اختلفوا في حكم الكفالة بالنفس وهل يلزم بها المتكفل للمتكفل له بشيء؟.
فقال مالك وسئل عن الذي يتحمل بعين الرجل الذي عليه الحق فقال إن تحمل بعينه مبهمة فلم يأت به رأيت عليه ما كان عليه من الحق إلا أن يقول حين تحمل به إنما أتحمل بعينه آتيك به لست من الذي عليه في شيء فذلك له.
وقال الأوزاعي في الرجل يتكفل بوجه الرجل إلى أجل قال: إن
[ ٢٠٨ ]
جاء به وإلا ضمن ما عليه قيل له فهل يضرب له أجل قال ينفس بقدر ما يرى أنه يجده فإن هو جاء به وإلا ضمن حدثت بذلك عن عمر بن عبد الواحد عنه و"حدثني ابن البرقي قال حدثنا عمرو بن أبي سلمة التنيسي" قال سألت الأوزاعي عن رجل اجتعل بوجه رجل ثم هرب المجتعل به قال يؤجل حتى يجئ به قلت فإنه ادعى أنه بمصر قال مصر بعيد قلت الشام قال نعم قلت فإن الإمام أجله فلم يأت به فضمنه الإمام الحق ثم جاء المجتعل به بعد فقال هذا جعيلك قال ليس ذلك له إذا ضمنه الإمام ولكن يكون له الحق١ بأخذه منه.
وقال الثوري في رجل كفل لرجل برجل فهرب قال يحبس "حدثنا بذلك علي قال حدثنا زيد عنه".
وقال أبو يوسف سألت أبا حنيفة عن الرجل يكفل بنفس الرجل هل يحبس به حتى يجيء به قال نعم٢ إذا لم يأت به حبس ولا يكون ذلك في أول ما يتقدم به الجوزجاني عن محمد عن أبي يوسف.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا كان المكفول له به غائبا في بلاد أخرى قد علم القاضي أو قامت به بينة أجل الكفيل أجلا مقدار الذهاب والجيئة فإن جاء به وإلا حبسه.
وقالوا إذا كفل٣ رجل بنفس رجل فمات الكفيل والمكفول به حي فإنه لا سبيل للمكفول له على ورثة الكفيل ولا في شيء من تركته من قبل أنه لم يكفل بالمال
_________________
(١) ١ ن: يأخذه. ٢ ن: إذا إذا لم. ٣ ن: نفس.
[ ٢٠٩ ]
قال وإذا كفل الرجل بنفس الرجل ثم أقر الطالب أنه لا حق له قبل المكفول به وأراد أخذ الكفيل به فإن له أخذه به وقالوا ألا ترى أنه يكون وصيا لميت له عليه حق أو وكيل رجل في خصومة له قبل ذلك الرجل حق فيأخذ الكفيل بذلك وقالوا إذا كفل رجل بنفس رجل ثم إن الطالب لقي المكفول له فخاصمه ولزمه وأخذ منه كفلاء أخر أو لم يأخذ منه فإن أبا حنيفة قال لا يبرأ الكفيل الأول من قبل أنه لم يدفعه ولم يبرأ منه ولم يبرئه الطالب الجوزجاني عن محمد.
وقال الشافعي:١ الكفالة بالوجه ضعيف "حدثنا بذلك عنه الربيع"
وقال أبو ثور أما الكفالة بالنفس فليس لها في الكتاب ولا في السنة ولا في إجماع الناس أصل يرجع إليه وليست تشبه الضمانات فترد قياسا عليها وذلك أن كل من ضمن شيئا أو كفل به فلا يبرأ منه إلا بأدائه أو يبرئه الذي له الحق فلما كانت٢ الكفالة يبرأ الكفيل منها بغير أدائها ولا يبرئه٣ من هي له في قول من قال ٤بالكفالة كانت مخالفة لجميع الضمانات التي لا يختلفون فيها فلم٥ نر بها تشبيها وكانت عندنا بمنزلة العدة التي ينبغي لصاحبها أن يقر بها ولا تلزم في الحكم ولا يحكم بها ولا ينبغي لأحد أن يغر رجلا من نفسه ولا يؤخذ أحد بما لا يلزمه في الحكم وذلك أنهم قالوا إذا كفل رجل بنفس رجل ثم مات٦ المكفول برئ الكفيل فيبرأ الكفيل من غير أن يبرئه صاحب
_________________
(١) ١ الدعوى والبينات: قال الشافعي: وإذا ادعي رجل علي رجل كفالة بنفس أو مال فجحد الآخر فإن علي المدعي الكفالة البينة فإن لم تكن له بينة فعلي المنكر اليمين فإن حلف برئ وإن نكل عن اليمين ردت علي المدعي فإن حلف لزمه ما ادعى عليه وإن نكل سقط عنه غير أن الكفالة بالنفس ضعيفة. ٢ لعل صوابه: الكفالة بالنفس. ٣ ن: ممن. ٤ لعل صوابه: بالكفالة بالنفس. ٥ ن: يردها. ٦ أي المكفول بنفسه.
[ ٢١٠ ]
الحق ويؤدي إليه ما كفل له به.
وعلة من قال بقول مالك والأوزاعي في أن الكفالة بالنفس مأخوذ بها المتكفل كما يؤخذ بالكفالة بالمال إجماع الجميع من الحجة على١ أن ذلك كذلك وأنها كفالة كسائر الكفالات المجتمع على لزومها موجها على نفسه على ما أوجبها.
