وإذا ادعى رجل قبل صبي دعوى وكفل به رجل بغير أمر أبيه إياه بذلك
[ ٢٥٣ ]
وكان المال الذي ادعاه قبله معلوما محدود المبلغ فإن الكفيل بذلك مأخوذ يحكم به عليه إذا طالبه المكفول له به وإن سأل الكفيل إحضار الصبي معه وكانت كفالته بنفسه لم يحضر له وذلك أنه لو كان بالغا ثم ضمن عنه ضامن بغير أمره مالا عليه لغيره أو كفل له بنفسه لم يلزمه إخراجه مما دخل فيه إذ كان دخوله في ذلك بغير أمره فكيف وهو طفل لا يجوز أمره ولو أمره بذلك وسواء في ذلك كان الصبي طلب إليه أن يضمن ذلك عنه أو لم يطلب إليه١ في أنه لا يلزمه فيه شيء.
وهذا الذي قلنا في ذلك قياس قول مالك والأوزاعي والثوري والشافعي.
وهو قول أبي حنيفة وأصحابه في الصبي إذا كان غير مراهق.
فإذا كان الصبي مراهقا وكان الكفيل كفل بدين عليه لرجل٢ بطلب الصبي إليه أن يكفل به وهو ممن قد أذن له أبوه في البيع والشراء فإن ذلك عندهم جائز ويؤخذ به الكفيل ويؤخذ الغلام للكفيل حتى يبرئه من الكفالة قالوا ولو كان غير تاجر فطلب أبوه إلى رجل أن يضمنه فضمنه كان جائزا وأخذ به الكفيل وكان للكفيل أن يأخذ الغلام حتى يدفعه فإن تغيب الغلام فأخذ الكفيل أباه وقال أنت أمرتني أن أضمنه فخلصني فإن الأب يؤخذ حتى يحضر ابنه فيدفعه إليه ويخلصه من قبل أن أمر الأب على الولد في مثل هذا جائز كأنه طلب إليه أن يكفل بنفسه هو.
قالوا ولو أمره أن يكفل بنفس غلام يتيم هو وصيه كان مثل هذا أيضا قالوا ولو أمره أن يكفل بنفس غلام ليس هو وصيه لم يؤخذ الآمر بشيء ولم يتبع الآمر من قبل أن الآمر لا يجوز أمره على الغلام.
_________________
(١) ١ ن: في ذلك في أنه. ٢ ن: يطلب.
[ ٢٥٤ ]
والصواب من القول في ذلك عندنا إن كفالة الكفيل على المراهق المأذون له في التجارة وغير المأذون له فيها بأمره وغير أمره سواء في أنه لا يلزم الصبي الآمر بسبب كفالة الكفيل عنه بما كفل عنه شيء وكذلك لو كانت كفالته بما يكفل عنه بأمر والده إياه أن يكفل عنه لم يلزم الصبي ولا أباه بذلك شيء من أجل أن الصبي ما لم يبلغ فيجوز أمره في ماله ونفسه محجور عليه بحجر الله جل وعز بقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ١ فما لم يبلغ اليتيم أو الصبي النكاح ويؤنس منه الرشد فمحجور عليه لا أمر له في نفسه وماله فإذن كل آذن لمن حجر الله عليه مردود فيما حجر عليه فيه وإن أبا الصبي إذا أمر رجلا بالضمان عنه ولم يشرط في ضمانه أن ما لزمه بسبب ضمانه عنه ما ضمن بأمره إياه فهو له عليه فإنما هو بمنزلة رجل أمر رجلا أن يكفل عن آخر دينا لرجل عليه ليس هو منه بسبيل وقد بينا فيما مضى قبل أن ذلك لا يلزم الآمر إذا أدى عنه بما يغني عن إعادته في هذا الموضع. ولكنه لو أمره أن يضمن عنه مالا معلوم المبلغ وابنه المضمون عنه صبي صغير على أنه ما لزمه بذلك من ضمانه فهو عليه فضمن ذلك عنه على هذا الشرط كان للضامن اتباع أبي الصبي المضمون عنه بما اتبع به بما ضمن عنه بأمر أبيه وكذلك لو أمره على هذا الشرط أن يضمن ألف درهم لرجل عن رجل له عليه ذلك فضمنه له سواء في ذلك الغريب من الآمر والقريب فيما يلزمه بضمان الضامن عمن ضمن عنه بأمره إياه به ويسقط عنه لا فرق بين شيء من ذلك ويسأل المفرق بين ذلك البرهان الموجب٢ لفرقه ما بينهما من أصل أو قياس فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
والقول في كفالة الرجل عن معتوه أحدث حدثا من جناية جناها أو مال
_________________
(١) ١ ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ النساء: ٥. ٢ ن: بفرقة.
[ ٢٥٥ ]
أفسده لرجل فلزمه بسبب ذلك ما لزمه من ذلك في ماله أو كفالته بنفسه مثل القول في كفالته عن الصبي لم يدرك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه المعتوه في ذلك بمنزلة الصبي.
وإذا كفل الرجل بنفس صبي على أن يوافي به غدا فإن لم يواف به فعليه ما ١ذاب عليه فإن الكفالة بالنفس جائزة يؤخذ بها الكفيل ولا يكون خصما فيما يدعي قبل الصبي وكذلك الصبي لا يكون خصما فيما يدعى قبله وإنما لم يكن الكفيل خصما فيما ادعى قبل الصبي لأنه لا يكون الخصم عن الصبي غير وليه الذي يلي ماله من والد أو جد أو٢ أب أو وصي والد أو حاكم أو سلطان.
وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه قالوا وكذلك الصبي لا يكون خصما فيما يدعى قبله حتى يحضر أبوه فيخاصم عنه وإن كان يتيما أحضر وصيه فإن لم يكن له وصي جعل له القاضي وكيلا وإذا قضى عليه بمال ألزم الكفيل ولا يرجع به على الصبي لأنه كفل بغير أمر أب ولا وصي ولا قاض قالوا ولو كفل بأمر قاض رجع بذلك على الصبي.
والصواب في ذلك كله عندنا من القول كالذي قالوا وهو الواجب على قياس قول مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأبي ثور.
ولو أن يتيما عليه مال لرجل وله وليان وصاهما عليه أبوه أو قاض فقضى الحاكم على اليتيم بما ادعى المكفول له قبله بمحضر أحدهما وبخصومة الطالب بما له قبله لزمه الكفيل إن اتبعه المكفول له بما حكم له به عليه.
_________________
(١) ١ قوله: ذاب: في النسخة هنا وفي غير هذا الموضع: ذاب: وإنما صوابه: ذاب عليه: أي لزمه. ٢ كذا في النسخة.
[ ٢٥٦ ]
وقال أبو حنيفة ومحمد إذا كان لأبيه عليه وصيان١ قام أحدهما بذلك دون الآخر٢ ولم يرجع الكفيل على الصبي بما أمره بالضمان عنه أحدهما حتى يأمره الوصيان جمعيا.
وقال أبو يوسف أمر أحد الوصيين جائز على الصبي.
_________________
(١) ١ لعلع صوابه: وقام. ٢ لعل صوابه: لم يرجع.
[ ٢٥٧ ]