وَأَجْمعُوا على أَن الزَّكَاة أحد أَرْكَان الْإِسْلَام، وَفرض من فروضه، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وءاتوا الزَّكَاة﴾، وَقَالَ ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا اللَّهِ مُخلصين لَهُ الدّين حنفَاء ويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة﴾ .
قَالَ العتيبي: أصل الزَّكَاة النَّمَاء، وَالزِّيَادَة، وَسميت بذلك لِأَنَّهَا تثمر المَال وتنمية، يُقَال: زَكَاة الزَّرْع إِذا كثر ريعه، وزكت النَّفَقَة إِذا بورك فِيهَا وَمِنْه: ﴿أقتلت نفسا زكيه﴾ أَي نامية.
وَأَجْمعُوا على وجوب الزَّكَاة فِي أَرْبَعَة أَصْنَاف: فِي الْمَوَاشِي، وجنس الْأَثْمَان، وعروض التِّجَارَة، والمكيل المدخر من الثِّمَار والزروع بِصِفَات مَخْصُوصَة.
[ ١ / ١٩١ ]
فنبدأ بِذكر مَا فِيهِ زَكَاة من كل صنف، ثمَّ بِمَا اخْتلف فِيهِ، ثمَّ بِمَا لَا زَكَاة فِيهِ.
فَأَما الْمَوَاشِي: فَأَجْمعُوا على وجوب الزَّكَاة فِي الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم وَهِي بَهِيمَة الْأَنْعَام بِشَرْط أَن تكون سَائِمَة.
وَأَجْمعُوا على أَن الزَّكَاة فِي كل جنس من هَذِه الْأَجْنَاس الثَّلَاثَة تجب بِكَمَال النّصاب واستقرار الْملك وَكَمَال الْحول، وَكَون الْمَالِك حرا مُسلما.
وَاخْتلفُوا هَل يشْتَرط الْبلُوغ وَالْعقل؟
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يشْتَرط الْبلُوغ وَلَا الْعقل بل الزَّكَاة وَاجِبَة فِي مَال الصَّبِي وَالْمَجْنُون.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يشْتَرط ذَلِك وَلَا يجب عِنْده زَكَاة فِي مَال صبي وَلَا مَجْنُون.
وَاتَّفَقُوا على أَن الزَّكَاة لَا تجب فِي شَيْء من ذَلِك كُله مَعَ وجود هَذِه الشَّرَائِط إِلَّا أَن يكون السّوم صفة لَهَا. إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ أوجب الزَّكَاة فِي العوامل من الْإِبِل وَالْبَقر، والمعلوفة من الْغنم، لإيجابة ذَلِك فِي السَّائِمَة مِنْهَا والعوامل.
وَأَجْمعُوا على أَن النّصاب الأول فِي الْإِبِل خمس، وَأَن فِي خمس مِنْهَا
[ ١ / ١٩٢ ]
شَاة، وَفِي عشر شَاتَان، وَخَمْسَة عشر ثَلَاثَة شِيَاه، وَفِي الْعشْرين أَربع شِيَاه إِلَى الْخمس وَالْعِشْرين فَفِيهَا بنت مَخَاض وَهِي بنت سنة كَامِلَة إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ، فَإِذا بلغت سِتا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بنت لبون إِلَى خَمْسَة وَأَرْبَعين، فَإِذا بلغت سِتا وَأَرْبَعين فَفِيهَا حقة إِلَى سِتِّينَ، فَإِذا بلغت إِحْدَى وَسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَة إِلَى خمس وَسبعين، فَإِذا بلغت سِتا وَسبعين فَفِيهَا بِنْتا لبون إِلَى تسعين، فَفِيهَا حقتان إِلَى عشْرين وَمِائَة، فَإِذا زَادَت على الْعشْرين وَمِائَة وَاحِدَة فَإِن الْفُقَهَاء اخْتلفُوا.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: تسْتَأْنف الْفَرِيضَة بعد الْعشْرين وَمِائَة فَفِي كل خمس شَاة مَعَ الحقتين، إِلَى مائَة وَخَمْسَة وَأَرْبَعين فَيكون الْوَاجِب فِيهَا حقتين وَبنت مَخَاض.