وعلة مالك في أن المتكفل بالنفس إن لم يواف بالمتكفل به صاحبه المتكفل به له ولم يكن شرط في عقد٢ الكفالة أنه إنما يتكفل له بعينه وأنه لا شيء له عليه إن هو لم يقدر على موافاته به فما على المكفول عليه لازم له لأن الكفيل هو السبب بكفالته لمن كفل عليه لتعريض مال رب المال للتلف إن تلف إذا هو لم يحضره إياه ويتبرأ إليه حتى يتخلص منه حقه ومن كان سببا لتلف مال غيره فعليه غرم ما أتلف من ذلك إذا كان إتلافه إياه بغير حق.
وأما علة الثوري ومن أوجب عليه الحبس إذا لم يسلمه إلى من تكفل٣ له عنه فالقياس على إجماع الحجة على أن كفالته عليه لو كانت بمال له عليه حال ثم اتبعه به المكفول له فلم يخرج إليه مما كفل له عن غريمه وهو على الخروج إليه منه قادر وسأل رب المال الحاكم٤ حبسه له بحقه حتى يخرج إليه منه قالوا فكذلك اللازم للحاكم حبس الكفيل بالنفس إذا لم يسلم المكفول به إلى المكفول له وهو على تسليمه إياه إليه قادر إذ كانتا كلتاهما كفالة بحق يجب على الكفيل الخروج٥ إلى من تكفل له بها.
وأما علة من أبطل الكفالة بالنفس فقد بينتها مع حكاية قول قائل ذلك.
_________________
(١) ١ ن: علي ذلك كذلك. ٢ ن: الكفالة إنما. ٣ ن: به عنه. ٤ لعل صوابه: حبسه حبسه. ٥ لعل صوابه: منه إلي.
[ ٢١١ ]
والصواب من القول عندنا إن الكفالة بالنفس حق واجب يلزم الحاكم إذا احتكم إليه القضاء بها على الكفيل وأخذه بالخروج إلى المتكفل له منها فإن لم يفعل ذلك ومطل المتكفل له بالخروج منها وهو على الخروج منها إليه قادر وسأل المتكفل له الحاكم حبسه بها حتى يسلم إليه من تكفل له بنفسه لزمه حبسه وإنما ألزمناه ذلك لإجماع الحجة على إلزامه إياه ولا معنى لاعتلال من اعتل في إبطال الكفالة بالنفس بأنها لما كانت تبطل بموت المتكفل به عن الكفيل من غير إبراء المكفول له إياه منها كان معلوما أنها باطلة لأنه يوجب المتكفل له بالمال ويلزم المتكفل ما كفل به من ذلك١ ونرى أن الذي كفل به للمكفول له تزول مطالبته إياه به بعدمه وإفلاسه وعجزه عن أدائه إلى المكفول له به من غير إبراء المكفول له به إياه منه ولم تبطل بزوال ذلك عنه بسبب عجزه عن أدائه إليه صحة وجوبه فكذلك الكفالة بالنفس غير موجبة زوال مطالبة المكفول له عن الكفيل بسبب عجزه عن تسليم المكفول به إليه٢ بموته وبطولها وغير موجب ذلك خروجها من أن تكون صحيحة صحة الكفالة بالمال وأما اعتلاله بأنها ليس لها في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع أصل فلا أصل أثبت حجة ولا أصح صحة مما جاءت به الحجة من علماء الأمة وراثة عن نبيها صلي الله عليه وسلم وسلم شاهدة بوجوبها ولزوم الأمة الحكم بها ويقال لمنكري أخذ الكفيل بنفس رجل لآخر في مال له عليه ما حجتكم في وجوب أخذ الضامن لرجل عن أخر بما له عليه فإن اعتلوا في ذلك بخبر أبي قتادة أنه لما ضمن عن الميت الذي كان النبي صلي الله عليه وسلم ممتنعا أن يصلي عليه قبل ضمانه صلى عليه قيل لهم أفبلغكم أن رسول الله صلي الله عليه وسلم ألزمه ذلك بعد ضمانه واخذه به فإن قالوا نعم ادعوا في الخبر ما ليس فيه وعلم إبطالهم في دعواهم وإن قالوا لا قيل لهم فما برهانكم إذا على أن الضامن مأخوذ بما ضمن أحب أو سخط من كتاب أو سنة أو
_________________
(١) ١ ن: ويري. ٢ ن: بمؤونة بطولها.
[ ٢١٢ ]
إجماعهم فإن فزعوا إلى الإجماع إذ أعياهم ذلك من كتاب أو اثر عن رسول الله صلي الله عليه وسلم مأثور وكلفوا الفصل بين الإجماع في الكفالة بالمال والكفالة بالنفس وقيل لهم من المخالف من سلف الأمة ممن يجوز الإعتراض به على ما نقلته الحجة في الكفالة بالنفس١ القائل إنها لا تلزم الكفيل حتى استجزتم لأنفسكم قيل ما قلتم في إبطالها أعوزنا نظيره في الكفالة بالمال فلم يجز لنا الاعتراض في الكفالة بالمال بالإبطال من اجله ثم يسألون الفرق بين الحكمين فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا ألزموا في الآخر مثله فقد استقضينا البيان عن ذلك في كتابنا المسمى لطيف القول في أحكام شرائع الدين بما اغني عن إعادته في هذا الموضع.
_________________
(١) ١ ن: القائل.
[ ٢١٣ ]