اتَّفقُوا على أَنه إِذا وَجب البيع وتفرقا من الْمجْلس من غير خِيَار فَلَيْسَ لأَحَدهمَا الرَّد إِلَّا بِعَيْب.
وَاتَّفَقُوا على أَن خِيَار الْمجْلس لَا يثبت فِي الْعُقُود الَّتِي هِيَ غير لَازِمَة كالشركة وَالْوكَالَة وَالضَّمان.
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يثبت أَيْضا فِي الْعُقُود اللَّازِمَة الَّتِي لَا يقْصد فِيهَا الْعِوَض كَالنِّكَاحِ وَالْخلْع وَالْكِتَابَة.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي عُقُود الْمُعَاوَضَات اللَّازِمَة الَّتِي يقْصد مِنْهَا المَال كَالْبيع وَالصُّلْح وَالْحوالَة وَالْإِجَارَة وَنَحْوهَا هَل يثبت فِيهَا خِيَار الْمجْلس؟
[ ١ / ٣٥٠ ]
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: خِيَار الْمجْلس بَاطِل وَالْعقد بالْقَوْل كَاف لَازم وَإِذا وَجب البيع بَينهمَا فَلَيْسَ لأَحَدهمَا الْخِيَار وَإِن كَانَا فِي الْمجْلس.
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: هُوَ صَحِيح ثَابت وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا الْخِيَار مَا دَامَ فِي الْمجْلس فَيبقى وَلَو طَال مكثهما أَو تماشيا منَازِل وَإِن زَادَت الْمدَّة عَن ثَلَاثَة أَيَّام.
وَاخْتلفُوا هَل يثبت خِيَار الْمجْلس فِي عقد السّلم وَالصرْف أم لَا؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَيْسَ بِثَابِت فيهمَا وَلَا فِي غَيرهمَا من الْعُقُود.
وَقَالَ الشَّافِعِي: يثبت فيهمَا جَمِيعًا.
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ كالمذهبين.
وَاتَّفَقُوا على أَنه يجوز شَرط الْخِيَار للمتعاقدين مَعًا ولأحدهما بِانْفِرَادِهِ إِذا شَرطه.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي مُدَّة الْخِيَار.
[ ١ / ٣٥١ ]
فَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة: لَا يجوز أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام.
وَقَالَ مَالك: يجوز بِقدر الْحَاجة.
وَقَالَ أَحْمد: يجوز أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام.
وَاخْتلفُوا فِي الْمَبِيع إِذا تلف فِي مُدَّة الْخِيَار.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا تلف الْمَبِيع فِي مُدَّة الْخِيَار إِذا كَانَ قبل انْتقض البيع سَوَاء كَانَ الْخِيَار لَهما أَو لأَحَدهمَا، وَصَارَ كَأَن لم يعْقد.
فَأَما إِن كَانَ تلفه فِي يَد المُشْتَرِي وَكَانَ الْخِيَار لَهُ فقد تمّ البيع وَلزِمَ وَإِن كَانَ الْخِيَار للْبَائِع انْتقض البيع وَلزِمَ المُشْتَرِي قيمَة الْمَبِيع لَا الثّمن الْمُسَمّى فِي العقد.
وَقَالَ مَالك: إِذا أتلفت السّلْعَة الْمَبِيعَة بِالْخِيَارِ فِي مُدَّة الْخِيَار فضمانها من
[ ١ / ٣٥٢ ]
بَائِعهَا دون مشتريها إِذا كَانَت فِي يَده أَو لم تكن فِي يَد وَاحِد مِنْهُمَا.
وَإِن قبضهَا الْمُبْتَاع ثمَّ تلفت فِي يَده وَكَانَت مِمَّا يعاب عَنهُ فضمانها مِنْهُ.
إِلَّا أَن تقوم لَهُ بَيِّنَة على تلفهَا فَيسْقط عَنهُ ضَمَانهَا.
وَإِن كَانَت مِمَّا لَا يعاب عَنهُ فضمانها على كل حَال من بَائِعهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي إِحْدَى روايتيه: إِن تلفت قبل الْقَبْض انْفَسَخ البيع وَكَانَت من مَال بَائِعهَا.
وَإِن كَانَت بعد الْقَبْض لم يَنْفَسِخ البيع وَلم يبطل الْخِيَار.
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، أَحدهمَا: لَا يبطل الْخِيَار، وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة يبطل، وَالْأولَى اخْتَارَهَا القَاضِي أَبُو يعلى، وَالثَّانيَِة اخْتَارَهَا الْخرقِيّ.
وَفَائِدَة الْخلاف بَين الرِّوَايَتَيْنِ بَين.
عَن أَحْمد بِأَنَّهُمَا إِذا لم يُجِيز البيع وَاخْتَارَ الْفَسْخ لم يَصح.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: يَصح البيع بعد التّلف فِي مَاذَا يرجع البَائِع على
[ ١ / ٣٥٣ ]
المُشْتَرِي إِذا كَانَ تلف الْمَبِيع فِي يَده؟ على رِوَايَتَيْنِ، إِحْدَاهَا: يرجع بِالْقيمَةِ، وَالثَّانيَِة: يرجع بِالثّمن الْمُسَمّى، فَإِذا رَجَعَ بِالْقيمَةِ فَالْخِيَار لَهُ بِحَالهِ لِأَنَّهُ قد مَالك الْفَسْخ وَتعذر الرُّجُوع فِي الْعين فَيرجع إِلَى الْقيمَة، وَإِذا رَجَعَ البَائِع على المُشْتَرِي بِالثّمن فَالْخِيَار قد بَطل لِأَنَّهُ غير مَالك للْفَسْخ، فَرجع بِالْمُسَمّى لبَقَاء العقد.
