فالواجب على قول مالك ان لا تجوز الكفالة بالنفس في حد ولا قصاص ولا تجوز إلا في مال وذلك إذا كان يقول في الكفيل بالنفس اذا لم يكن له سبيل إلى الخروج من المكفول به إلى المكفول له فإنه يحكم عليه بما على المكفول به للمكفول له ولا سبيل في الحد والقصاص إلى اخذ الكفيل به اذ كان انما هو حق وجب في نفس بعينها١ لا ينقل إلى غيرها كما ينقل المال عمن وجب عليه في ماله إلى مال غيره.
وهذا قياس قول الأوزاعي.
وأما النعمان واصحابه فانهم قالوا إذا كفل رجل بنفس رجل
_________________
(١) ١ ن: إن لا.
[ ٢١٣ ]
والطالب يدعي قبله دم عمد أو قصاصا دون النفس أو حدا في قذف أو سرقة أو خصومة في دار أو وديعة أو عارية أو إجارة أو كفالة بنفس أو مال أو شركة فالكفالة بالنفس في ذلك جائزة قالوا وكذلك لو ادعى قبله وكالة أو وصية قالوا ولو لم يدع شيئا من ذلك غير انه كفل له بنفس رجل فانه جائز وكذلك لو ادعى قبله غصبا في حيوان أو مال أو عروض أو دار أو أرض فإن الكفالة بالنفس جائزة في هذا كله وقال إذا ادعى الرجل قبل الرجل حدا في قذف فقدمه إلى القاضي فأنكر المدعي قبله ذلك وسأل الطالب القاضي أن يأخذ له كفيلا بنفسه وقال بينتي حاضرة فإنه لا ينبغي للقاضي في قول أبي حنيفة أن يأخذ له منه كفيلا بنفسه ولكن يقول له الزمه ما بينك وبين قيامي فان احضر شهوده على ذلك قبل أن يقوم القاضي وإلا خلي سبيله وكذلك لو أقام عليه شاهدا واحدا فان أقام عليه شاهدين أو شاهدا عدلا يعرفه القاضي فإن القاضي ينبغي له أن يحبسه حتى يسأل عن الشهود ويأتي بشهادة الآخر ولا يكفله وهو قول أبي يوسف الأول وقال أبو يوسف بعد وهو قول محمد إذا قال بينتي حاضرة اخذت منه كفيلا ثلاثة أيام حتى تحضر بينته وقالوا جميعا إذا ادعى رجل على رجل متاعا سرقه منه أو مالا وقال بينتي حاضرة فإنه يؤخذ له كفيل بنفسه ثلاثة أيام من قبل انه ادعى مالا وقالوا ولو قال قد قبضت السرقة منه ولكن أريد أن أقيم عليه الحد فخذ منه كفيلا حتى أحضر الشهود لم يؤخذ منه كفيل حتى يحضر الشهود قالوا ولو أن قوما اخذوا رجلا مع امرأة فقدموهما إلى القاضي وقالوا انا وجدنا هذا مع هذه المرأة١ وعليهما شهود بالزناء فخذ منهما كفيلا بأنفسهما حتى تحضرك الشهود عليهما لم يأخذ منهما القاضي كفيلا بأنفسهما وكذلك الحد في الخمر والسكر فان قامت على الزناء أربعة شهود أو على الخمر والسكر شاهدان أو على سرقة شاهدان فإنه لا كفالة في شيء من ذلك ولكنه يحبس حتى يسأل عن الشهود فإن شهد على ذلك واحد لا يعرفه القاضي لم يحبس المشهود عليه في شيء من
_________________
(١) ١ ن: وعليها.
[ ٢١٤ ]
ذلك فان كان في الزنا فطلب المشهود عليه حد القذف من الشاهد فإنه يؤخذ له بحقه فان قال الشاهد عندي أربعة شهداء عليه بالزناء فان الشاهد يؤجل في ذلك إلى قيام القاضي ولا يخلى عنه ولا يؤخذ منه كفيل ولكن الطالب يلزمه ولو قال الشاهد ان المشهود عليه عبدا كان القول قوله وعلى المشهود عليه البينة انه حر فإن طلب المقذوف إلى القاضي أن يأخذ له من الشاهد كفيلا حتى تحضر البينة على أنه حر فإنه لا يؤخذ منه له كفيل ولكن يحبس القاذف ويؤجل المقذوف أياما فإن أحضر البينة أخذ له بحقه وإن أقام رب السرقة شاهدين على السارق١ والسرقة بعينها في يديه فإنه لا يؤخذ منه كفيل ولكنه يحبس وتوضع السرقة على يدي عدل فإن زكي الشهود أمضى عليه الحد وقضى بالسرقة للطالب.
