وإذا كفل عبد بنفس عبد أو حر أو حرة أو أم ولد أو مكاتبة فإن ذلك كفالة باطلة لا يؤخذ بها العبد في قول الجميع إذا لم يكن سيده أذن له في ذلك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إنما لم يجز ذلك من قبل أن الكفالة معروف ولا يملك العبد ذلك قالوا وكذلك لو كان العبد تاجرا في السوق يشتري ويبيع كانت كفالته باطلا لا تجوز قالوا وكذلك لو كفل بمال لم تجز كفالته بنفس ولا مال.
[ ٢٤٨ ]
ولو أن العبد كفل بنفس من كفل بنفسه لمن كفل له بنفسه بإذن مولاه له بذلك فإن ذلك له لازم ويؤخذ به كما يؤخذ به الحر وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن مولاه لو أذن له في الشراء والبيع والمداينة إن ذلك جائز وأنه يؤخذ لمن بايعه شيئا بثمن ما باعه ويحكم له على من ابتاع منه شيئا بثمن ما ابتاع منه وهم جميعا مجمعون على أن سيده لو لم يكن أذن له فيه أنه لم يكن شيء من ذلك جائزا ولا له لازما فألزمه الجميع في حال أذن السيد له في البيع والشراء ما باع واشترى ما لم يلزموه في غير حال أذن السيد له في ذلك فكذلك مثله كفالته لمن كفل له بنفس آخر أو بمال له على غريم له يلزمه في حال أذن سيده له في الكفالة ما لم يكن له لازما في غير حال إذنه له إذا اتبعه المكفول له بما كفل له به.
وبذلك كان شريح القاضي يقول "حدثني يعقوب قال حدثني هشيم قال أخبرنا بعض أصحابنا عن عياش العامر أنه شهد شريحا قال" ضمان العبد باطل إلا أن يكون أذن له مولاه فيه.
وهذا الذي قلنا في ذلك هو قياس قول مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأبي ثور.
فإن أذن له مولاه في الكفالة بمال فكفل به فإن الواجب على قياس قول مالك أن يلزمه ما كفل به من ذلك ويؤخذ به إن كان له مال وكان المكفول عنه معدما لا سبيل له إلى القضاء فإن كان المكفول عنه مليا لم يكن للمكفول له سبيل على العبد المتكفل بذلك لأن ذلك قوله في الحر تكفل لرجل على غريم له بمال له عليه وحكم العبد إذا أذن له سيده في الكفالة على مذهبه حكم الحر الجائز الأمر تكفل بمال لرجل على آخر.
وأما على قياس قول الأوزاعي والثوري فإن الواجب إذا أخذ الطالب العبد بالكفالة أن يباع في دينه الذي على غريمه الذي كفل به إن لم يخلصه سيده مما أذن له بالدخول فيه من الكفالة.
[ ٢٤٩ ]
وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنهم قالوا إن أذن له مولاه فكفل بمال فإنه يؤخذ به ويباع فيه إن لم يكن عليه دين فإن كان عليه دين يحيط به بيع في الدين الذي عليه فإن فضل شيء من ثمنه كان لصاحب الكفالة فإن لم يفضل فلا شيء له.
والواجب في ذلك على قياس قول الشافعي أن تكون الكفالة للعبد لازمة وأن طالبه المكفول له بما كفل له به من ما له على غريمه فالواجب على مذهبه أن يحكم على السيد بإطلاق العبد والتصرف والاكتساب والاحتيال لدين المكفول له حتى يؤدي إليه ما كفل له عن غريمه وذلك أن ذلك قوله في الرجل يأذن لمملوكه بالنكاح بصداق محدود المبلغ فينكح امرأة بما حد له من الصداق.
وأما على قول أبي ثور فإنه يجب أن لا يؤخذ العبد بما ضمن عن المضمون عنه للمضمون له حتى يعتق فإذا عتق اتبعه به المضمون له ويكون المضمون عنه على قوله بريئا من مال صاحبه الذي ضمن عنه.
والصواب من القول في ذلك عندنا أن المكفول له إن اتبع العبد بما كفل له به من المال الذي له على غريمه بإذن سيده أن يجبر سيده على تخليته١ والسعي في دين المكفول له الذي على غريمه المكفول عنه إن كان المكفول عنه معدما وإن كان مليا قضي للعبد على المكفول عنه بما كفل عنه إن كان كفل ذلك عنه بأمره وقضى ذلك عنه المكفول له وذلك لإجماع الجميع على أن عبدا لو تزوج امرأة بغير إذن مولاه ودخل بها لم يبع في صداقها الواجب لها عليه فإذ كان ذلك من جميعهم إجماعا فمثله كل دين لحقه برضى من له الدين في أنه لا يباع فيه وإذا كان ذلك كذلك وكان الدين لزمه للمكفول له إنما لزمه بإذن سيده له بكفالته له فالواجب على السيد تركه والسعي فيه كما لو أذن له بنكاح امرأة فنكحها
_________________
(١) ١ ن: والسفر.
[ ٢٥٠ ]
كان عليه تركه والسعي في نفقتها ومؤونتها الواجبة لها عليه وكذلك حكم أم الولد يأذن لها مولاها في الكفالة عن رجل بمال لرجل عليه فتكفل له عنه وكذلك حكم المدبر والمدبرة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا كفلت أم الولد بمال بإذن سيدها فهو جائز عليها تسعى فيه وإن مات سيدها فهو دين عليها وكذلك المدبر والمدبرة.
وإن كفل عبد بإذن سيده بنفس رجل فجائز في قياس قول مالك والأوزاعي والثوري وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وقياس قول الشافعي.
وأما على قول أبي ثور فباطل لأنه كان لا يجيز الكفالة بالنفس.
