أَجمعُوا على أَن الْحَج أحد أَرْكَان الْإِسْلَام وَفرض من فروضه.
وَالْحج فِي اللُّغَة الْقَصْد، وَفِي الشَّرْع عبارَة عَن أَفعَال مَخْصُوصَة فِي مَكَان مَخْصُوص وَهُوَ الطّواف وَالسَّعْي وَالطّواف فِي مَكَان مَخْصُوص، وَهُوَ أشهر الْحَج.
وَأَجْمعُوا على أَنه يجب على كل مُسلم بَالغ حر عَاقل صَحِيح مستطيع فِي الْعُمر مرّة وَاحِدَة.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي صفة الِاسْتِطَاعَة على مَا سَيَأْتِي بَيَانه.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وَأَجْمعُوا على أَن الْمَرْأَة فِي ذَلِك كَالرّجلِ فِي الْفَرْض.
ثمَّ أَجمعُوا على أَن الشَّرَائِط فِي حَقّهَا كَالرّجلِ.
وَاخْتلفُوا فِي شَرط آخر وَهُوَ وجود الْمحرم فِي حَقّهَا.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: يشْتَرط وجود محرم فِي حَقّهَا. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يشْتَرط وجود محرم فِي حَقّهَا.
قَالَ الشَّافِعِي: وَيجوز أَن تحج فِي نسْوَة ثِقَات.
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْإِمْلَاء: وَيجوز أَن تحج مَعَ امْرَأَة وَاحِدَة.
وروى الْكَرَابِيسِي عَنهُ: إِذا كَانَ الطَّرِيق آمنا جَازَ فِي غير نسَاء.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: هُوَ الصَّحِيح عِنْدِي.
وَقَالَ مَالك: وتحج فِي جمَاعَة النِّسَاء.
وَأَجْمعُوا على أَنه يَصح الْحَج بِكُل نسك من أنساك ثَلَاثَة: التَّمَتُّع، وَالْقرَان، والإفراد، بِكُل مُكَلّف على الْإِطْلَاق.
إِلَّا أَن أَبَا حنيفَة اسْتثْنى الْمَكِّيّ فَقَالَ: لَا يَصح فِي حَقه التَّمَتُّع وَالْقرَان وَيكرهُ لَهُ
[ ١ / ٢٧٠ ]
فعلهمَا، فَإِن فعلهمَا لزمَه دم.
وَاخْتلفُوا فِي أولاها.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْقرَان أفضل ثمَّ التَّمَتُّع ثمَّ الْإِفْرَاد للآفاقي.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه: الْأَفْضَل الْإِفْرَاد، ثمَّ التَّمَتُّع، ثمَّ الْقُرْآن.
وعنهما قَول آخر: أَن التَّمَتُّع أفضل، ثمَّ الْإِفْرَاد، ثمَّ الْقرَان.
وروى الْمروزِي عَنهُ أَنه قَالَ: إِن سَاق الْهَدْي فالقران أفضل، وَإِن لم يسق الْهَدْي فالتمتع أفضل.
فعلى روايتيه الْأَفْضَل لمن سَاق الْهَدْي الْقرَان، ثمَّ التَّمَتُّع، ثمَّ الْإِفْرَاد، وَصفَة التَّمَتُّع أَن يحرم بِالْعُمْرَةِ فِي أشهر الْحَج، فَإِذا فرغ مِنْهَا وَلم يكن مَعَه هدي أَقَامَ بِمَكَّة حَلَالا حَتَّى يحرم بِالْحَجِّ من مَكَّة يَوْم التَّرويَة من عَامَّة ذَلِك.
وَصفَة الْقرَان أَن يجمع فِي إِحْرَامه بَين الْحَج وَالْعمْرَة، أَو يهل بِالْعُمْرَةِ ثمَّ
[ ١ / ٢٧١ ]
يدْخل عَلَيْهَا الْحَج قبل الطّواف، ثمَّ يقْتَصر على أَفعَال الْحَج وَحده عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد.
إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ لَا يتداخل أَفعَال الْعمرَة عَن الْحَج عِنْده بل تقدم الْعمرَة ثمَّ يتبعهَا أَفعَال الْحَج، وَإِنَّمَا يَشْتَرِكَانِ عِنْده فِي الْإِحْرَام خَاصَّة والإفراد أَن يحرم بِالْحَجِّ، ثمَّ يفرغ مِنْهُ، ثمَّ يخرج إِلَى أدنى الْحل فَيحرم بِالْعُمْرَةِ.
وَاخْتلفُوا فِي فسخ الْعمرَة للقارن وَالْمُنْفَرد.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يجوز.
