وإذا باع رجل رجلا متاعا بثمن معلوم إلى أجل محدود وشرط البائع على المشتري في عقد بيعه إياه ذلك أنه إنما يبيعه إياه على أن يكفل له عنه بثمنه رجل بعينه سماه له فاشترى المشتري ذلك منه على هذا الشرط وسلم البائع السلعة إلى المشتري على ذلك.
فإن قياس قول ابن أبي ليلى إن هذا البيع جائز والشرط باطل كفل الذي شرطت كفالته بما له على المشتري عنه أو لم يكفل له عنه كان حاضرا وقت كفل البيع المتبايعين أو غائبا عنهما وذلك أن من قوله إن كل شرط كان في عقد البيع لم يكن عوضا مما تبايعاه بينهما أو من معاني العوض منه فهو باطل والبيع ماض جائز.
وأما على قول أبن شبرمة فإن البيع والشرط جائزان جميعا معا ويؤخذ المشتري بأن يعطيه بالثمن كفيلا من شرط له كفالته.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن كان الكفيل ليس بحاضر لذلك المجلس فإن البيع فاسد قالوا وكذلك في الحوالة إن كان غائبا عن ذلك المجلس فالبيع فاسد وإن جاء الكفيل فرضي وكفل ورضي بأن يحتال عليه فإن البيع لا يجوز قالوا فإن كان فلان الذي شرطت كفالته حاضرا فرضي بذلك
[ ٢٨٦ ]
وسلم فإن البيع جائز إذا سمي الأجل والكفيل ضامن للمال.
قالوا ولو أقرض رجل رجلا مالا ودفعه إليه على أن يكفل به فلان أو كفل أو احتال عليه به على فلان أو على أن يضمن له فلان فإن القرض جائز وإن ضمن فلان له أو كفل أو احتال عليه بذلك فهو جائز غائبا كان فلان في هذا أو حاضرا فهو سواء لأن القرض لا يشبه البيع فأما السلم فإنه مثل البيع وأما الغصب فهو مثل القرض والتزويج مثل القرض.
قالوا وإن قال أتزوجك على ألف درهم على أن١ يكفل٢ بها فلان عني أو على أن أحليك بها على فلان والكفيل غائب عن ذلك المشهد أو حاضر فالنكاح جائز ولا يشبه البيع فإن دخل الكفيل في الضمان فهو جائز وكذلك الخلع وكذلك الصلح من دم عمد أو جراحة فيها قصاص فصالح على مال مسمى حال أو إلى أجل مسمى على أن يكفل به فلان أو أن يحيله به على فلان والكفيل حاضر ذلك راض به أو غائب عنه فرضي بعد ذلك فالصلح فالصلح جائز لأن هذا لا يستطيع رده ولا ينقض الصلح فيه وإذا رضي الكفيل وضمن فالضمان عليه جائز.
قالوا وإذا كان لرجل على رجل دين حال من ثمن بيع أو سلم قد حل أو قرض أو غصب حال فسأله من يؤخر عنه نجوما على أن يضمن له فلان ذلك وفلان غائب فصالحه على ذلك فقدم الكفيل فأبى أن يدخل في الضمان فإن الصلح باطل منتقص والمال حال على صاحبه الأول قالوا وكذلك لو كان الكفيل حاضرا فأبى أن يدخل في الضمان فإن الصلح باطل منتقض والمال على صاحبه الأول فإن دخل الكفيل في الضمان بعد ما تقدم من غيبته أو كان حاضرا فدخل في الضمان فالضمان جائز عليه والصلح
_________________
(١) ١ ن: تكفل. ٢ أي الألف.
[ ٢٨٧ ]
جائز والتأخير جائز.
قالوا فإن كان اشترط في التأخير أنه إن أخر نجما عن محله فالمال كله حال كما كان فهذا الشرط جائز على هذا الوجه والكفالة على هذا جائزة مستقيمة.
قالوا ولو قال إن أخرت نجما عن محله عشرة أيام فالمال عليك فهو جائز على ذلك قالوا ولو كان ذلك من مهر امرأة أو من خلع أو من صلح أو من دم عمد كان جائزا على هذا.
١وقال الشافعي:٢ إذا باع الرجل الرجل بيعا على أن يرهنه رهنا فلم يدفع الراهن الرهن إلى البائع المشترط٣ فللبائع الخيار في إتمام البيع بلا رهن٤ ورد البيع لأنه لم يرض بذمة المشتري دون الرهن وكذلك لو رهنه٥ رهنا فاقبضه بعضا ومنعه بعضا قال وهكذا لو باعه على أن يعطيه حميلا بعينه فلم يحمل له٦ به الرجل الذي اشترط حمالته حتى مات كان له الخيار في إتمام البيع بلا حميل أو فسخه٧ قال ولو كانت المسألة بحالها أفراد المشتري فسخ البيع٨ بمنعه٩ الرهن أو الحميل لم يكن ذلك له لأنه لم يدخل عليه هو١٠
_________________
(١) ١ أم: الرهن الكبير: جواز شرط الرهن. ٢ وإذا باع الرجل علي أن الخ. ٣ أم: له فللبائع. ٤ أم: أو رد. ٥ أم: رهونا فأقبضه بعضها ومنعه بعضها وهكذا الخ ٦ أم: بها. ٧ أم: لأنه لم يرض بذمته دون الحميل ولو كانت الخ. ٨ ن: وأم ق: بمنعه: أم مد: فمنعه. ٩ أم ق: تالراهن أو الحمل. ١٠ ن: نقضا الخ: أم: يكون له به خيار لأن البيع كان في ذمته أم ذمة غيره فسقط ذلك عنه فلم يرد عليه في ذمته شئ لم يكن عليه ولم يكن في هذا فساد للبيع لأنه لم ينتقص من الثمن شئ يفسد به البع إنما انتقص شئ غير الثمن وثيقة للمرتهن لا ملك ولم يشترط شيئا فاسد به البيع وهكذا هذا في كل حق الخ: إلا أن قوله: شيئا: سقط في أم مد.
