[ ١ / ٢٣ ]
وَلَا يفك الْأَمر الثَّابِت بِكِتَاب أَو سنة ثَابِتَة إو إِجْمَاع الْمُسلمين بِخَبَر الْوَاحِد، ويرجح الْخَبَر على الْمخبر بِفضل رَاوِيه وموافقة مَتنه لِلْقُرْآنِ، وَإِجْمَاع الْمُسلمين من الْمُجْتَهدين حجَّة فِي الشَّرْع.
وَقَول الصَّحَابَة مُتَقَدم على الْقيَاس وَالْقِيَاس مُتَقَدم على حمل الْفَرْع على أصل فِي بعض أَحْكَامه بِمَعْنى يجمع بَينهمَا ويحتج بِهِ من جَمِيع الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، وَقد سَمَّاهُ الْفُقَهَاء قِيَاس عِلّة وَقِيَاس دلَالَة وَقِيَاس شبه.
ويشتمل الْقيَاس على أَرْبَعَة أَشْيَاء: على الأَصْل وَالْعلَّة وَالْفرع وَالْحكم، وَالِاسْتِحْسَان عِنْد أبي حنيفَة أصل. والتقليد قبُول قَول النَّبِي من غير دَلِيل وَذَلِكَ () الْمعَانِي وَلَا يجوز فِي أصُول الدّين وَلَا فِيمَا نقل نقلا عَاما لفرض الصَّلَاة.
والعالم لَا يسوغ لَهُ التَّقْلِيد، وَقد حكى عَن أَحْمد أَنه يسوغ لَهُ ذَلِك، وَالْمَعْرُوف من مذْهبه أَنه لَا يسيغ لمجتهد أَن يُقَلّد.
وَمن عرف طرق الْأَحْكَام من الْكتاب وَالسّنة وموارد الْكَلَام ومصادره ومجازه وَحَقِيقَته وعامه وخاصة وناسخة ومنسوخة ومطلقه ومقيده ومفصله ومجمله وَدَلِيله، وَعرف من أصُول الْعَرَبيَّة مَا يُوضح لَهُ الْمعَانِي وَإِجْمَاع السّلف وخلافهم، وَعرف
[ ١ / ٢٤ ]
الْقيَاس، وَمَا يجوز تَعْلِيله من الْأُصُول مِمَّا لَا يجوز، وَمَا يُعلل بِهِ وَمَا لَا.
وترتيب الْأَدِلَّة وَتَقْدِيم أولاها، ووجوه التَّرْجِيح ثِقَة مَأْمُونا قد عرف بِالِاحْتِيَاطِ للدّين، أفتى من استفتاه مفصحا عدل، ويختار المستفتين لدينِهِ من الْمُفْتِينَ، وَيقدم فتيا المحتاط لدينِهِ.
وَالْحق فِي أصُول الدّين فِي جِهَة وَاحِدَة، فَأَما الْفُرُوع فَإِنَّهَا كَذَلِك، إِلَّا أَن الْحَرج مَوْضُوع عَن الْمُجْتَهد المستخلص بل لَهُ أجر وَاحِد فِي الْخَطَأ، وَله فِي الْإِصَابَة أَجْرَانِ. وَالْقَوْلَان من الْفَقِيه فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة إِشْعَار مِنْهُ لدين مَنعه أَن يحتم حَتَّى يعلم، فَيكون لمن بعده الِاجْتِهَاد فِيهَا، فَأَما إِذا تقدم تَارِيخ أحد الْقَوْلَيْنِ فَالْعَمَل على الْأَخير. فَهَذِهِ أصُول الْفِقْه على طَرِيقه الِاخْتِصَار نشِير إِلَى مَا تفرع مِنْهَا.
وَلما انْتهى تدوين الْفِقْه إِلَى الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وكل مِنْهُم عدل رَضِي اللَّهِ
[ ١ / ٢٥ ]
عَنْهُم، ورضى عدالتهم الْأَئِمَّة، وَأخذُوا عَنْهُم لأخذهم عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاء وأستقر ذَلِك، وَإِن كلا مِنْهُم مقتدى بِهِ، وَلكُل وَاحِد مِنْهُم لَهُ من الْأمة أَتبَاع من شَاءَ مِنْهُم فِيمَا ذكره وهم: أَبُو حنيفَة، وَمَالك، وَالشَّافِعِيّ، وَأحمد ﵃.
رَأَيْت أَن أجعَل مَا أذكرهُ من إِجْمَاع مُشِيرا بِهِ إِلَى إِجْمَاع هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة، وَمَا أذكرهُ من خلاف مُشِيرا بِهِ إِلَى الْخلاف بَينهم، فَمن ذَلِك.
[ ١ / ٢٦ ]
بِسم اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم