فَقَالَ أَحْمد: حكمهم بَاقٍ لم ينْسَخ، وَمَتى وجد الإِمَام قوما من الْمُشْركين يخَاف الضَّرَر بهم وَيعلم بِإِسْلَامِهِمْ مصلحَة جَازَ أَن يتألفهم بِمَال الزَّكَاة، وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى أَن حكمهم مَنْسُوخ وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة، وَقَالَ الشَّافِعِي: هم ضَرْبَان: كفار ومسلمون، فمؤلفة الْكفَّار ضَرْبَان: ضرب يُرْجَى خَيره، وَضرب يكف شَره، وَكَانَ النَّبِي - ﷺ َ - يعطيهم، فَهَل يُعْطون بعده؟، على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا: يُعْطون، وَالْآخر: لَا يُعْطون.
ومؤلفة الْإِسْلَام على أَرْبَعَة أضْرب: قوم مُسلمُونَ سَرفًا يُعْطون ليرغب نظرائهم فِي الْإِسْلَام، وَآخَرُونَ نيتهم ضَعِيفَة فِي الْإِسْلَام يُعْطون لتقوى نياتهم فَكَانَ - ﷺ َ - يعطيهم، فَهَل يُعْطون بعده؟ فِيهِ قَولَانِ، أَحدهمَا: لَا يُعْطون، والأخر: يُعْطون.
وَمن أَيْن يُعْطون؟ فِيهِ قَولَانِ، أَحدهمَا: من الزَّكَاة، وَالثَّانِي: من خمس الْخمس.
وَالضَّرْب الثَّالِث: قوم مُسلمُونَ يليهم قوم من الْكفَّار، وَإِن أعْطوا قاتلوهم، وَقوم يليهم قوم من أهل الصَّدقَات إِن أعْطوا جبوا الصَّدقَات فَعنده فيهم أَرْبَعَة أَقْوَال، أَحدهَا: أَنهم يعطو من سهم الْمصَالح، وَالثَّانِي: من سهم الْمُؤَلّفَة من الزَّكَاة، وَالثَّالِث: من سهم الْغُزَاة، وَالرَّابِع: من سهم الْمُؤَلّفَة.
[ ١ / ٢١٦ ]
وَقَالَ مَالك: لم يبْق للمؤلفة سهم لغنى الْمُسلمين عَنْهُم، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَنهُ، وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى أَنهم إِن احْتَاجَ إِلَيْهِم بلد من الْبلدَانِ، أَو ثغر من الثغور أسلف الإِمَام لوُجُود الْعلَّة.
وَاخْتلفُوا فِيمَا يَأْخُذهُ الْعَامِل على الصَّدقَات، مِنْهَا، هَل هُوَ من الزَّكَاة أَو عَن عمله؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: هُوَ عَن عمله، وَلَيْسَ من الزَّكَاة.
وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ من الزَّكَاة.
وَفَائِدَة هَذِه الْمَسْأَلَة أَن أَحْمد يجوز أَن يكون عَامل الصَّدقَات من ذَوي الْقُرْبَى وَأَن يكون عبدا، رِوَايَة وَاحِدَة عَنهُ، وَفِي الْكَافِر عَنهُ رِوَايَتَانِ.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يجوز.
قَالَ الْمُؤلف: وَهُوَ الْوَزير، قلت: قَالَ الْمُؤلف: وَلَا أرى أَن مَذْهَب أَحْمد فِي إجَازَة أَن يكون الْكَافِر فِي عمل الزَّكَاة على أَنه يكون عَاملا عَلَيْهَا وَإِنَّمَا أرى أَن إِجَازَته ذَلِك إِنَّمَا هُوَ على أَن يكون سواقا لَهَا أَو نَحْو ذَلِك من المهن الَّتِي يلابسها ملل.
وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز دفع الزَّكَاة إِلَى المكاتبين.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: يجوز لأَنهم من سهم الرّقاب.