وَقَالَ أَحْمد: يجوز بِشَرْطَيْنِ، أَحدهمَا: أَن لَا يكون قد وَقفا بِعَرَفَة. وَالثَّانِي: أَن يكون قد ساقا الْهَدْي مَعَهُمَا مَعًا وَصفَة ذَلِك أَن يَكُونَا قد أحرما بالقران أَو الْإِفْرَاد فيفسخا نيتهما بِالْحَجِّ، ويقطعا أَفعاله ويجعلا أَفعاله للْعُمْرَة وينويانها فَإِذا فرغا من أَعمال الْعمرَة حلا، ثمَّ أحرما لِلْحَجِّ من مَكَّة ليكونا متمتعين.
وَاخْتلفُوا هَل الزَّاد وَالرَّاحِلَة من شَرط وجوب الْحَج؟
[ ١ / ٢٧٢ ]
فَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة وَأحمد: هِيَ من شُرُوطه، وَهِي الِاسْتِطَاعَة.
وَقَالَ مَالك: ليستا من شُرُوط وُجُوبه، وَإِذا كَانَ قَادِرًا على الْوُصُول إِلَى مَكَّة مَاشِيا أَو رَاكِبًا فَهِيَ الِاسْتِطَاعَة فَأَما الزَّاد فيكتسبه بصنعة إِن كَانَت لَهُ، أَبُو بِالسِّوَاكِ إِن كَانَ مِمَّن لَهُ عَادَة بِهِ.
وَاخْتلفُوا فِي المعضوب وَهُوَ ذُو الزمانة الَّذِي لَا يسْتَمْسك على الرَّاحِلَة إِذا قدر على مَال يحجّ لَهُ عَن نَفسه، هَل يلْزمه الْحَج أم لَا؟
فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: لَا يلْزمه.
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: يلْزمه أَن يَسْتَنِيب من يحجّ عَنهُ.
ثمَّ اخْتلفُوا فِيمَن بذله الْحَج هَل يلْزمه كالمستطيع؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد: لَا يلْزمه وَسَوَاء كَانَ المبذول لَهُ صَحِيحا أَو زَمنا أَو مُوسِرًا أَو مُعسرا.
وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن كَانَ المبذول لَهُ زَمنا مُعسرا والباذل واجدا للزاد وَالرَّاحِلَة وَقد حج عَن نَفسه وتوثق من الْبَاذِل على مَا بذل لَهُ وَهُوَ مِمَّن يجب عَلَيْهِ الْحَج مثل
[ ١ / ٢٧٣ ]
أَن يكون حرا عَاقِلا بَالغا لزم المبذول لَهُ فرض الْحَج وَعَلِيهِ أَن يَأْمر الْبَاذِل بأَدَاء الْحَج عَنهُ، فَإِن لم يَأْمر بِهِ وَمَات لَقِي اللَّهِ تَعَالَى وَعَلِيهِ حجَّة الْإِسْلَام، فَإِن كَانَ الْبَاذِل أَجْنَبِيّا فَلهم فِيهِ وَجْهَان وَكَذَا أَن بذل المَال لَهُم فِيهِ وَجْهَان.
وَاخْتلفُوا فِيمَن كَانَ الْبَحْر بَينه وَبَين طَرِيق مَكَّة وغالبه السَّلامَة.
فَقَالَ أَحْمد وَأَبُو حنيفَة وَمَالك: يجب عَلَيْهِ الْحَج.
وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ، أَحدهمَا: لَا يجب عَلَيْهِ.
وَالْآخر: كالجماعة.
وَاخْتلفُوا فِي الْأَعْمَى إِذا وجد قائدا أَو زادا وراحلة.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: يلْزمه فِي مَاله.
وَقَالَ الْبَاقُونَ: يلْزمه الْحَج بِنَفسِهِ.
وَاخْتلفُوا هَل يسْقط الْحَج بِالْمَوْتِ؟
[ ١ / ٢٧٤ ]
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: يسْقط وَلَا يلْزم الْوَرَثَة أَن يحجوا عَنهُ إِلَّا أَن يُوصي بذلك.
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: لَا يسْقط بِالْمَوْتِ وَيلْزمهُ الْحَج عَنهُ من صلب مَاله سَوَاء أوصى بِهِ أم لم يوص.
ثمَّ اخْتلفُوا من أَيْن يحجّ عَن الْمَيِّت؟
فَقَالَ أَحْمد: من دويرة أَهله.
وَقَالَ الشَّافِعِي: يُجزئ من الْمِيقَات.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا يحجّ عَنهُ إِلَّا أَن يُوصي بذلك كَمَا قدمنَا، فَإِن أوصى بِهِ فَمن أَيْن يحجّ عَنهُ؟
قَالَ مَالك: من حَيْثُ أوصى.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: من دويرة أَهله.
وَاخْتلفُوا فِيمَن لم يحجّ عَن نَفسه هَل يَصح أَن يحجّ عَن غَيره؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: يَصح وَيُجزئ عَن الْغَيْر على كَرَاهِيَة مِنْهُمَا لذَلِك.
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: لَا يَصح ثمَّ اخْتلفَا، فَقَالَ الشَّافِعِي: يَقع عَن نَفسه.
وَقَالَ أَحْمد رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهمَا: كمذهب الشَّافِعِي وَهِي الَّتِي اخْتَارَهَا الْخرقِيّ.
وَاخْتلفُوا فِي حج الصَّبِي.
[ ١ / ٢٧٥ ]
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: يَصح مِنْهُ وَلَا يجب عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يَصح مِنْهُ.
قَالَ الْمُؤلف: وَمعنى قَوْلهم يَصح مِنْهُ أَنه يكْتب لَهُ وَكَذَلِكَ أَعمال الْبر كلهَا، وَلَا يكْتب عَلَيْهِ فَهُوَ يكْتب لَهُ وَلَا يكْتب عَلَيْهِ، وَمعنى قَول أبي حنيفَة: لَا يَصح مِنْهُ على مَا ذكر بعض أَصْحَابه أَنه لَا يَصح صِحَة يتَعَلَّق بهَا وجوب الكفارت عَلَيْهِ إِذا فعل مَحْظُورَات الْإِحْرَام، زِيَادَة فِي الرِّفْق عَلَيْهِ لَا أنهه يُخرجهُ من ثَوَاب الْحَج.
وَاتَّفَقُوا على أَن الصَّبِي إِذا بلغ لم يقْض حجه ذَلِك عَنهُ وَوَجَب عَلَيْهِ الْحَج بِشُرُوطِهِ.
وَاخْتلفُوا هَل يجب الْحَج على الْفَوْر أم على التَّرَاخِي؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك فِي الْمَشْهُور عَنْهُمَا: هُوَ على الْفَوْر.
وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ على التَّرَاخِي.
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ أظهرهمَا: أَنه على الْفَوْر.
[ ١ / ٢٧٦ ]
وَاخْتلفُوا فِي أشهر الْحَج.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: شَوَّال، وَذُو الْقعدَة، وَعشر من ذِي الْحجَّة.
وَقَالَ مَالك: شَوَّال، وَذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة بِكَمَالِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِي: شَوَّال، وَذُو الْقعدَة، وَسَبْعَة أَيَّام من ذِي الْحجَّة وَلَيْلَة النَّحْر.
وَفَائِدَة الْخلاف بَينهم فِي ذَلِك تعلق الدَّم بِتَأْخِير طواف الْإِفَاضَة عَن أشهر الْحَج.
قَالَ الْمُؤلف: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْدِي لقَوْله ﷿: ﴿الْحَج أشهر مَعْلُومَات فَمن فرض فِيهِنَّ﴾ الْآيَة.
وَأشهر نكرَة فَلَا ينْصَرف إِلَّا إِلَى أشهر من شهور السّنة.
وَاخْتلفُوا فِي صِحَة إِحْرَامه بِهِ فِي غَيرهَا.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد: يَصح وَلَا يَنْقَلِب عمره.
إِلَّا أَن مَالِكًا كرهه مَعَ تجويزه لَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا ينْعَقد الْإِحْرَام بِالْحَجِّ فِي غير أشهره فَإِن عِنْده انْقَلب عمره.
وَقد رُوِيَ عَن أَحْمد مثله، وَاخْتَارَهُ ابْن حَامِد.
[ ١ / ٢٧٧ ]
وَاخْتلفُوا فِي وجوب التَّلْبِيَة.
فأوجبها أَبُو حنيفَة وَمَالك. إِلَّا أَن أَبَا حنيفَة قَالَ: هِيَ وَاجِبَة فِي ابْتِدَاء الْإِحْرَام، فَإِن لم يلب وقلد الْهَدْي وَسَاقه وَنوى الْإِحْرَام صَار محرما.
وَقَالَ مَالك: هِيَ وَاجِبَة وَيجب بِتَرْكِهَا دم.
وَقَالَ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ: هِيَ سنة.
والتلبية، أَن يَقُول: " لبيْك اللَّهِم لبيْك، لبيْك لَا شريك لَك لبيْك، إِن الْحَمد لَك وَالنعْمَة لَك وَالْملك، لَا شريك لَك ".
فَهَذِهِ تَلْبِيَة النَّبِي - ﷺ َ - لَا يَنْبَغِي أَن يحل شَيْئا مِنْهَا فَإِن زَاد عَلَيْهَا شَيْئا جَازَ عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَاسْتحبَّ عِنْد أبي حنيفَة وَكره عِنْد أَحْمد.