اتَّفقُوا على أَن الْعمرَة مَشْرُوعَة بِأَصْل الْإِسْلَام.
قَالَ اللَّهِ ﷿: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ .
ثمَّ اخْتلفُوا فِي وُجُوبهَا.
فَقَالَ الشَّافِعِي فِي القَوْل الْجَدِيد وَأحمد: هِيَ وَاجِبَة.
وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم: هِيَ سنة.
وَأَجْمعُوا على أَن فعلهَا فِي الْعُمر مرّة وَاحِدَة كَالْحَجِّ.
ثمَّ اخْتلفُوا هَل يكره فعلهَا فِي السّنة مرَّتَيْنِ وَأكْثر؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: يجوز ذَلِك وَلَا يكره.
وَقَالَ مَالك: يكره أَن يعْتَمر فِي السّنة مرَّتَيْنِ.
وَأَجْمعُوا على أَن فعلهَا فِي جَمِيع السّنة جَائِز.
[ ١ / ٢٨٧ ]
إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ قَالَ: يجوز فعلهَا فِي جَمِيع السّنة إِلَّا فِي خَمْسَة أَيَّام مِنْهَا يَوْم عَرَفَة، وَيَوْم النَّحْر، وَأَيَّام التَّشْرِيق الثَّلَاثَة.
وَمَالك قَالَ: إِن أهل منى خَاصَّة لَا يجوز لَهُم أَن يعتمروا فِي هَذِه الْأَيَّام الْخَمْسَة لِأَنَّهُ قَالَ: فَإِذا غربت الشَّمْس من آخر أَيَّام التَّشْرِيق جَازَت لَهُم الْعمرَة لخُرُوج أَيَّام الْحَج.
فَأَما غير أهل منى فَلَا بَأْس أَن يعتمروا فِي أَيَّام منى. وَإِن كَانَ الِاخْتِيَار لَهُم غير ذَلِك.
وَقد رُوِيَ عَن احْمَد أَنه قَالَ: يكره فعلهَا أَيَّام التَّشْرِيق على الْإِطْلَاق.
وَأَجْمعُوا على أَن أَفعَال الْعمرَة من الْإِحْرَام وَالطّواف وَالسَّعْي أَرْكَان لَهَا إِلَّا الْحلق فعنهم فِيهِ اخْتِلَاف وَسَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ اللَّهِ.
وَأَجْمعُوا على انه لَا يجوز الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ من الْحرم. وَإِنَّمَا يكون من أدنى الْحل أَو مَا بعده، فَأَما من مَكَّة فَلَا.
[ ١ / ٢٨٨ ]
وَاتَّفَقُوا على جَوَاز الدّفع من مُزْدَلِفَة بعد نصف اللَّيْل من لَيْلَة النَّحْر.
إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يجوز حَتَّى يطلع الْفجْر، فَإِن ترك الْوُقُوف بِالْمُزْدَلِفَةِ بعد طُلُوع الْفجْر فَعَلَيهِ دم.
وَاتَّفَقُوا على وجوب رمي جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر خَاصَّة بِسبع حَصَيَات.
وَقَالَ عبد الْملك بن الْمَاجشون من أَصْحَاب مَالك: هُوَ ركن من أَرْكَان الْحَج لَا يتَحَلَّل إِلَّا بِهِ كَسَائِر الْأَركان.
وَاتَّفَقُوا على وجوب رمي الْجمار فِي أَيَّام التَّشْرِيق الثَّلَاثَة للجمرات الثَّلَاثَة فِي كل يَوْم جَمْرَة بِسبع حَصَيَات، فَيكون لكل جَمْرَة فِي الْأَيَّام الثَّلَاثَة إِحْدَى وَعِشْرُونَ حَصَاة فَجَمِيع مَا يرْمى فِي أَيَّام التَّشْرِيق ثَلَاثَة وَسِتُّونَ حَصَاة مثل حَصى الْحَذف ببيداء بِالْأولَى الَّتِي تلِي مَسْجِد الْخيف ثمَّ الْوُسْطَى، ثمَّ الثَّالِثَة وَهِي جَمْرَة الْعقبَة.
[ ١ / ٢٨٩ ]
وَاخْتلفُوا فِي الْخطْبَة يَوْم النَّحْر.
فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَأحمد: لَا تسن فِيهِ خطْبَة.
وَقَالَ الشَّافِعِي: تسن.
وَاخْتلفُوا فِي طواف الْوَدَاع وَهُوَ طواف الصَّدْر.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: هُوَ وَاجِب وَتَركه لغير عذر يُوجب دَمًا.
وَقَالَ مَالك: لَيْسَ بِوَاجِب وَلَا مسنون، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحبّ، وَلَا يجب فِيهِ دم لِأَن الدَّم إِنَّمَا يجب عِنْده فِي ترك الْوَاجِب والمسنون.
وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ الْمَنْصُور مِنْهُمَا عِنْد أَصْحَابه وُجُوبه وَوُجُوب الدَّم فِي تَركه.
ثمَّ اخْتلفُوا فِيمَا إِذا طَاف للصدر هَذَا الطّواف الْمَذْكُور ثمَّ أَقَامَ لشراء حَاجَة أَو عِيَادَة مَرِيض أَو انْتِظَار رفْقَة أَو غير ذَلِك.
هَل يُجزئهُ طَوَافه ذَلِك أم يحْتَاج إِلَى إِعَادَة طواف آخر.
فَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: يُعِيد طَوافا آخر وَلَا يُجزئهُ إِلَّا ذَلِك لِأَنَّهُ يجب عِنْده أَن
[ ١ / ٢٩٠ ]
يكون آخر عَهده بِالْبَيْتِ.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يُعِيد وَلَو أَقَامَ شهرا.
وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس لمن ودع الْبَيْت بِطواف الْوَدَاع أَن يَشْتَرِي بعض حَوَائِجه، وَأَن يبيت مَعَ كريه، وَلَا إِعَادَة وَلَو أعَاد كَانَ أحب إِلَيّ.
وَأجْمع موجبوا طواف الْوَدَاع على أَنه إِنَّمَا يجب على أهل الْأَمْصَار، وَلَا يجب على أهل مَكَّة.
وَاخْتلفُوا فِيمَن فرغ من أَفعَال الْحَج وَنوى الْإِقَامَة بِمَكَّة، هَل يجب عَلَيْهِ طواف الْوَدَاع؟
فَقَالُوا: لَا يجب عَلَيْهِ.
إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا نوى الْإِقَامَة بَعْدَمَا حل لَهُ النَّفر الأول لم يسْقط عَنهُ طواف الْوَدَاع.
وَاتَّفَقُوا على أَن طواف الْقدوم لمن قدم مَكَّة سنة.
إِلَّا أَن مَالِكًا شدد فِيهِ فَقَالَ: إِن تَركه مرهقا أَي معجلا حَتَّى خرج إِلَى منى أَو كَانَ قد أنشأ الْحَج من مَكَّة أَو أرْدف الْحَج على الْعمرَة فِي الْحرم، فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن تَركه فِي غير هَذِه الْحَالَات الْمَذْكُورَة فَعَلَيهِ دم، ويعيده إِذا رَجَعَ، وَقد أوجبه
[ ١ / ٢٩١ ]
بعض أَصْحَابه.
وَاتَّفَقُوا على أَن طواف الْقدوم سنة على أهل مَكَّة أَيْضا. وعَلى من أهل مِنْهَا من غير أَهلهَا إِلَّا أَنه لَا يطوف وَلَا يسْعَى حَتَّى يرجع إِلَى منى.
إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يسن لأهل مَكَّة طواف الْقدوم.
وَاتَّفَقُوا على أَن من شَرط صِحَة الطّواف بِالْبَيْتِ فِي هَذِه الأطوفة ركنها وواجبها ومسنونها الطَّهَارَة وَستر الْعَوْرَة.
إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ قَالَ: ليسَا بِشَرْط فِي صِحَّته، إِلَّا إِنَّه يجب بِتَرْكِهَا دم.
وَأَجْمعُوا على أَن استلام الْحجر الْأسود مسنون.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي استلام الرُّكْن الْيَمَانِيّ هَل هُوَ مسنون أم لَا؟
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: هُوَ مسنون ويستلم.
[ ١ / ٢٩٢ ]
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيْسَ بمسنون.
وَأَجْمعُوا على أَنه يجب البيتوتة بِمُزْدَلِفَة جُزْءا من اللَّيْل فِي الْجُمْلَة.
إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ: هُوَ سنة مُؤَكدَة.
وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه: لَيْسَ بِوَاجِب.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي حَده، وَقد مضى ذكر خلافهم فِيهِ.
وَاخْتلفُوا فِيمَن ترك الْمبيت بِمُزْدَلِفَة جُزْءا من اللَّيْل هَل يجب عَلَيْهِ دم؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا شَيْء عَلَيْهِ فِي تَركه، مَعَ كَونه وَاجِبا عِنْده.
وَقَالَ مَالك: يجب فِي تَركه دم، مَعَ كَونه سنة عِنْده.
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي أظهر قوليه وَأحمد: يجب فِي تَركه الدَّم، مَعَ كَونه وَاجِبا عِنْدهمَا.
وَأَجْمعُوا على أَن الْمبيت بمنى لياليها مَشْرُوع إِلَّا فِي حق أهل السِّقَايَة والرعاة.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي وُجُوبه.