[ ١ / ٢١٧ ]
وَقَالَ مَالك: لَا يجوز لِأَن الرّقاب عِنْده هم العبيد الْقِنّ.
وَعَن احْمَد رِوَايَتَانِ، أظهرهمَا: الْجَوَاز.
وَاخْتلفُوا هَل يجوز أَن يبْتَاع من الزَّكَاة رَقَبَة كَامِلَة فيعتقها؟، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَا يجوز.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَفِي الرّقاب﴾ عِنْدهمَا مَحْمُول على أَنه يعان المكاتبون فِي فك رقابهم.
وَقَالَ مَالك: يجوز. وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ أظهرهمَا: الْجَوَاز.
وَاخْتلفُوا فِي الْحَج: هَل يجوز صرف الزَّكَاة فِيهِ؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يجوز.
لِأَن السَّبِيل عِنْدهم مَحْمُول على الْغُزَاة لَا غير، على اخْتِلَاف بَينهم فِي صفاتهم سَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ اللَّهِ.
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، أظهرهمَا: جَوَاز ذَلِك، وَأَن الْحَج من سَبِيل اللَّهِ، وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ الَّتِي اخْتَارَهَا الْخرقِيّ، وَأَبُو بكر عبد الْعَزِيز وَأَبُو حَفْص الْبَرْمَكِي من أَصْحَابه.
وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى الْمَنْع كالجماعة.
وَاخْتلفُوا فِي سهم الْغُزَاة الْمَذْكُور آنِفا.
وَهُوَ قَوْله ﷿: ﴿وَفِي سَبِيل اللَّهِ﴾ هَل يخْتَص بِهِ جنس من الْغُزَاة أَو
[ ١ / ٢١٨ ]
هُوَ على إِطْلَاقه؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: هُوَ مَخْصُوص بالفقير مِنْهُم وَمن انْقَطع بِهِ دون ذَوي الْغنى.
وَقَالَ مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ: يَأْخُذ الْغَنِيّ كَمَا يَأْخُذ الْفَقِير مِنْهُم، وَاخْتلفُوا فِي سهم الغارمين هَل يدْفع إِلَى الْوَاحِد مِنْهُم وَإِن كَانَ غَنِيا؟
فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَأحمد: لَا يدْفع إِلَيْهِ إِلَّا مَعَ الْفقر.
وَعَن الشَّافِعِي اخْتِلَاف وَهُوَ أَن الْعَزْم عِنْده على ضَرْبَيْنِ: ضرب غرم لقطع ثائرته وتسكين فتنته، فَإِنَّهُ يعْطى مَعَ الْغنى على ظَاهر مذْهبه.
وَضرب غرم فِي مصلحَة نَفسه فِي غير مَعْصِيّة فَهَل يعْطى مَعَ الْغنى؟ فِيهِ قَولَانِ، أَحدهمَا: لَا يعْطى ذكره، فِي الْأُم وَالْآخر يعْطى، ذكره فِي الْقَدِيم.
وَاخْتلفُوا فِي صفة ابْن السَّبِيل بعد اتِّفَاقهم على سَهْمه.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: هُوَ المجتاز، والمنشئ الَّذِي يُرِيد السّفر فِي جَوَاز الْأَخْذ كالمجتاز.
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ كالمذهبين، أظهرهمَا: أَنه المجتاز.
[ ١ / ٢١٩ ]
قَالَ الْمُؤلف: الصَّحِيح عِنْدِي أَنه المجتاز.
وَاخْتلفُوا هَل يجوز أَن يُعْطي زَكَاته مِسْكينا وَاحِدًا؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: يجوز إِذا لم يُخرجهُ إِلَى الْغنى.
وَقَالَ مَالك: يجوز أَن يُعْطِيهِ وَإِن أخرجه إِلَى الْغنى إِذا آمل إعفافه بذلك. إِلَّا أَن أَبَا حنيفَة قَالَ: إِن أعطَاهُ مَا يُخرجهُ إِلَى الْغنى ملكه الْمُعْطى، وَسقط عَن الْمُعْطِي مَعَ الْكَرَاهَة.
