وإذا كفل رجل في مرضه الذي مات فيه عن رجل بمال وعليه دين يحيط بماله فإن الكفالة باطل وذلك أن الكفالة معروف ودينه به أولى منها وإن لم يكن عليه دين فالكفالة جائزة من الثلث وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه وقالوا إن كانت الكفالة لوارث فإن ذلك لا يجوز قالوا وكذلك إن كانت عن وارث لأن في ذلك منفعة له.
والقول عندنا في الكفالة عن الوارث كالذي قالوا وذلك أن ذلك قضى عنه دينا عليه فهو في معنى قرضه إياه ذلك وذلك لا شك أيضا١ دفع إليه من ماله دون سائر ورثته وذلك محظور عليه في حال مرضه الذي يكون منه وفاته فأما القول في الكفالة للوارث عن أجنبي له عليه دين بدينه فإن الصواب عندنا في ذلك إجازته وذلك أن ذلك في معنى إقراضه الأجنبي من ماله ما كفل عنه ولا خلاف بين الجميع أنه لو وهب ذلك له في مرضه الذي توفي فيه فقبضه منه وهو يخرج من ثلاثة أن ذلك جائز ماض وإقراضه إياه ذلك أولى أن يكون جائزا.
ولو أقر مريض في حال مرضه أنه كان كفل لرجل بمال عن آخر في حال صحته وعليه دين يحيط بماله في حال إقراره بذلك فإن ذلك من قراره عندنا جائز ويدخل المكفول له إن اتبعه بما أقر له به مع سائر غرمائه فيما عليه فيضرب بدينه معهم في ماله.
وهذا قياس قول كل من ألزم المريض إقراره بدين في مرضه الذي
_________________
(١) ١ ن: بدفع.
[ ٢٨١ ]
يحدث فيه وإن كان عليه دين يحيط بماله في حال إقراره بذلك وذلك أن إقراره بكفالته بذلك في الصحة في حال المرض إقرار منه بدين نسبه إلى أنه كان في الصحة وإن كان إقراره به في حال المرض.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن أقر مريض في مرضه الذي مات فيه أنه كفل بمال في الصحة لم تلزمه الكفالة إذا كان عليه دين فإن لم يكن عليه دين لزمه ذلك في جميع ماله لأنه أقر أنه كان منه في الصحة.
وكان اللازم أبا حنيفة وأصحابه على قولهم إذا جعلوا إقراره بذلك في حال المرض بمنزلة كفالته به في مرضه في إبطالهم إقراره إن كان عليه دين وانكروا أن تكون سبيله سبيل إقراره به في حال الصحة أو سبيل الدين في الصحة١ أن لا يجعلوه من جميع المال إذا لم يكن عليه دين بل الواجب كان عليهم أن يجعلوه من ثلاثة بمنزلة كفالته في مرضه فإما أن يجعلوه من جميع المال إذا لم يكن عليه دين فيحلوه محل الإقرار به في الصحة أو يجعلوه باطلا إذا كان عليه دين فيحلوه محل الكفالة به في المرض فذلك ما لا يشكل فساده لأنهم بحكم إقرار الصحة لا بحكم كفالة المرض حكموا له.
وإذا كفل رجل لرجل في صحته عن رجل بمال أقر له به من غير تبيين المال المكفول به وغير تحديد مبلغه فإن ذلك كفالة باطلة لا يلزم الكفيل بها عندنا شيء كان عليه دين أو لم يكن عليه دين ولا يتبع بشيء مما أقر به المكفول عنه بعد ذلك وقد بينا العلة في ذلك وذكرنا اختلاف المختلفين فيه فيما مضى قبل.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا كفل في الصحة بما أقر به فلان لفلان ولم يسمه ثم مرض وعليه دين يحيط بماله ثم أقر المكفول عنه أن لفلان عليه ألف
_________________
(١) ١ ن: ويجعلوه.
[ ٢٨٢ ]
درهم فإن ذلك يلزم المريض قالوا وإن أقر بذلك المكفول عنه بعد موت المريض فهو سواء ويحاص الغرماء لأن أصل ذلك كان في الصحة قالوا وكذلك لو كفل بما ذاب لفلان على فلان أو بما قضي لفلان على فلان أو بما صار لفلان على فلان قالوا وكذلك لو كان المكفول له وارثا أو المكفول عنه وارثا أو كانا جميعا وارثين لأن هذا كان في الصحة فهو بمنزلة رجل كفل في صحته لرجل بما أدركه من درك في دار اشتراها ثم استحقت لدار في مرض الكفيل أو بعد موته فإن المشتري يضرب مع غرماء الكفيل الميت بالثمن لأن أصل ذلك كان في الصحة قالوا ولا يشبه هذا الكفالة في المرض.
وإذا كفل رجل في مرضه الذي مات فيه بمال وليس عليه دين ثم استدان بعد ذلك مالا يحيط بماله فإن الكفالة باطلة لأنها كانت في المرض في قولنا وقولهم وإنما أبطلناها لأنها معروف١ فالدين بماله أولى منها كما هو أولى به من وصاياه التي يوصي بها فيه.
وإذا كفل رجل عن رجل بمال بأمره ورهنه المكفول عنه رهنا فيه وفاء فإن ذلك جائز في قياس قول مالك إن كان المكفول عنه معدما وإن كان مليا فقياس قوله أن يكون الرهن باطلا لأنه ليس للمكفول له قبل الكفيل تبعة ما دام المكفول عنه مليا فلا وجه لا رتهان الكفيل من المكفول عنه رهنا من غير أن يكون له قبله حق يرتهن بدلا منه الرهن.
