كتاب الغصب
من اختلاف الفقهاء
تأليف أبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ١ الآية وقال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ ٢ الآية فنص ﵎ تحريم أكل أموالنا بيننا في كتابه بالباطل إلا بما أباحه لنا من التجارة عن التراضي٣ بيننا في كتابه وأوجب لآكل أموال اليتامى ظلما النار.
أجمل ذكر التحريم٤ لآكلها ظلما وباطلا في محكم تنزيله وأوضح المعاني التي يستحق بها٥ آكل مال غيره اسم الآكل ظلما وباطلا وما اللازم له من الأحكام في عاجل الدنيا وفسره على لسان رسول الله عليه وسلم
_________________
(١) ١ ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ الآية ٣٣من سورة النساء. ٢ ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ الآية ١١ النساء. ٣ لعل صوابه حذف: بيننا في كتابه. ٤ ن: لآكلها. ٥ ن: آكل.
[ ١٦٩ ]
نقل بعض ذلك التفسير الكل مجمعين عليه عامتهم وخاصتهم.
ونقل بعضه الحجة مجمعة عليه وبعضه مختلفة فيه ونحن مبينو كل ذلك إن شاء الله بعونه وقته فانا به وله وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم.
أجمع جميع الخاصة والعامة إن الله ﷿ حرم أخذ مال امرء مسلم أو معاهد بغير حق إذا كان المأخوذ منه ماله غير طيب النفس بأن يؤخذ منه ما أخذ وأجمعوا جميعا أن آخذه على السبيل١ التي وصفنا بفعله آثم وبأخذه ظالم وأجمعت الحجة التي وصفناها جميعا أن آخذه على السبيل التي وصفنا إن كان اخذه من حرز مستخفيا بأخذه وبلغ المأخوذ ما يجب فيه القطع أنه يسمى بما أخذ سارقا وإن كان أخذه مكابرة من صاحبه في صحراء أنه يسمى محاربا وقد ذكرنا في كتاب المحاربين اختلافهم في اسمه إذا أخذ ذلك مكابرة في مصر فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وأنه إن اخذ ما أخذ على السبيل التي وصفنا اختلاسا من يد صاحبه أنه يسمى مختلسا وأنه إن أخذه على هذه السبيل مما اوتمن عليه أنه يسمى خائنا وأنه إن اخذه على ما ذكرنا قهرا للمأخوذ منه وقسرا بغلبة ملك أو فضل قوة انه يسمى غاصبا٢.
_________________
(١) ١ ن: الذي وصفنا يفعله اثم ويأخذه ظالم. ٢ وقال ابن المنذر في الأشراف في كتاب الغصب: وقد أجمع أهل العلم علي أن الله جل وعز حرم أموال المسلمين والمعاهدين بغير حق فالأموال محرمة بنص كتاب الله جل وعز وبالأخبار الثابته عن رسول الله صلي الله عليه وسلم وبإجماع أهل العلم علي ذلك إلا بطيب أنفس المالكين من التجارات والهبات والعطايا وغير ذلك وقد أجمع أهل العلم علي أن من أخذ مالا لمسلم من حرزه مستخفيا بأخذه إنه سراق وقد ذكرنا ما يجب علي السارق في كتاب أحكام السراق وقد أجمعوا علي أن أن من أخذ أموال المسلمين مجاهرةفي الصحاري إن اخذه يسمي محاربا وقد ذكرنا في كتاب المحاربين ما يجب عليهم ودل حديث جابر علي أن من اختلس من يد مسلم شيئا يملكه أنه يسمي مختلسا وعلي من أودع وديعة فأخذها أو نقصها إنه يسمي خائنا. أبوبكر قال: عن استحق ابن إبراهيم الديري عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبي هريرة عن جابر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "ليس علي المختلس قطع وليس علي الخائنين قطع" قال أبو بكر: من أخذ مالا علي غير ما ذكرناه سمي غاصبا لا أعلمهم يختلفون فيه.
[ ١٧٠ ]
خرم
١القيمة استحسانا٢.
