خرم الضمان والكفالة والحوالة
١قضائه اياه ذلك وذلك انه كان يقول الكفالة والضمان والحوالة معنى واحد وفي ضمان الضامن للمضمون له ما على غريمه وقبوله الضمان منه عنده براءة المضمون عنه من المال ووجوبه٢ له على الضامن فللضامن من أجل ذلك المطالبة بالمال الذي كان٣ عليه للمضمون له مثل الذي كان من ذلك للمضمون له على قوله.
فإن اتبع المضمون له بما كان له على غريمه الضامن فلم يقضه الضامن ما ضمن له عن صاحبه حتى قضى المكفول عنه الكفيل ما تكفل عليه لغريمه فذلك حق للكفيل كان٤ له قبل المكفول عليه يفعل به ما بدا له بمنزلة دين كان له قبل غريم له فقضاه إياه وذلك أن اتباع الغريم الكفيل براءة للمكفول عليه مما كان له قبله وتحول منه بحقه الذي كان له عليه على الكفيل وإن قضى ذلك المضمون عليه الضامن بعد اتباع الغريم بدينه الذي عليه الأصل وهو المضمون عنه كان للمضمون عنه حينئذ عندنا الرجوع على الضامن بما أعطاه من ذلك لأنه أعطاه مالا يحسب أنه لازم له إعطاؤه وهو له غير لازم فالواجب٥ عليه رده عليه وغير جائز له إنفاقه ولا التصرف به وذلك أن الضامن قد بريء من الضمان باتباع المضمون له المضمون عنه فلا شيء للضامن قبل المضمون عنه عندنا.
وأما على قول مالك فإن كان المضمون عنه أعطى الضامن ما أعطاه من
_________________
(١) ١ ضاع ما كان قبل هذا من الكتاب فكتب في أعلي هذه الصفحة: فيه متفرقات الضمان: ولعل القائل هنا أبو ثور: قال ابن المنذر في الأشراف: وكانأبو ثور يقول: الكفالة والحوالة سواء. ٢ أي علي المضمون له. ٣ أي علي المضمون عنه. ٤ ن: كان قبل. ٥ أي علي الضامن.
[ ١٨٦ ]
ذلك ليؤديه إلى المضمون له فليس للضامن إنفاقه ولا التصرف به وذلك أن الضامن في هذه الحال على قوله فيما أعطى على سبيل ما وصفت وكيل المضمون عنه في إيصال ما دفع إليه ليوصله إلى غريمه فليس له في ذلك إلا ما لوكيل الرجل في ماله وإن كان أعطاه ما أعطاه على أنه قضاء منه له ما لزمه له بسبب ضمانه عنه ما ضمن لغريمه فإن الواجب على قوله أن لا يتصرف به وأن يرده على المضمون عنه لأنه لا سبيل للمضمون١ له على الضامن في قوله ما كان المضمون عنه مليا٢ في القول الذي رجع إليه آخرا وإذا كان ذلك كذلك لم يكن للضامن في الحال التي لا سبيل للمضمون له اخذ ما للمضمون عنه على وجه الإقتضاء مما لزمه بضمانه لغرمائه ما ضمن له.
وأما على قياس قول الأوزاعي والثوري والشافعي فإنه ليس للضامن التصرف به ولا إنفاقه والواجب عليه إما رده على المضمون عنه وإما قضى غريمه ذلك عنه ليبرأ به من حقه قبله لأن قياس قولهم إنه ليس للضامن قبل المضمون عنه مال بضمانه عنه ما لم يقض غريمه الدين الذي ضمن له عنه٣.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن قضى المكفول عنه الكفيل المال الذي كفل عنه قبل أن يقضي المكفول له ما كفل له على صاحبه فجائز.
قالوا وللكفيل أن يتصرف به أو يكون له فضله من قبل أنه له
_________________
(١) ١ ن: عليه. ٢ قال الطحاوي في كتاب الكفالة والحوالة من كتاب اختلاف الفقهاء في باب في الكفالة بالمال: وقال مالك: إذا كان المطلوب مليا بالحق لم يأخذ الكفيل الذي كفل به عنه، ولكنه يأخذ حقه من المطلوب فإن نقص شئ من حقه أخذه من مال الحميل إلا أن يكون الذي عليه الدين فيخاف صاحب الحق إن يحاصه الغرماء أو كان غائبا فله أن يأخذ الحميل وبدعة. قال ابن القاسم: وقد كان مالك يقول له أن يأخذ أيهما شاء ثم رجع إلي هذا القول: قال المصحح لعل صوابه: أن يموت الذي عليه. ٣ أم: الكفالة والحمالة والشركة: قال الشافعي: وإذا كان للرجل علي الرجال المال فكفل له به رجل آخر فلرب المال أن يأخذهما وكل واحد منهما لا يبرأ كل واحد منهما حتي يستوفي ماله إذا كانت الكفالة مطلقة وإذا كانت الكقالة بشرط كان للغريم أن يأخذ الكفيل علي ما شرط دونما لم يشرط.