والصواب من القول في ذلك عندنا أن ذلك جائز وإن اعتقه سيده بعدما كفل بنفس من كفل بنفسه فعتقه إياه ماض ولا شيء يلزم السيد بسبب إذنه في الكفالة والعبد متبع بالكفالة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن اعتقه سيده بعدما كفل بإذن سيده بنفس من كفل بنفسه فإنه يؤخذ بالكفالة ولا يضمن سيده شيئا للعتق الذي أحدث لأن الكفالة بالنفس ليست بمال قالوا ولو كفل بمال بإذن سيده لرجل١ له دين عليه فاعتقه سيده ضمن سيده الأقل من قيمته ومن الدين فإن شاء الغريم اتبع العبد بذلك وإن شاء اتبع السيد فإن اتبع العبد كان للعبد أن يتبع المكفول به إن كان كفل بأمره وإن اتبع الغريم السيد كان للسيد أن يتبع المكفول به إن كان المكفول به طلب إلى السيد إن يأمر عبده وإن لم يطلب إليه ولا إلى العبد لم يتبع واحد منهما المكفول به بشيء.
قالوا ولو كفل عبد بنفس رجل بغير إذن سيده لم يجز عليه فإن عتق٢ كان
_________________
(١) ١ ن: لا دين. ٢ ن: كان كان الطالب.
[ ٢٥١ ]
للطالب أن يأخذه بالكفالة وكذلك لو كفل بمال لم يجز عليه إذا لم يكن السيد أذن له فإن أعتق يوما أخذ بذلك فإن أداه كان له أن يرجع على المكفول به إن كان كفل بأمره وإن كان كفل بغير أمره لم يكن له أن يرجع عليه.
قالوا وإن كان على العبد دين يحيط بقيمته فأمره مولاه أن يكفل بنفس أو بمال فإن ذلك لا يجوز ولا يلزمه منه شيء فإن أدى دينه ألزمناه الكفالة.
والصواب من القول عندنا في العبد يكفل بنفس رجل لرجل أو بمال له عليه بغير إذن مولاه أنه لا يلزمه للمكفول له بتلك الكفالة شيء لا في حال العبودة ولا بعد العتق لإجماع الجميع على أنه لا يلزمه بها في الحال التي كفل للمكفول له شيء فهو من أن يلزمه بها بعد تلك الحال أبعد ويسأل من أوجب للمكفول له أخذه بما كفل له من النفس والمال بعد عتقه فيقال له أخبرنا عن كفالته بما كفل من ذلك في حال عبودته بغير إذن سيده ألزمه بها للمكفول له شيء فإن قال نعم ترك قوله في ذلك وخالف مع ذلك ما عليه الحجة مجمعة من أنه لا يلزمه بها شيء وإن قال لا قيل فما المعنى الذي ألزمه ذلك بعد العتق ولم يحدث كفالة بعدما عتق يلزمه بها شيء والكفالة الأولى التي كانت في حال العبودة كانت باطلا لا يلزمه عندك بها شيء أو رأيت لو كفل صبي بنفس رجل لرجل أو بمال له عليه في حال طفولته بغير إذن وليه أو مجنون في حال جنونه ثم أدرك هذا وأفاق هذا وبرأ ثم طالبهما المكفول له بما كفلا له به أتاخذهما له به فإن قال نعم خرج من قول جميع أهل الملة وإن قال لا قيل له فما الفرق بينهما وبين العبد وجميعهم لم تكن الكفالة لهم لازمة في الحال التي كفلا ثم يسأل الفرق بين ذلك من أصل أو قياس فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
وإذا كفل عبد يساوي ألف درهم بإذن مولاه بألف درهم فذلك جائز
[ ٢٥٢ ]
أيضا ويؤمر السيد بتركه والسعي فيما لزمه١ بالكفالتين إذا اتبعه بهما المكفول له وأما ما كان عليه من دين فإنه لا يتبع به حتى يعتق إذ كان دينا لزمه من متاجرة أو معاملة لأن مداينه قد رضي بأمانته بمداينته إياه فحكمه في ذلك حكم رجل معدم وجب عليه دين لغريم له فلا يتبع به حتى يوسر.
وكذلك العبد المستدين لا يتبع بالدين حتى يعتق ويوسر لأنه لا مال له في حال عبودته إلا أن يكون دينا لزمه من جناية فيباع فيه وأما ما لزمه بالكفالة بإذن سيده له فإنه في معنى النفقة التي تلزمه لزوجته الحرة التي تزوجها بإذن سيده.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا كفل العبد وهو يساوي ألفا بإذن مولاه بألف درهم فهو جائز إذا لم يكن عليه دين فإن كفل بألف آخر بإذن مولاه لم تجز الكفالة الثانية قالوا فإن زادت قيمة العبد حتى بلغت ألفي درهم ثم كفل بألف أخر بأمره مولاه فإنها جائزة لأنه كفل وفي قيمته فضل ألف آخر فإن باعه القاضي في دينهم بألف فإنه يقسم بين المكفول له الأول والمكفول له الآخر نصفين ولا شيء للمكفول له الأوسط من قبل أنه كفل له وليس في قيمته فضل.
قالوا وكذلك لو باعه القاضي بألف درهم وخمس مائة أو ألفين فإن باعه القاضي بألفين وخمس مائة استوفى الأول والآخر وكانت الخمس مائة الفضل للأوسط وكذلك لو باعه القاضي بثلاثة آلف درهم استوفى الأول ألفا والثاني ألفا والثالث ألفا ولو كان القاضي باعه بألف درهم كانت بين الأول والآخر نصفين ولا شيء للأوسط.
_________________
(١) ١ أي بالمال والنفس.
[ ٢٥٣ ]