[ ١ / ٢٩٣ ]
فَقَالَ أَحْمد: هُوَ وَاجِب وَيجب بِتَرْكِهِ دم فِي أظهر الرِّوَايَات عَنهُ، وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى: هُوَ سنة وَلَا دم عَلَيْهِ فِي تَركه وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة، وَاخْتَارَهُ عبد الْعَزِيز.
وَالثَّالِثَة: هُوَ وَاجِب وَعَلِيهِ بِتَرْكِهِ دِرْهَم وَنصف دِرْهَم. وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ.
وَقَالَ مَالك: هُوَ من سنَن الْحَج الَّتِي فِي تَركهَا الدَّم.
وَأَجْمعُوا على أَن الْوُقُوف بالمشعر الْحَرَام مَشْرُوع.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي وُجُوبه.
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه، وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه، هُوَ وَاجِب فَإِن أخل بِهِ فَعَلَيهِ دم.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا كَانَ بهَا بعد الْفجْر، وَقبل طُلُوع الشَّمْس فَلَا شَيْء عَلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي القَوْل الآخر وَأحمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: أَنه لَيْسَ بِوَاجِب.
وَأَجْمعُوا على أَن الْحلق مَشْرُوع للرِّجَال المحرمين، وَأَنه وَاجِب عَلَيْهِم أَو التَّقْصِير، وَأَن الْحلق أفضل.
[ ١ / ٢٩٤ ]
ثمَّ اخْتلفُوا فِيهِ هَل هُوَ نسك أَو اسْتِبَاحَة لمحظور؟
فَقَالَ أَحْمد وَأَبُو حنيفَة وَمَالك: هُوَ نسك.
وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ، أَحدهمَا: أَنه نسك.
وَالثَّانِي: أَنه اسْتِبَاحَة مَحْظُور.
والنسك: الْعِبَادَة.
وَأَجْمعُوا على أَنه لَا يجب على النِّسَاء حلق.
وَأَن الْمَشْرُوع لَهُنَّ التَّقْصِير، وَهُوَ وَاجِب عَلَيْهِنَّ.
وَاخْتلفُوا فِي أَي وَقت يقطع الْحَاج التَّلْبِيَة؟
فَقَالَ أَحْمد وَأَبُو حنيفَة: يقطعهَا حِين يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر.
وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ، أظهرهمَا: أَنه يقطعهَا إِذا زَالَت الشَّمْس من يَوْم عَرَفَة، إِلَّا أَن يكون أحرم بِالْحَجِّ بِعَرَفَة فيلبي حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة.
وَاخْتلفُوا مَتى يقطع الْمُعْتَمِر التَّلْبِيَة؟
[ ١ / ٢٩٥ ]
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: إِذا ابْتَدَأَ الطّواف.
وَقد قَالَ الْخرقِيّ من أَصْحَاب أَحْمد: وَمن كَانَ مُتَمَتِّعا قطع التَّلْبِيَة إِذا وصل إِلَى الْبَيْت.
وَهُوَ مَحْمُول على أَنه إِذا افْتتح الطّواف مَعَ الروية وَلَا يكون خلافًا.
وَقَالَ مَالك: إِن كَانَ أحرم بهَا من الْمِيقَات فَإِن دخل الْحرم قطع، وَإِن كَانَ أحرم بهَا أدنى الْحل، فَإِذا رأى الْبَيْت قطع، وَإِن أحرم بهَا من الْجِعِرَّانَة قطعهَا إِذا دخل بيُوت مَكَّة.
وَاتَّفَقُوا على أَن الْمُتَمَتّع لَهُ أَن يحرم بِالْحَجِّ يَوْم التَّرويَة وَقَبله.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْأَفْضَل لَهُ.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: يسْتَحبّ لَهُ تَقْدِيم الْإِحْرَام بِالْحَجِّ على يَوْم التَّرويَة.
وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن كَانَ مَعَه هدي فَالْأَفْضَل لَهُ أَن يحرم يَوْم التَّرويَة بعد الزَّوَال.
فَإِن لم يكن مَعَه هدي أحرم لَيْلَة السَّادِس من ذِي الْحجَّة. وَالْمُسْتَحب للمكي أَن يحرم إِذا توجه إِلَى منى.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وَقَالَ مَالك وَأحمد: الْأَفْضَل للمتمتع أَن يحرم بِالْحَجِّ يَوْم التَّرويَة.
وَاخْتلفُوا فِي الْمَكِّيّ هَل يَصح لَهُ التَّمَتُّع وَالْقرَان؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يصحان لَهُ وَيكرهُ لَهُ فعلهمَا.
فَإِن فعلهمَا لزمَه دم.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: يَصح للمكي التَّمَتُّع وَالْقرَان وَلَا يكرهان لَهُ وَلَا يلْزمه دم.
إِلَّا أَن عبد الْملك بن الْمَاجشون من أَصْحَاب مَالك قَالَ: على الْقَارِن الْمَكِّيّ دم.