وإذا كفل رجل لرجل بمال له على أخر إلى العطاء أو خروج الرزق أو الحصاد أو الدياس أو النوروز أو المهرجان أو صوم النصارى أو فصحهم أو ما أشبه ذلك فهو حائز للعلة التي ذكرناها في الحوالة وكذلك كان أبو حنيفة وأصحابه يقولون:
[ ١٩١ ]
ولو كان الكفيل قال للمكفول له إن مات فلان قبل أن يعطيك الألف الدرهم الذي لك عليه فأنا به كفيل لك أو كان ذلك إلى أجل فقال إن حل فلم يعطه فأنا به لك كفيل أو فهو لك علي فإن ذلك جائز وللمكفول له أخذ الكفيل به إن انقضى الأجل أو مات الذي عليه الأصل قبل أن يعطيه حقه أو يبرأ منه لإجماع جميعهم على إجازة الكفالة إلى أجل معلوم فالأجل المجهول غير مبطل الصحيح من الكفالة صح الأجل أو بطل إذا لم يكن ذلك على وجه المخاطرة وذلك أن الجميع مجمعون على أن رجلا لو قال لرجل بايع فلانا فما أوجب لك عليه من كذا إلى كذا فهو لك علي فبايعه المقول ذلك له ولزمه له مال مبلغه الحد الذي حده له أو دون ذلك إن ذلك لازم الآمر بمبايعة صاحبه وذلك أحل لا شك فيه مجهول لأنه لم يحد له في ذلك أجلا محدودا وإنما حد لمبلغ المال حدا فكذلك قوله إذا مات فلان أو انقضى الأجل وكالذي قلنا في ذلك قال أبو حنيفة وأصحابه.
وإن كفل رجل على رجل بألف درهم لرجل له عليه ذلك إذا مطرت السماء أو هبت الريح أو إذا قدم فلان فإن الآجال في ذلك كله عندنا١ باطلة والكفالة جائزة والمال على الكفيل إن اتبعه به رب المال على ما بينا قبل حال وإنما أبطلنا الأجل في ذلك وجعلنا المال حالا لإجماع الحجة على ذلك وكذلك كان أبو حنيفة وأصحابه يقولون.
وإذا كفل رجل على رجل بألف درهم لغريم له على أن يعطيه إياه من وديعة عنده لرجل آخر فإن ذلك كفالة باطلة لا يلزم الكفيل بها شيء لأنه إنما وعد رب المال أن يقضيه ما له على غريمه من مال لا يجوز له قضاؤه منه لأنه له غير مالك ولم يضمن له على أنه عليه فيكون ذلك ضمانا.
_________________
(١) ١ ن: باطل.
[ ١٩٢ ]
وقال أبو حنيفة وأصحابه هذه كفالة جائزة وقالوا إن هلكت الوديعة فلا ضمان على الكفيل.
وإذا كان لرجل عند رجل ألف درهم وديعة وعلى الذي له الوديعة ألف درهم لرجل فسأل الذي له الوديعة الذي عنده ذلك له أن يضمن الوديعة حتى يدفعها إلى الذي له عليه الألف الدرهم دينا قضاء من دينه ففعل ذلك الذي عنده الوديعة كان ذلك ضمانا باطلا ولم تكن الوديعة عند المودع مضمونة إلا أن يحدث فيها المودع حدثا يلزمه به ضمانها وكان لربها أخذها من المودع ولم يكن لغريم رب الوديعة على المودع سبيل بسبب ضمانه الوديعة لربها وإن هلكت الوديعة عنده لم يكن للمودع ولا١ للغريم عليه بسبب ذلك سبيل إذا لم يكن أحدث فيها حدثا يلزمه بسببه ضمانها وذلك أن الأمانة لا تصير مضمونة على المؤتمن إلا بإحداثه فيها من الحدث ما يلزمه به ضمانها فأما بقوله أنا لها ضامن فلا تصير مضمونة بإجماع الجميع على ذلك إذا كانت على غير وجه ضمانها لغريم لربها فكذلك حكمها في جميع الأحوال.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن طلب رب الوديعة إلى الذي عنده الوديعة أن يضمن الوديعة حتى يدفعها إلى فلان قضاء بدينه ففعل كان ذلك جائزا ولم يكن لصاحب الوديعة أن يأخذها من الكفيل.
قالوا فإن هلكت برئ الكفيل وإن اغتصبها إياه رب الوديعة برئ الكفيل وإن اغتصبها إنسان آخر فاستهلكها برئ الكفيل قالوا وكذلك لو ضمن له ألف درهم على أن يعطيه إياه من ثمن هذه الدار فلم يبعها لم يكن على الكفيل ضمان.
ولو كفل رجل على رجل بمال عليه لرجل على جعل جعله له المكفول
_________________
(١) ١ ن: للكفيل.