وَقَالَ الشَّافِعِي: أقل مَا يُعْطي ثَلَاثَة من كل صنف.
وَاخْتلفُوا فِي نقل الزَّكَاة من بلد إِلَى بلد على الْإِطْلَاق.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: يكره إِلَّا أَن ينقلها إِلَى قريب لَهُ مُحْتَاج أَو قوم هم أمس حَاجَة من أهل بَلَده فَلَا كَرَاهَة.
وَقَالَ مَالك: لَا يجوز على الْإِطْلَاق إِلَّا أَن يَقع بِأَهْل بلد حَاجَة فينقلها الإِمَام إِلَيْهِم على سَبِيل النّظر وَالِاجْتِهَاد.
وَقَالَ الشَّافِعِي: يكره نقلهَا، فَإِن نقلهَا فَفِي الْأَجْزَاء قَولَانِ.
وَقَالَ أَحْمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ: لَا يجوز نقلهَا إِلَى بلد آخر تقصر فِيهِ الصَّلَاة إِلَى قرَابَته أَو غَيرهم، مَا دَامَ يجد فِي بَلَده من يجوز دَفعهَا إِلَيْهِم.
وَأَجْمعُوا على أَنه إِذا اسْتغنى أهل بلد عَنْهَا جَازَ نقلهَا إِلَى من هم أَهلهَا.
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يجوز دفع الزَّكَاة لأهل الذِّمَّة. ثمَّ اخْتلفُوا فِي دفع زَكَاة الْفطر وَالْكَفَّارَات إِلَيْهِم فَمنع مِنْهُ أَيْضا مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَأَجَازَهُ أَبُو حنيفَة فِي الظَّاهِر من مذْهبه.
[ ١ / ٢٢٠ ]
وَاخْتلفُوا فِي صفة الْغنى الَّذِي لَا يجوز دفع الزَّكَاة إِلَيْهِ.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: هُوَ الَّذِي يملك نِصَابا من أَي مَال كَانَ وَمن يملك دون ذَلِك فَلَيْسَ بغنى، وَقَالَ مَالك: يجوز دَفعهَا إِلَى من يملك أَرْبَعِينَ درهما، وَقَالَ أَصْحَابه: يجوز دَفعهَا إِلَى من يملك خمسين درهما.
وَقَالَ الشَّافِعِي: الِاعْتِبَار بالكفاية فَلهُ أَن يَأْخُذ مَعَ عدمهَا وَإِن كَانَ لَهُ خَمْسُونَ درهما وَأكْثر. وَإِن كَانَت لَهُ كِفَايَة فَلَا يجوز الْأَخْذ وَلَو لم يملك هَذَا الْمِقْدَار.
وَاخْتلف عَن احْمَد فروى عَنهُ أَكثر أَصْحَابه أَنه مَتى ملك خمسين درهما أَو قيمتهَا ذَهَبا وَإِن لم يكفه لم يجز لَهُ الْأَخْذ من الصَّدَقَة.
وَهِي اخْتِيَار الْخرقِيّ، وروى عَنهُ هُنَا أَن الْغنى الْمَانِع من أَخذ الزَّكَاة أَن تكون لَهُ كِفَايَة على الدَّوَام بِتِجَارَة أَو صناعَة أَو أُجْرَة عقار أَو غَيره.
وَإِن ملك خمسين درهما أَو قيمتهَا وَهِي لَا تقوم بكفايته جَازَ لَهُ الْأَخْذ.
وَاخْتلفُوا فِيمَن يقدر على الْكِفَايَة بِالْكَسْبِ لصِحَّته هَل يجوز لَهُ الْأَخْذ من. الصَّدَقَة؟ .