[ ١٨٧ ]
ولو هلك منه كان ضامنا له من قبل أنه أخذه على وجه الأقتضاء.
قالوا ولو اقتضاه الطالب من الذي عليه الأصل وغاب الكفيل ثم تقدم فإن للذي عليه الأصل أن يرجع بذلك على الكفيل من قبل انه أداها إلى الكفيل الأول مرة وأداها إلى الذي له الأصل.
قالوا ولو أن الذي عليه الأصل لم١ يؤدها إلى أحد ولكنه دفعها إلى الكفيل فقال أنت رسولي بها إلى فلان الطالب فهلكت من الكفيل كان الكفيل مؤتمنا في ذلك ويرجع به على الذي عليه الأصل.
قالوا ولو لم يهلك من الكفيل ولكنه عمل به فربح كان له الربح وإن وضع كانت عليه الوضيعة ويتصدق بالربح من قبل أن المال هو غاصب له قالوا ولو كان الدين طعاما فأرسل به الذي عليه الأصل مع الكفيل إلى الطالب فباعه الكفيل ثم اشترى طعاما مثله بدون ذلك فقضاه الذي٢ عليه الأصل فإن الربح له في قول أبي حنيفة.
وقال أبو حنيفة يتصدق به أحب إلي.
قال ولو كان أعطاه الطعام اقتضاه مما كفل به فباعه فربح فيه فإن الربح له ولو تصدق به كان أحب إلي وقال أبو يوسف ومحمد لا يتصدق به.
وأما على قول أبي ثور فإن المضمون عنه إذا أعطى الضامن المال الذي ضمنه عنه لغريمه فقد ملكه لأنه دين له عليه اقتضاه منه فله انفاقه والتصرف به وسواء كان قبضه ذلك من المضمون عنه قبل أدائه إلى المضمون له ما ضمن له عنه أو بعد أدائه ذلك إليه لأنه بضمانه ما ضمن عنه قد صار المضمون عنه غريما
_________________
(١) ١ ن: يردها. ٢ لعل صوابه: الذي له الأصل.
[ ١٨٨ ]
له وبرئ المضمون عنه مما كان للمضمون له قبله في قوله.
١قال وكفالة الرجل على كل من كفل عليه بمال المكفول له به ممن له على المكفول ذلك عليه جائز كائنا من كان ذلك المكفول عليه من ذكر أو أنثى قريب أو بعيد ولد أو والد صغير أو كبير بعد أن يكون المتكفل بذلك ممن يجوز فأما إن كان غير جائز حكمه في ماله فكفالته بما تكفل به من ذلك باطلة وهذا الذي قلناه قياس قول مالك والأوزاعي والثوري وهو نص قول أبي حنيفة وأصحابه وقياس قول الشافعي وأبي ثور.
ولو أن رجلا له على رجل ألف درهم إلى اجل فكفل بها رجل ولم يسم في الكفالة الأجل وتصادق الكفيل المكفول له على الأجل غير أن المكفول له طالب الكفيل إذ لم تكن وقعت عليه له شهادة بضمانه إلى الأجل الذي يحل بمجيئه المال على المكفول عليه فإنه لا يجب للمكفول له على الكفيل مطالبة قبل محل الأجل الذي إليه المال على صاحب الأصل لأن المال المضمون عن المضمون عنه إلى أجل فلا يصير حالا على الذي٢ هو عليه إلا بإبطاله الأجل وإنما يقوم الضامن إذا اتبعه المضمون له مقام المضمون عنه ولا يصير المال عليه حالا بضمانه إياه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه لو كان لرجل على رجل ألف درهم إلى أجل فكفل بها رجل ولم يسم في الكفل إلى أجل فان كفل فإن الكفيل لها ضامن إلى ذلك الأجل وإن لم يسم شيئا.