قالوا فإذا ادعى رجل قبل رجل شتيمة أو أمرا فيه تعزير فأراد كفيلا حتى تحضر بينته وقال بينتي على ذلك حاضرة فإنه يؤخذ له منه كفيل بنفسه ثلاثة أيام في قول أبي يوسف ومحمد لأن هذا ليس بحد وهذا تعزير وهذا من حقوق الناس ألا ترى أنه لو عفا عنه وتركه جاز ذلك وإذا ادعت امرأة قبل زوجها أنه قذفها بالزنا وقالت بينتي حاضرة فخذ لي منه كفيلا بنفسه فإنه لا يؤخذ لها منه كفيل بنفسه في قول أبي حنيفة لأن اللعان حد وكذلك لو كان زوجها عبدا وهي حرة وكذلك الرجل الحر تقذفه امرأته وكذلك الرجل الحر يقذفه العبد بالزناء وكذلك المكاتب يقذف الحر بالزناء وكذلك أم الولد تقذف الرجل الحر أو المدبر يقذف الحر أو الذمي يقذف الحر المسلم فيقدمه إلى القاضي في جميع ذلك فينكر المدعي قبله القذف فإنه لا يؤخذ منه كفيل بنفسه ولكنه يؤمر أن يلزمه فيما بينه وبين قيام القاضي في قول أبي حنيفة وكذلك
_________________
(١) ١ ن: وعلي السرقة.
[ ٢١٥ ]
كل ذي رحم محرم وكذلك الولد يقذف والده أو أمه فإن ذلك كله سواء وإذا ادعى الولد قبل الوالد القذف وطلب أن يأخذ له منه كفيلا بنفسه فإنه يوخذ منه كفيل بنفسه ولا يترك أن يلزمه وكذلك الولد يدعي قبل أمه القذف وكذلك العبد يدعي قبل ١مولاه أنه قذف أمه وهي حرة ميتة فإنه لا يؤخذ له منه كفيل بنفسه ولا يؤمر أن يلزمه لأنه لو أقام بينة على ذلك لم يضرب الحد وإذا ادعى رجل قبل عبد قذفا فأراد أن يؤخذ له منه كفيل بنفسه وبنفس مولاه فخاف أن لا يقام عليه الحد إلا بمحضر من مولاه فإنه لا يؤخذ له من واحد منهما كفيل بنفسه في ذلك ولكن يؤمر أن يلزم العبد ومولاه إلى أن يقوم القاضي في قياس قول أبي حنيفة.
قالوا وإذا ادعى رجل قبل رجل حدا في قذف وأقام عليه شاهدين على شهادة شاهدين وطلب كفيلا بنفسه فإنه لا يؤخذ منه كفيل بنفسه ولا يحبس له لأن هذا لا يقبل في الحدود قالوا ولو كان هذا في سرقة أخذ منه كفيل بنفسه حتى يسأل عن الشهود فإن زكوا قضي عليه بالمال وكذلك شهادة امرأتين ورجل في ذلك قالوا وإذا ادعى رجل قبل رجل عبد قذفا فأقام عليه بينة بمحضر من مولاه فإن العبد يحبس له فيؤخذ له من مولاه كفيل لأن العبد لا يقضي عليه بالحد إلا بمحضر من مولاه وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه وقال أبو ويوسف في العبد إذا قامت عليه بينة بقذف أو بحد زناء أو بقتل عمد فإني أقبل عليه البينة وإن لم يحضر المولى من قبل أنه لو أقر بذلك جاز عليه.
وقال أبو حنيفة لا أقبل البينة عليه في ذلك إلا بمحضر من مولاه ولو أقر جاز ذلك عليه وقال محمد مثل قول أبي حنيفة.
_________________
(١) ١ ن: مولاته.
[ ٢١٦ ]
وقالوا جميعا إذا ادعى رجل قبل رجل قصاصا في نفس أو دونها فقدمه إلى القاضي فأدعى ذلك وأنكر الرجل ذلك وقال الطالب عندي شهود حضور فخذ لي كفيلا بنفسه حتى احضر الشهود فإنه لا يأخذ له كفيلا بنفسه وإن أقام على ذلك شاهدا واحدا لم يؤخذ له منه كفيل بنفسه وقالوا لا كفالة في قصاص في نفس ولا فيما دونها وهو في ذلك بمنزلة الحد قالوا ولو أقام شاهدين على شهادة شاهدين أو رجلا وامرأتين على ذلك لم يحبس له بذلك لأن شهادة النساء لا تجوز في ذلك ولا شهادة على شهادة.
