَا تُعَاد عِنْده فِي الْوَقْت، وَلَو كَانَ نجسا نَجَاسَة خَفِيفَة لأعاد فِي الْوَقْت وَبعده.