[ ١٩٣ ]
عليه ١فالضمان على ذلك باطل ولا يلزم الضامن للمضمون له شيء إن كان ضمن له ما ضمن على شرط جعل على الذي عليه المال أو على المضمون له في حال الضمان وإن كان ضمانه للمضمون له ما ضمن عن غريمه بغير شرط٢ كان في حال الضمان عليه الجعل ولا على غريمه كان للمضمون له اتباع الضامن بما ضمن له عن غريمه ولم يكن للضامن من اتباع من جعل له على ذلك جعلا بما جعل له وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه.
ولو أن رجلا كفل على رجل بمال عليه لأخر معلوم فاختلف الذي له المال والكفيل والمكفول عنه فقال الكفيل هو مائة وذلك جميع ما كفلت له عنه وقال المكفول عنه هو مائتان وذلك الذي كفل علي٣ للغريم وقال المكفول له هو ثلثمائة فإن القول فيما يلزم الضامن إن اتبعه المضمون له بما ضمن له دون غريمه الذي عليه الأصل قول الضامن مع يمينه فيما أقر به أنه ضمن له عن غريمه إذا لم تكن للمضمون له بينة وعلى المضمون عنه الفضل عما أقر الضامن أنه ضمن عنه مما أقر به على نفسه والقول قول المضمون عنه في الزيادة التي ادعاها عليه المضمون له عما أقر به له مع يمينه لأنه لا يلزم أحدا مال بدعوى مدع ذلك عليه.
وإن كان الضامن ضمن مالا عن المضمون عنه للمضمون له غير محدود المبلغ وقال له أنا ضامن لك ما لك على فلان من المال من غير أن يبين له مبلغ ذلك فإن ذلك عندنا ضمان باطل لا يلزم الضامن له شيء لإجماع الجميع على أن رجلا لو قال ما لزم فلانا اليوم من دين فهو علي من غير أن يبين المضمون ذلك له أن ذلك ضمان باطل فكذلك ذلك إذا لم يكن المضمون للمال مبينا.
_________________
(١) ١ لعل صوابه: أو المكفول له فالضمان الخ ٢ لعل صوابه: شرط جعل كان في حال الضمان عليه ولا الخ ٣ ن: الغريم.
[ ١٩٤ ]
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا ضمن ضامن لرجل مالا على رجل ولم يحد له مبلغ ذلك فالضمان جائز فإن اختلف الضامن والمضمون له والمضمون عنه فأقر الكفيل أنه مائة درهم وادعى الطالب أكثر من ذلك وأقر المكفول عنه بما قال الطالب فإن القول في ذلك قول الكفيل مع يمينه على عمله ويؤخذ بما أقر به به ويؤخذ المكفول عنه بالفضل الذي أقر به.
ولو قال الضامن الذي ضمنت للمضمون له مائة درهم وقال المكفول له بل كفل لي عشرين دينارا وقال المضمون عنه بل ضمن له عني كر حنطة وذلك علي دون ما يدعى من الدنانير فإن القول في ذلك قول الكفيل مع يمنيه إن كان اتبعه به دون١ المضمون عنه إلا أن تكون له بينة على ما يدعي وإن نكل المتبوع٢ منهما عن اليمين استحلف المكفول له٣ ولزمه ما ادعى قبله من حقه إن حلف وبريء المتبوع٤ والذي كان عليه الأصل في الحكم٥ بما أقر له به لأنه يبرئهما منه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه لو أقر الكفيل بمائة درهم وادعى المكفول له عشرين دينارا وأقر المكفول عنه بكر حنطة فإن للطالب أن يحلف الكفيل على العشرين الدينار فإن حلف بريء منها وإن نكل عن اليمين لزمته ويحلف المكفول عنه عليها فإن حلف بريء منها وإن نكل عن اليمين لزمته وهما جميعا بريئان من الدراهم والطعام لأن الطالب لم يدعي شيئا من ذلك على واحد منهما.
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم إلى أجل فقال رجل إن حل
_________________
(١) ١ ن: الكفيل إلا. ٢ ن: منها. ٣ أي لزم المتبوع، ٤ أي إن اتبع الكفيل دون الذي عليه الأصل. ٥ لعل صوابه: مما.
[ ١٩٥ ]
مالك هذا على فلان فلم يوفكه فهو لك علي فإن حل المال فلم يوفه مع حلوله فهو على الكفيل وكذلك إن قال إذا حل مالك على فلان فهو علي١ فإن حل الأجل الذي ضمن له بمضيه إن لم يوفه غريمه ما له عليه فإن للمكفول له بمضيه إن لم يوفه غريمه بماله الخيار في اتباع من شاء من غريمه والكفيل بماله فأيهما اتبع بذلك كان الآخر بريئا ولزم ذلك المتبع به ولو كان المال حالا فقال له إن لم يعطك مالك فلان فهو علي فتقاضى الطالب المطلوب فلم يعطه حتى تقاضاه كان للمكفول له الخيار على ما وصفنا.
وقال أبو حنيفة وأصحابه في ذلك مثل الذي قلناه وقد بينا العلة في المسألة قبلها.
_________________
(١) ١ ن فإن: الأجل.
[ ١٩٦ ]