[ ١ / ٢٢١ ]
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: يجوز لَهُ أَخذ الصَّدَقَة، وَإِن كَانَ قَوِيا مكتسبا.
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: لَا يجوز.
وَاخْتلفُوا فِيمَن دفع زَكَاته إِلَى غَنِي وَهُوَ لَا يعلم ثمَّ علم.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: يُجزئهُ.
وَقَالَ مَالك: لَا يُجزئهُ.
وَعَن الشَّافِعِي وَأحمد: كالمذهبين.
وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز دفع الزَّكَاة إِلَى من يَرِثهُ من أَقَاربه كالإخوة والعمومة وَأَوْلَادهمْ.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: يجوز.
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ أظهرهمَا: لَا يجوز.
وَالْأُخْرَى كالجماعة.
وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز دفع الزَّكَاة إِلَى الزَّوْج من زَوجته.
[ ١ / ٢٢٢ ]
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز.
وَقَالَ مَالك: إِن كَانَ يَسْتَعِين بِمَا يَأْخُذهُ مِنْهَا على نَفَقَتهَا فَلَا يجوز.
وَإِن كَانَ يصرفهُ فِي غير نَفَقَتهَا لأَوْلَاد فُقَرَاء من غَيرهَا أَو نَحْو ذَلِك جَازَ.
وَقَالَ الشَّافِعِي: يجوز، وَعَن احْمَد، رِوَايَتَانِ كالمذهبين إِلَّا أَن أظهرهمَا الْمَنْع.
وَهِي الَّتِي أختارها الْخرقِيّ وَأَبُو بكر.
وَاتَّفَقُوا على أَن الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة حرَام على بني هَاشم.
وهم خمس بطُون: آل عَبَّاس، وَآل عَليّ، وَآل جَعْفَر، وَولد الْحَارِث بن عبد الْمطلب، (وَآل عقيل) .
وَاخْتلفُوا فِي بني الْمطلب هَل تحرم عَلَيْهِم؟
[ ١ / ٢٢٣ ]
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تحرم عَلَيْهِم.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: تحرم.
وَعَن احْمَد رِوَايَتَانِ أظهرهمَا أَنَّهَا تحرم عَلَيْهِم.
وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز دَفعهَا إِلَى موَالِي بني هَاشم.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: لَا يجوز، ولأصحاب الشَّافِعِي وَجْهَان.
وَالصَّحِيح من مَذْهَب مَالك أَنه لَا يجوز إِخْرَاج الزَّكَاة إِلَى موَالِي بني هَاشم، وَأَنَّهُمْ كساداتهم فِي الْمَنْع من ذَلِك.
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يجوز إِخْرَاج الزَّكَاة إِلَى كَافِر.
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يجوز إِخْرَاج الزَّكَاة إِلَى الْوَالِدين والمولودين وَإِن علوا أَو سفلوا.
إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ: فِي الْجد وَالْجدّة وَمن ورائهما، يجوز دَفعهَا إِلَيْهِم، وَكَذَلِكَ إِلَى الْبَنِينَ لسُقُوط نَفَقَتهم عِنْده.
[ ١ / ٢٢٤ ]
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يجوز للرجل أَن يخرج زَكَاته إِلَى زَوجته.
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يجوز إِخْرَاج الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة إِلَى مكَاتبه وَلَا عَبده.
وَاخْتلفُوا فِي عبد الْغَيْر.
فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يجوز دفع الزَّكَاة إِلَيْهِ على الْإِطْلَاق.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يَدْفَعهَا إِلَى عبد الْغَيْر إِذا كَانَ مَالِكه غَنِيا، فَإِن كَانَ مَالِكه فَقِيرا جَازَ دَفعهَا إِلَيْهِ.
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يجوز أَن يخرج زَكَاته إِلَى بِنَاء مَسْجِد وَلَا تكفين ميت وَإِن كَانَا من الْقرب لتعيين الزَّكَاة لما عينت لَهُ.
[ ١ / ٢٢٥ ]