فإن مات الكفيل قبل محل الأجل فأراد المكفول له أخذ حقه من مال الكفيل ولم يكن اختار قبل ذلك مطالبة الذي عليه الأصل ولا اتبعه به بعد ضمان الضامن له به إلى أن أراد أخذه من مال الضامن بموته قبل مجيء الأجل
_________________
(١) ١ أي الطبري. ٢ ن: الذي عليه.
[ ١٨٩ ]
الذي إليه المال على الذي عليه الأصل فإن ذلك١ للمضمون له لأن الذي على الميت إلى أجل يحل بموته وإن كان اتبع بذلك المضمون عنه قبل قيامه بالمطالبة به في مال الضامن بعد موته لم يكن له ذلك وكان حقه على المضمون عنه والضامن منه بريء لما قد وصفنا قبل وإذا كان الضامن منه بريئا لم يكن للمضمون له بسبب ما كان منه بريئا على ماله سبيل.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن مات الكفيل قبل الأجل فهي عليه حالة تؤخذ من ماله قال فإن أخذ المكفول له ذلك٢ بقيامه في مال الكفيل من مال الكفيل قبل اتباعه الذي عليه الأصل لم يكن لورثة الكفيل بسبب ما اخذ المكفول له من ماله مطالبة المكفول عنه قبل انقضاء الأجل الذي بمجيئه يحل المال عليه من أجل أنه لم يكن للمكفول له اتباع الكفيل به قبل انقضاء ذلك الأجل لو كان حيا وإنما كان له أخذه من ماله بموته لما ذكرنا من العلة وهي أن ما كان عليه من دين إلى أجل صار حالا بموته فليس لورثته من اتباع المكفول عنه الأصل الذي كان له في حياته وكذلك لو كان٣ الميت هو الذي عليه الأصل قبل الأجل فأخذ حقه من ماله بحلول ما عليه من ديون غرمائه إلى أجل واختياره القيام بأخذه من ماله دون اختياره اتباع الكفيل به كان ذلك له إلا أن يكون قد كان اتبع الكفيل به قبل موت المكفول عنه أو قبل قيامه بذلك في مال الذي كان عليه الأصل فلا يكون له حيئذ على ماله سبيل وإنما يكون له اتباع الكفيل حينئذ ويصير الكفيل باتباع المكفول له إياه بدينه غريما من غرماء المكفول عنه يضرب في ماله بما اتبعه به المكفول له مع سائر غرمائه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن أخذ المكفول له حقه من مال الكفيل بموته لم
_________________
(١) ١ ن: المضمون. ٢ أي قيامه بأخذه. ٣ كذا في النسخة ولعل صوابه: الميت قبل الأجل هو الذي عليه الأصل.
[ ١٩٠ ]
يرجع ورثته على الذي عليه الأصل حتى يحل الأجل قالوا ولو مات الذي عليه الأصل قبل الأجل حلت عليه ولم تحل على الكفيل إلا إلى الأجل.
١وقال ولو أن رجلا له على رجل ألف درهم حال من ثمن بيع فكفل به له رجل إلى سنة فالكفالة جائزة في قول الجميع ولا سبيل لرب المال على الكفيل حتى ينقضي الأجل وله إن شاء اتباع المكفول عنه بحقه حالا فإن اتبع المكفول عنه به بريء الكفيل من تباعته٢ قبله بذلك للعلة التي قد بينا قبل.
وقال أبو حنيفة وأصحابه ليس للطالب أن يأخذ الذي عليه الأصل٣ بها حتى يحل الأجل قالوا وهذا من الطالب تأخير عن الذي عليه الأصل وقالوا ألا ترى أنه لو كان عليه ذكر حق بألف درهم وفلان كفيل به إلى سنة كان عليهما جميعا إلى سنة.
وهذا إغفال منهم على مذهبهم لأن٤ لرب المال عندهم لو أبرأ الضامن مما ضمن له لم يبرأ المضمون عنه وكان للمضمون له اتباع المضمون عنه بحقه حتى يستوفى جميعه فكذلك كان الواجب عليهم أن يقولوا إذا أخر الضامن بما ضمن لم يكن ذلك تأخيرا منه للمضمون عنه.
_________________
(١) ١ أي الطبري. ٢ بياعته. ٣ كذا في النسخة: أي الدراهم: زلعل صوابه: به: أي الأصل. ٤ كذا في النسخة.
[ ١٩١ ]