ثمَّ قَالَ: فَإِذا بلغت مائَة وَخمسين فَفِيهَا ثَلَاث حقات وتستأنف الْفَرِيضَة بعد ذَلِك، فَيكون فِي كل خمس شَاة مَعَ ثَلَاث حقات، وَفِي الْعشْر شَاتَان، وَفِي الْخَمْسَة عشر ثَلَاث شِيَاه، وَفِي الْعشْرين أَربع شِيَاه وَفِي خمس وَعشْرين بنت مَخَاض، وَفِي سِتّ وَثَلَاثِينَ بنت لبون، فَإِذا بلغت مائَة وَسِتَّة وَتِسْعين فَفِيهَا أَربع حقاق إِلَى مِائَتَيْنِ، ثمَّ تسْتَأْنف الْفَرِيضَة أبدا كَمَا استؤنف فِي الْخمسين الَّتِي بعد الْمِائَة وَالْخمسين.
[ ١ / ١٩٣ ]
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي اظهر رِوَايَته: أَن زِيَادَة الْوَاحِدَة تغير الْفَرِيضَة، فَيكون فِي مائَة وَإِحْدَى وَعشْرين ثَلَاث بَنَات لبون، وتستقر الْفَرِيضَة عِنْد مائَة وَعشْرين فَيكون فِي كل خمسين حَقه، وَفِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون وعَلى هَذَا أبدا قلت: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح.
وَعند أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى أَنه لَا يتَغَيَّر الْفَرْض إِلَّا بِزِيَادَة عشر، فَلَا شَيْء فِي زيادتها حَتَّى تبلغ ثَلَاثِينَ وَمِائَة فَيكون الحقتان فِي إِحْدَى وَتِسْعين إِلَى مائَة وَسَبْعَة وَعشْرين فَإِذا صَارَت مائَة وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا حقة وبنتا لبون، وَهِي اخْتِيَار عبد الْعَزِيز من أَصْحَابه وَبهَا يَقُول أَبُو عبيد الْقَاسِم ابْن سَلام، وَمُحَمّد بن إِسْحَاق، وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ كالروايتين عِنْد أَحْمد سَوَاء إِلَّا أَن أظهرهمَا عِنْد أَصْحَابه.
مَا رَوَاهُ ابْن الْقَاسِم، وَابْن الحكم وَغَيرهمَا: أَنَّهَا إِن زَادَت عَن عشْرين وَمِائَة فالساعي بِالْخِيَارِ بَين أَن يَأْخُذ ثَلَاث بَنَات لبون، أَو حقتين، وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى رَوَاهَا عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز عَنهُ أَنه: لَا يتَغَيَّر الْفَرْض إِلَّا بِزِيَادَة عشر حَتَّى تصير
[ ١ / ١٩٤ ]
ثَلَاثِينَ وَمِائَة، فَإِذا صَارَت كَذَلِك أَخذ من كل خمسين حقة وَمن كل أَرْبَعِينَ بنت لبون.
قَالَ أَصْحَابه: وَهَذَا هُوَ الْأَصَح قِيَاسا.
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا كَانَ عِنْده خمس من الْإِبِل فَأخْرج مِنْهَا وَاحِدَة؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: تُجزئه.
وَقَالَ مَالك وَأحمد: لَا تُجزئه وَالْوَاجِب شَاة.
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا بلغت الْإِبِل خمْسا وَعشْرين وَلم يكن فِي مَاله بنت مَخَاض، وَلَا ابْن لبون؟
فَقَالَ مَالك وَأحمد: يلْزمه شِرَاء بنت مَخَاض، وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ مُخَيّر بَين شِرَائهَا وَشِرَاء ابْن لبون.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تُجزئه بنت مَخَاض أَو قيمتهَا.
وَأَجْمعُوا على أَنه البخت والعراب والذكور وَالْإِنَاث فِي ذَلِك سَوَاء.
وَأَجْمعُوا على أَنه يُؤْخَذ من الصغار صَغِيرَة، وَمن المراض مَرِيضَة، وَأَن الْحَامِل إِذا أخرجهَا مَكَان الْحَائِل لَا تُجزئ عَن الْحَامِل.
[ ١ / ١٩٥ ]
وَقَالَ الشَّافِعِي: إِنَّمَا يُؤْخَذ من الصغار صَغِيرَة فِي الْغنم خَاصَّة، ولأصحابه فِي العجول والفصلان وَجْهَان.
وَاتَّفَقُوا على أَن النّصاب الأول فِي الْبَقر ثَلَاثُونَ وَأَنه إِذا بلغتهَا فَفِيهَا تبيع أَو تبيعة، فَإِذا بلغت أَرْبَعِينَ فَفِيهَا مُسِنَّة.
ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: ثمَّ لَا شَيْء فِيهَا سوى مُسِنَّة إِلَى تسع وَخمسين، فَإِذا بلغت سِتِّينَ فَفِيهَا تبيعان إِلَى تسع وَسِتِّينَ، فَإِذا بلغت سبعين فَفِيهَا تبيع ومسنة، فَإِذا بلغت ثَمَانِينَ فَفِيهَا مسنتان، وَفِي تسعين ثَلَاثَة أتبعة، وَفِي مائَة تبيعان ومسنة، وعَلى هَذَا ابدا يتَغَيَّر الْفَرْض فِي كل عشرَة من تبيع إِلَى مُسِنَّة.
وَاخْتلف عَن أبي حنيفَة فَروِيَ عَنهُ كمذهب الْجَمَاعَة الْمَذْكُورَة، وصاحباه أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد على هَذِه الرِّوَايَة وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى لَا شَيْء فِيمَا زَاد على الْأَرْبَعين سوى مُسِنَّة إِلَى أَن تبلغ خمسين، فَيكون فِيهَا مُسِنَّة وَربع وَعنهُ رِوَايَة ثَالِثَة وَهِي الَّتِي عَلَيْهَا أَصْحَابه الْيَوْم أَنه يجب فِي الزِّيَادَة على الْأَرْبَعين بِحِسَاب ذَلِك إِلَى السِّتين فَيكون فِي الْوَاحِدَة ربع عشر مُسِنَّة، وَفِي الِاثْنَيْنِ نصف عشر مُسِنَّة، وَفِي الثَّلَاثَة ثَلَاثَة أَربَاع عشر مُسِنَّة.
وَاتَّفَقُوا على أَن الجاموس وَالْبَقر فِي ذَلِك سَوَاء.
وَاتَّفَقُوا على أَن من ملك نِصَابا من الْبَقر الْوَحْش سَائِمَة أَنه لَا زَكَاة فِيهَا.
[ ١ / ١٩٦ ]
إِلَّا أَحْمد فَإِنَّهُ أوجب فِيهَا الزَّكَاة فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ.
وَاخْتلفُوا فِي الوقص وَهُوَ مَا بَين الفريضتين هَل الزَّكَاة وَاجِبَة فِيهِ، وَفِي النّصاب أم فِي النّصاب دون الوقص؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: الزَّكَاة فِي النّصاب دون الوقص.
وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ، أَحدهمَا: تجب فِي النّصاب والوقص، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: تجب فِي النّصاب دون الوقص.
قَالَ عبد الْوَهَّاب: وَهُوَ الظَّاهِر من الْمَذْهَب.
وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ كالروايتين إِلَّا أَن أظهرهمَا وجوب الزَّكَاة فِي النّصاب دون الوقص.
وَاتَّفَقُوا على أَن الْخَيل إِذا كَانَت معدة للتِّجَارَة فَفِي قيمتهَا الزَّكَاة إِذا بلغت نِصَابا.
وَاخْتلفُوا فِي زَكَاة الْخَيل إِذا لم تكن للتِّجَارَة.
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا زَكَاة فِيهَا بِحَال إِذا لم تكن للتِّجَارَة.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا كَانَت سَائِمَة الْخَيل ذُكُورا وإناثا فَفِيهَا الزَّكَاة، وَإِذا كَانَت
[ ١ / ١٩٧ ]
ذُكُورا مُنْفَرِدَة فَلَا زَكَاة فِيهَا.
وَصَاحب الْجِنْس الْوَاجِب فِيهِ مِنْهَا الزَّكَاة بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أعْطى عَن كل فرس دِينَار، وَإِن شَاءَ قَومهَا فَأعْطى عَن كل مِائَتي دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم، وَيعْتَبر فِيهَا الْحول والنصاب بِالْقيمَةِ من أول الْحول إِذا كَانَ يُؤَدِّي الدَّرَاهِم عَن الْقيمَة وَإِن كَانَ يُؤَدِّي بِالْعدَدِ من غير تَقْوِيم أدّى عَن كل رَأس دِينَارا، إِذا تمّ حوله وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى أَن الْخِيَار فِي ذَلِك السَّاعِي.
وَاتَّفَقُوا على أَن البغال وَالْحمير إِذا كَانَت معدة للتِّجَارَة فَإِن فِيهَا الزَّكَاة وَأَن حكمهَا حكم التِّجَارَات فِي اعْتِبَار الْحول والنصاب بالتقويم.
وَاتَّفَقُوا على أَنَّهَا إِذا لم تكن للتِّجَارَة فَلَا زَكَاة فِيهَا.