وَاتَّفَقُوا على أَنه إِذا كَانَ الْمَبِيع عبدا، وَالْخيَار للْمُشْتَرِي خَاصَّة فَأعْتقهُ فَإِنَّهُ ينفذ الْعتْق.
وَاتَّفَقُوا على أَنه إِذا كَانَ الْمَبِيع عبدا وَالْخيَار للْبَائِع فَأعْتقهُ فَإِنَّهُ ينفذ الْعتْق.
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا كَانَ الْمَبِيع عبدا وَأعْتقهُ المُشْتَرِي فِي مُدَّة الْخِيَار لَهما.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا ينفذ الْعتْق.
وَقَالَ مَالك: الْعتْق مَوْقُوف على إجَازَة البَائِع، فَإِن أجازة نفذ، وَإِن لم يجزه لم ينفذ.
وَمذهب الشَّافِعِي أَن إِعْتَاق المُشْتَرِي يسْقط خِيَاره وَهل ينفذ عتقه يَبْنِي على إجَازَة البَائِع وفسخه.
فَإِن أجَاز البيع نفذ الْعتْق.
فَهَل يحكم بنفاذ الْعتْق يَبْنِي على الْأَقَاوِيل الثَّلَاثَة فِي البيع الْمَشْرُوط فِيهِ الْخِيَار، مَتى ينْقل الْملك فعلى قَوْله: أَن المُشْتَرِي يملك بِنَفس العقد، أَو قُلْنَا:
[ ١ / ٣٥٤ ]
أَنه مراعى فَإِن الْعتْق قد نفذ لِأَنَّهُ صَادف ملكه، وَإِذا قُلْنَا: لَا ينْتَقل الْملك بِنَفس العقد، وَإِنَّمَا ينْتَقل بِالْعقدِ وَانْقِطَاع الْخِيَار.
أَو قُلْنَا: أَنه مراعى لم ينفذ عتقه.
وَإِن قُلْنَا: إِنَّه ينْتَقل الْملك بِنَفس العقد، فَالَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَاخْتَارَهُ،
هُوَ وَأكْثر أَصْحَابه، أَنه لَا ينفذ.
وَحكى عَن ابْن شُرَيْح أَنه قَالَ: ينفذ إِن كَانَ مُوسِرًا.
وَقَالَ أَحْمد: ينفذ على الْإِطْلَاق.
وَاخْتلفُوا فِي الْخِيَار: هَل يُورث بِمَوْت صَاحبه؟
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: يُورث.
وَقَالَ أَحْمد وَأَبُو حنيفَة: لَا يُورث.
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا تقدم الْقبُول على الْإِيجَاب هَل ينْعَقد البيع؟
[ ١ / ٣٥٥ ]
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا تقدم الْقبُول على الْإِيجَاب فِي النِّكَاح صَحَّ، فَأَما البيع فَإِن كَانَ تقدم الْقبُول فِيهِ بِلَفْظ الْمَاضِي صَحَّ، وَإِن كَانَ بِلَفْظ الطّلب وَالْأَمر لم يَصح. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: يَصح البيع وَالنِّكَاح جَمِيعًا إِذا تقدم الْقبُول على الْإِيجَاب سَوَاء كَانَ بِلَفْظ الْمَاضِي أَو الطّلب.
وَقَالَ أَحْمد: إِذا تقدم الْقبُول على الْإِيجَاب فِي النِّكَاح صَحَّ، وَسَوَاء كَانَ بِلَفْظ الْمَاضِي أَو الطّلب رِوَايَة وَاحِدَة، فَأَما البيع فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنهُ.
إِحْدَاهمَا: يَصح كمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَالْأُخْرَى: لَا يَصح البيع على الْإِطْلَاق وَهِي أشهرهما.
وَاتَّفَقُوا على أَن الْغبن فِي البيع بِمَا لَا يفحش وَلَا يُؤثر فِي صِحَّته.
[ ١ / ٣٥٦ ]
ثمَّ اخْتلفُوا إِذا كَانَ الْغبن فِيهِ بِمَا لَا يتَغَابَن النَّاس بِمثلِهِ فِي الْعَادة. فَقَالَ مَالك وَأحمد: يثبت الْفَسْخ، وَقدره مَالك بِالثُّلثِ وَلم يقدره أَحْمد، بل قَالَ أَبُو بكر عبد الْعَزِيز من أَصْحَابه حَده الثُّلُث، كَمَا قَالَ مَالك. وَقَالَ بعض مِنْهُم حَده السُّدس. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَا يثبت الْفَسْخ بِحَال وَهَذَا هُوَ مَحْمُول على بيع الْمَالِك الْبَصِير.
وَاتَّفَقُوا على أَنه إِذا أطلق البيع وَلم يعين بِالثّمن النَّقْد، انْصَرف إِلَى غَالب نقد الْبَلَد.