[ ٢٨٨ ]
نقصا قال وهذا هكذا في كل حق كان لرجل على رجل فشرط له فيه رهنا أو حميلا فإن كان الحق بعوض أعطاه إياه فهو كالبيع وله الخيار في أخذ العوض كما كان له في البيع١ قال ولو باعه شيئا على أن يرهنه رهنا يرضيه أو يعطيه حميلا ثقة أو يعطيه رضاه من رهن وحميل٢ بغير٣ تسمية شيء بعينه كان البيع فاسدا لجهالة البائع والمشتري أو أحدهما بما تشارطا ألا ترى أنه لو٤ جاء بحميل أو رهن فقال لا أرضاه لم يكن عليه حجة بأنه رضي رهنا بعينه أو حميلا بعينه فأعطيه "حدثنا بذلك عنه الربيع".
وقياس قول أبي ثور في ذلك أن البيع جائز إن تعاقده المتبايعان بثمن إلى أجل على أن يكفل للبائع بالثمن كفيل بعينه أو بغير عينه حاضرا كان المشترط إلى أجل على أن يكفل للبائع بالثمن كفيل بعينه أو بغير عينه حاضرا كان المشترط كفالته أو غائبا في حال عقد البيع عقده فإن رضي المشروط كفالته وكفل للبائع على المشتري بماله فهو الذي أراد وإن امتنع من ذلك أجبر المشتري على قوله أن يعطيه كفيلا غيره مكانه وكذلك الواجب على قوله إذا كان البيع عقد على أن يعطي المشتري البائع كفيلا بغير عينه وذلك أن ذلك قوله إذا اشترى مشتر من رجل سلعة إلى أجل على أن يعطيه رهنا بعينه فامتنع المشتري من إعطائه ذلك أو على أن يعطيه رهنا بغير عينه فكذلك الواجب أن يكون قوله إذا اشترط عليه كفيلا بعينه أو بغير عينه.
والصواب من القول في ذلك كله عندنا ما قال الشافعي وذلك أن في
_________________
(١) ١ وإن كان الرهن في أن أسلفه بلا بيع أو كان له عليه حق قبل أن يرهنه بلا رهن ثم رهنه شيئا فلم يقبضه إياه فالحق بحاله، وله في السلف أخذه متي شاء وفي حقه غير السلف أخذه متي شاء به إن كان حالا ولو باعه شيئا بألف علي أن يرهن الخ ٢ أم ق: أو من شاء: المشتري أو البائع أو ما شاء أو شاء أحدهما من رهن أو حميل بغير تسمية الخ ٣ أم مد: تسمية. ٤ ن: جا: أم: جاه.
[ ٢٨٩ ]
دخول الكفيل للبائع في الكفالة بحقه على المشتري وفي الرهن الذي يرهنه المشتري البائع وثيقة له من حقه قبله إذا كان المال مؤخرا ولم يبع البائع سلعته من المشتري على الرضى منه بأمانته وفي ترك الحاكم على المشتري للبائع بما شرط عليه في عقد البيع من إعطائه الكفيل الذي شرط له كفالته بماله نقص عليه ومضرة وغير جائز إلزامه ذلك على كره منه فحكمه في ذلك حكم بائع سلعة له من رجل بثمن حال فلم يجد المبتاع السبيل إلى إعطائه الثمن حالا فيكون للبائع الخيار في الرضى بأن يكون غريما من غرماء المشتري وبين نقض البيع في سلعته والرجوع بها على المشتري إن كانت قائمة بعينها لأن إلزام البائع الرضى بتأخير ما له على المشتري إلى حال يسره به١ نقص عليه ومضرة تلزمه فلا يجوز إلزامه ذلك من جهة الحكم إلا برضى منه به.
ولو أن رجلا أعتق عبدا له على ألف درهم على أن يعطيه به كفيلا بعينه وذلك أن يقول له أنت حر بألف درهم إن أعطيتني به فلانا كفيلا بذلك فيقول العبد قد قبلت ذلك فإن كفل للمعتق المشروط كفالته عن العبد بالألف الدرهم الذي أعتق عليه كان العتق ماضيا جائزا إذا كان للمولى المعتق اتباع من شاء من العبد والكفيل بالألف على ما قد بينا فيما مضى من كتابنا هذا وإن لم يكفل له بذلك المشروط كفالته كان لمولى العبد الخيار بين إمضاء العتق في العبد والرضى بذمته وأن يكون غريما بماله يتبعه بالألف الذي اعتقه عليه وبين رد العتق واستعباده لأنه لم يعتقه إلا على ألف درهم يكون به فلان كفيلا له عنه وذلك نظير عتقه إياه بألف درهم بيض فيعطيه ألف درهم سود في أن للسيد الخيار بين أن يقبل ذلك منه مكان البيض ويمضي فيه العتق وبين أن يترك قبوله منه ويستعبده.
وقال أبو حنيفة وأصحابه لو أن رجلا أعتق عبدا على ألف درهم على أن
_________________
(١) ١ ن: نقض.
[ ٢٩٠ ]
يعطيه به كفيلا وقبل ذلك كان العتق جائزا إن أعطاه كفيلا بالمال أو أحاله بذلك على رجل فذلك جائز في قولهم من قبل أن العبد قد عتق وقالوا ليس ذلك كالمكاتب لأن المكاتب عبد لا يجوز الضمان فيه لمولاه.
[ ٢٩١ ]