وإذا كفل رجل لرجل برأس رجل أو بوجهه أو برقبته أو بجسده أو ببدنه أو بنصفه أو بثلثه أو بروحه فإن ذلك كفالة جائزة في قياس قول مالك والثوري والشافعي.
وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وإذا كفل بغير ذلك من جسده فهو باطل في قول أبي حنيفة وأصحابه وقالوا إنما أبطلنا ذلك لأن ذلك لا يشبه عمل التجار قالوا ولا يلزم المال في هذا قالوا ولو لم يكن فيه ذكر مال لم تلزمه به كفالة ألا ترى أنه لو قال أكفل لك بكذا وكذا لشيء لا يكون ولا يشبه فعال التجار فإن لم أوافك به غدا فعلي الألف الدرهم الذي لك على فلان كان هذا باطل ولا يلزمه المال.
وقياس قول مالك والثوري والشافعي أن الكفالة تلزمه بكل ما كفل به من جسده لأن ذلك قولهم في الطلاق والظهار.
وقال أبو حنيفة وأصحابه لو قال هو إلي أو قال هو علي أو أنا كفيل به أو أنا ضامن له أو أنا قبيل به أو زعيم به أو صبير به كان هذا جائزا يؤخذ به الكفيل قالوا وكذلك لو قال علي أن أوافيك به أو علي أن ألقاك به فهو جائز وكذلك لو قال هو علي حتى تجتمعا أو حتى توافيا أو حتى تلتقيا وقالوا وإن لم يقل هو علي حتى تلتقيا وقال أنا ضامن حتى تجتمعا أو توافيا أو تلتقيا فهو ضامن يؤخذ به حتى يوافيه به وقالوا إن قال أنا ضامن لمعرفته٢ فهو باطل وهو مثل قوله أنا ضامن حتى أدلك عليه.
والصواب من القول عندنا في الرجل يكفل ببعض أعضاء الرجل لرجل
_________________
(١) ١ أي الكفالة بالنفس. ٢ ن: فهو باطل فهو باطل.
[ ٢٣٥ ]
عليه حق إن ذلك كفالة جائزة وللكفيل لازمة وسواء كانت كفالته له من جسده بالوجه أو بالرأس أو بالرجل أو بالظهر أو بالبطن أو الفرج أو غير ذلك من جسده لإجماع الجميع من الحجة على أنه إذا كفل بوجهه فكفالته جائزة للكفيل لازمة وهو بعض جسده فمثله سائر الأعضاء من جسده ومن ألزم الكفيل بوجهه الكفالة بنفسه كلها وأنكر إلزامه إذا كفل بإصبعه أو ظهره١ أو بطنه فمتحكم والتحكم لا يعجز عنه أحد ويسئل الفرق بين الكفالة بالوجه والظهر والفرق بين ذلك من أصل أو قياس فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في غيره مثله وأما الألفاظ التي تلزم بها الكفيل الكفالة فإن يقول للمكفول له أنا لك بنفس غريمك فلان كفيل أو زعيم أو حميل أو صبير أو قبيل أو ضمين أو هو لك علي أدفعه إليك أو هو علي لك حتى أوافيك به أو حتى أسلمه إليك وما أشبه ذلك من القول فأما إذا قال علي أن أوافيك بغريمك فلان أو أن ألقاك به فإن ذلك غير كفالة ولا لازم به القائل٢ شيء للمقول له فأما إذا قال هو علي حتى تجتمعا أو حتى تلتقيا أو حتى تتوافيا فإن ذلك كفالة يؤخذ بها الكفيل لأن قوله هو علي كفالة ولا يبطلها قوله حتى تجتمعا أو حتى تلتقيا.
وإذا كفل رجل لرجل بنفس غريم له أو بنفس رجل له قبله حق ثم جحده الكفالة فخاصمه إلى القاضي ولا بينة له فإن الواجب على الحاكم استحلاف المدعى عليه الكفالة في قياس قول مالك والأوزاعي والثوري.
وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وقياس قول الشافعي.
وأما في قول أبي ثور فإنه لا يمين عليه لأنه لو أقر بها لم يكن عنده مأخوذ ابها فلا وجه لاستحلافه على ذلك في قوله.
_________________
(١) ١ ن: وبطنه. ٢ ن: بشئ.
[ ٢٣٦ ]
والصواب من القول في ذلك عندنا أن يستحلف المدعى عليه الكفالة لأن الكفالة بالنفس حق من حقوق المدعى إذا ثبتت على الكفيل يلزم الحاكم أخذ الكفيل بها فسبيلها سبيل سائر الحقوق الواجبة لبعض الناس على بعض.
فإن حلف المدعي ذلك عليه برئ من مطالبة خصمه إياه بذلك وإن نكل عن اليمين فإنه يجب على قول مالك والشافعي ان ترد اليمين على المدعي فإن حلف أخذ له المدعى قبله الكفالة بالكفالة.
وأما على قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه فإنه يجب على الحاكم إن نكل المدعي عليه الكفالة عن اليمين على دعوى صاحبه أن يلزم الكفالة التي ادعاها عليه صاحبه فإن استعدى الكفيل على المكفول به حتى يحضر معه فيبرئه والأمر على ما وصفنا من قضاء الحاكم على الكفيل بالكفالة بعد جحوده ذلك ونكوله عن اليمين لخصمه وحلف خصمه على ما أنكر من ذلك لم يكن للحاكم أن يكلفه الحضور معه لذلك لأنه بجحوده الكفالة قد أقر أنه ليس له على المكفول به سبيل بسبب كفالته إياه لخصمه ولكن لو أن رجلا ادعى على رجل أنه كفل له بنفس فلان غريم له ورفعه إلى الحاكم فأقر الكفيل بالكفالة فقضى بها عليه فسأل المقضي عليه بها أن يعديه على المكفول به حتى يحضر معه فيبرئه من الكفالة نظر الحاكم في ذلك فإن كان المكفول به مقرا أنه أمر الكفيل أن يكفل به لصاحبه أعداه عليه وأمره بالحضور معه حتى يبرئه مما دخل فيه من الكفالة بنفسه بمسألته ذلك إياه وإن أنكر المكفول به أن يكون أمره بذلك وحلف عليه لم يكلف حضوره معه ولا يعدي عليه الكفيل إلا أن يقيم الكفيل بينة عادلة أنه كفل به بأمره فيكلف حينئذ الحضور معه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن استعدي الكفيل على المكفول به حتى يحضر معه فيبرئه من الكفالة فإن كان المكفول به أقر أنه أمره ان يكفل به أمر أن يحضر معه فيبرئه وإن قال كفل بي ولم آمره فحلف على ذلك لم يجبر على الحضور معه.
[ ٢٣٧ ]
إلا أن يقيم الكفيل بينه أنه كفل به بأمره فيؤمر بالحضور معه.
وأجمعوا على أن الرجل إذا قال لآخر بايع فلانا فما وجب١ لك عليه من درهم إلى ألف درهم أو إلى ما يسميه محدود المبلغ فهو علي فبايعه المقول ذلك له فيلزمه له من المال ما حده له أو ما دون ذلك فإن قائل ذلك الآمر بمبايعته ضامن لصاحبه المأمور بمبايعة من أمره بمبايعته ما وجب له عليه بمبايعته إياه إلى المقدار الذي حده إن كان وجب ذلك له عليه أو ما دونه.
_________________
(١) ١ ن: له.
[ ٢٣٨ ]