وأما على قياس قول الأوزاعي والثوري والشافعي وهو قول أبي حنيفة وأصحابه فإن الرهن في ذلك جائز لأن للمكفول له اتباع الكفيل عندهم بما كفل له عن غريمه مليا كان الغريم أو معدما وأن للكفيل أخذ المكفول عنه بإخراجه مما أدخله فيه من ذلك.
_________________
(١) ١ ن: في الدين.
[ ٢٨٣ ]
وأما الذي نقول به في ذلك فهو أنه ليس للكفيل على المكفول عنه سبيل حتى يختار المكفول له اتباعه بحقه دون صاحب الأصل فإن اختار اتباعه به دون المكفول عنه كان للكفيل حينئذ مطالبة المكفول عنه بأمره فإن رهنه بما لزمه له من حق عند ذلك كان رهنا جائزا فإن اختار اتباع المكفول عنه بطلت الكفالة ولم يكن الرهن إن رهن منه الكفيل رهنا جائزا لأنه لا حق له قبله يرتهن منه رهنا.
وهذا الذي قلنا في ذلك قول ابن شبرمة١.
فإن اتبع المكفول له بالمال الكفيل دون المكفول عنه فارتهن الكفيل من المكفول عنه رهنا بما له عليه فهلك الرهن عند الكفيل وأدى إلى المكفول له ما كفل له عن غريمه فكانت قيمة الرهن والدين الذي كفل به سواء لم يكن له المكفول عنه سبيل لأن الرهن هلك عندنا من مال الكفيل المرتهن وإن كانت قيمته أكثر من الدين أو أقل٢ يراجع عند ذلك الكفيل والمكفول عنه بفضل إن كان لأحدهما قبل صاحبه على ما بينا في كتابنا كتاب الرهن٣.
والواجب في ذلك على مذهب مالك أن يكون الكفيل إن كان ارتهن ما ارتهن من المكفول عنه في حال يجوز ارتهانه منه على ما بينا ثم هلك الرهن عنده وقد قضى المكفول له حقه أن ينظر إلى الرهن فإن كان مما يخفى هلاكه كالحلي والثياب وما أشبه ذلك فإن ذهاب ذلك وهلاكه يكون من الكفيل المرتهن ثم يكون فيما يبطل من حقه قبل المكفول٤ عنه وفيما يتبع كل واحد منهما صاحبه بفضل قيمة أو نقصان عن مبلغ الدين على نحو قولنا الذي بيناه وإن كان مما
_________________
(١) ١ انظر ص ١٣. ٢ ن: يراجع. ٣ كأنه يعني كتاب الرهن من لطيفة. ٤ ن: له.
[ ٢٨٤ ]
يظهر هلاكه ولا يخفى كالدور والدواب والمواشي والرقيق فإن هلاك ذلك على قوله من مال المكفول عنه حينئذ ويتبعه الكفيل بما أدى عنه إلى غريمه.
وأما قياس قول الأوزاعي فنحو١ ما ذكرنا من قياس قول مالك غير أنه يجب على قوله أن يكون للكفيل ارتهان الرهن من المكفول عنه بما كفل عنه بكل حال ثم يكون القول في هلاكه إن هلك في يد الكفيل نحو الذي ذكرنا من قياس قول مالك.
وأما قياس قول الثوري وهو قول أبي حنيفة وأصحابه فإن الرهن إن هلك عند الكفيل فإنه من ماله فإن أدى الكفيل المال لم يرجع على المكفول عنه وان لم يؤده ولكنه أداه الذي عليه الأصل رجع الذي عليه الأصل على الكفيل بمثله.
وقال أبو حنيفة وأصحابه هلاك الرهن عند الكفيل بمنزلة قبضه المال.
وأما على قول الشافعي فإن٢ للكفيل إذا هلك الرهن عنده وأدى المال إلى المكفول له أن يرجع على المكفول عنه بما أدى عنه ويكون هلاك الرهن على قوله من مال المكفول عنه كان مما يظهر هلاكه أو مما يخفى وإن لم يؤد ذلك الكفيل ولكن المكفول٣ عنه أداه لم يكن له على قوله الرجوع على الكفيل بشيء لا بقيمة الرهن ولا بالمال الذي أدى.
ولو أن رجلا كفل عن رجل بألف درهم على أن يرهنه بذلك عبدا به٤ وبعينه ثم أن المكفول عنه أبي أن يدفع إليه العبد الذي شرط له أن يرهنه فإن الكفالة لازمة ولا يقدر على الخروج منها بسبب اشتراطه على المكفول عنه أن
_________________
(١) ١ ن: مما. ٢ ن: الكفيل. ٣ ن: المكفول أداه. ٤ لعل صوابه: أو بعينه.
[ ٢٨٥ ]
يرهنه العبد الذي تشارطا رهنه لأن شرطه ذلك غير مبطل ما قد لزمه للمكفول له بغير شرط كان بينه وبينه في حال الكفالة ولا يجبر المكفول عنه على دفع العبد إلى الكفيل رهنا لأن الكفيل لم يكن قبضه فيكون رهنا.
وهذا الذي قلنا في ذلك قول أبي حنيفة وأصحابه.
[ ٢٨٦ ]