٣وقال أبو ثور عليه ثمنها وثمن ولدها فإن كان ثمنها أنقص مما كان يوم غصبها بنقص دخلها كان عليه ما نقصها وإنما قلنا بالثمن لأن الجارية ليست بمستهلكة فلا٤ تجوز عليه القيمة وهي في يده ولم يحكم بها للمدعي لأنها قد صارت أم ولد له ولها منه ولد فلا يصدق على إبطال حقها وحق ولدها ولم يكن له أن يطأ ولا يستمتع بجارية لغيره إلا بشراء وأما الولد فإن كان٥ وطؤه وطء زناء لم يلحق به النسب٦ ولا يصدق على نفيهم لقوله وهو ولده في الحكم وهي أم ولد له وإذا مات عتقت.
_________________
(١) ١ ضاع ما كان بينةهذه الورقة وبين الورقة الأولي من كتاب الغصب ويظهر أن موضوع هذا الباب إقرار الغاصب للمغصوب منه بالغصب وهل يجب عليه قيمة المغصوب أو ثمنه وحكم الجارية المغصوبة إذا ولدت بعد الغصب وحكم ولدها. ٢ هذا بقية قول أبي حنيفة وأصحابه ولعل ما ضاع قبل هذا شبيه قول ابن المنذر في كتاب الغصب من الأشراف: باب ذكر الدار يغصبها الرجل وتتهدم: وقال أصحاب الرأي: ليس علي الغاصب شئ قال: لأنه لن يحركها ولم يغيرها عن حالها: قال أبو يوسف: يضمن ولا يصدق علي المشتري استحسن ذلك وادع القياس فيه ثم رجع إلي قول [ي حنيفة قالأبو بكر: وقد ناقضوا في هذا وزعموا أن رجلا لو اغتصب جارية ثم باعها ثم أقر بعد البيع أنها جارية المغصوب منه أن عليه القيمة وكذلك قولهم في الحيوان كله ولي بين شئ من ذلك فرق إلا الاستحسان الذي من شاء فعل مثل فعلهم. ٣ أشراف: باب ذكر الغاصب يولد الجارية ويقر لرب الجارية بأنها له ولا بينه له وجحدت الجارية ذلك قال أبوبكر: وإذا غصب رجل جارية وأولدها ثم ادعاها رجل وأقر له الغاصب بها ولا بينة له فعليه قيمتها وقيمة أولادها وإن كان فيها نقصان فعليه ما دخلها من النقص ولا يحل له أن يطأها ولا يستمتع بها وذلك أنها جارية لربها وهم ولده في الحكم والجارية تعتق بنوته، وهذا علي مذهب الشافعي وأبي ثور غير أن أبا ثور قال: عليه ثمنها لأن القيمة لا تكون إلا المستهلكة وهي فائقة. ٤ ن: يجوز وإن كان عليه الخ. ٥ ن: وطيه وطي. ٦ لعل شيئا سقط في النسخة: أشراف: قال أبو بكر: وإذا أقام رجل جارية أنها له فادعت أن مولاها الأول قد كان أعتقها وقد ةلدت من المشتري وقال المولي: قد كنت أعتقها لم تقبل دعوىالجارية ولا قول المولي الذ ي باعها وذلك أن المشتري قد ثبت ملكه عليها فلا تصدق الجارية ولا البائع أنه كان أعتقها وهذا قول أبي ثور وأصحاب الرأي.
[ ١٧١ ]
١وقال إذا اغتصب رجل دارا فباعها وقبضها المشتري ثم أقر الغاصب أنه اغتصبها فإن لم تكن لرب الدار بينة كان على الغاصب ثمن الدار وذلك أنه أقر أنه أتلف مالا لإنسان ولا يقدر على تخليصه فعليه ثمنه.
وقياس قول مالك إن اقراره باطل وعليه ضمان قيمة الجارية للذي أقر له بها مع قيمة الولد.
_________________
(١) ١ أشراف إذا اغتصب رجل دار فباعها وقبضها المشتري ثم الغاصب أقر أنه اغتصبها فإن لم يكن لرب الدار بينة أنها داره كان علي الغاصب قيمة الدار لأنه أقر أنه أتلف مالا لإنسان ولا يقدر علي خلاصة فعليه قيمته وهذا علي مذهب الشافعي وبه قال أبو ثور غلا أنه قد يضمن ثمن الدار.
[ ١٧٢ ]