قالوا وكذلك في كل ما وجب١ فيه القصاص فإنه لا يؤخذ فيه كفيل بالنفس قالوا وكل ما لا قصاص فيه وكان يكون فيه الأرش فإنه يؤخذ فيه كفيل بنفسه إذا ادعى الطالب بينة حاضرة قالوا وإذا ادعى رجل قبل رجلين قصاصا في نفس وقال عندي بينة حاضرة فأقر أحدهما وجحد الآخر فإن المقر منهما يحبس ويلزم الطالب المطلوب الذي جحد ما بينه وبين أن يقوم القاضي فإن شهد له شاهدان حبس وإن لم يشهد له شاهدان خلي سبيله ولم يحبس له ولم يؤخذ له منه كفيل.
قالوا وإذا ادعى رجل قبل رجل قتل خطأ أو جراحة دون النفس خطأ وادعى بينة حاضرة وسأل القاضي أن يأخذ له كفيلا بنفسه فإنه يأخذ له منه كفيلا بنفسه ثلاثة أيام فإن أحضر بينته أخذ له بحقه وإن لم يحضر له بينة خلى سبيله وأبرأ كفيله ولو أقام شاهدين عدلين على ذلك قضي له بالدية ولا حبس على القاتل في ذلك ولا كفالة إلا أن يكون القاتل داعرا فيحبس لدعارته.
قالوا وإذا ادعى رجل حر قبل امرأة قطع يد عمدا أو شجة عمدا
_________________
(١) ١ ن: في.
[ ٢١٧ ]
وقال لي بينة حاضرة فإنه يؤخذ له منها كفيل لأنه لا قصاص بينهما وكذلك الحر يدعي قبل العبد قطع يد عمدا أو جراحة عمدا.
قالوا ولو أن رجلا ادعى قبل رجل منقلة عمدا أو هاشمة أو آمة أو جائفة أو قطع يد من غير مفصل أو كسر يد أو سن ضربها فاسودت أخذ١ بذلك في ذلك كله كفيل بنفسه إن ادعى بينه حاضرة ثلاثة أيام في قول أبي يوسف وإن قال بينتي غيب لم يؤخذ له كفيل في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يأخذ في هذا كله كفيلا بنفسه ثلاثة أيام في العمد وغيره وفيما فيه القصاص حتى تقوم البينة فيما بينه وبين ثلاثة أيام فإن قامت البينة حبس في القصاص ولا يؤخذ منه كفيل وأبرأ ذلك الكفيل قالوا وإذا ادعى رجل قبل رجل شتيمة فاحشة وادعى بينة حاضرة وطلب كفيلا بنفسه فإنه يؤخذ له كفيل بنفسه ثلاثة أيام فإن لم تحضر بينته أبرأ كفيله ولو أقام عليه شاهدين بالشتيمة لم يحبس المدعى عليه ولكن يؤخذ منه كفيل بنفسه حتى يسأل القاضي عن الشهود فإن زكوا عزر أسواطا ولا يحده ولا يحبسه وإن رأى الحاكم أن لا يضربه وأن يحبسه أياما عقوبة فعل وقالوا ألا ترى أنا نجعل الحبس عقابا فكيف يحبسه قبل البينة قالوا وإن كان المدعى عليه رجلا له مروة وخطر اسحتسنا أن لا نحبسه ولا نعزره إذا كان ذلك أول ما فعل الجوزجاني عن محمد.
وقال بكير بن عبد الله بن الأشج بما "حدثني يونس قال حدثنا ابن وهب قال حدثني مخرمة بن بكير بن عبد الله عن أبيه قال"٢ قال لا تقبل حمالة في دم ولا في سرقة ولا شرب خمر ولا في شيء من حدود الله وتقبل فيما سوى ذلك.
_________________
(١) ١ ن: ذلك. ٢ ن: يقال.
[ ٢١٨ ]
وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يرون الكفالة في الحدود "حدثنا هارون بن اسحق الهمداني قال حدثنا مصعب بن المقدام قال حدثنا اسرائيل قال حدثنا أبو اسحق"١ قال صليت الغداة مع ابن مسعود فلما سلم قام رجل فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فوا لله لقد بت البارحة وما في نفسي على أحد من الناس حنة٢ فما دريت ما الحنة حتى سألت شيخا إلى جنبي فقال العدواة والغضب والشحناء ثم قال الرجل إني كنت استطرقت رجلا من بني حنيفة فرسي وإنه أمرني أن آتيه بغلس فأتيته ثم ذكر قصة فيها طول ذكر فيها أن٣ مؤذنهم أذن فقال في اذانه اشهد أن مسيلمة رسول الله٤ وأن امامهم صلى بهم فقرأ في صلاته بما كان مسيلمة سجع به٥ قال فأرسل إليهم عبد الله فأتي بهم فأمر بابن النواحة٦ فقتل قال ثم ان عبد الله شاور أصحاب محمد في بقية القوم فقام عدي بن حاتم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فثؤلول من الكفر طلع رأسه فاحسمه فلا يكن بعده شيء وقال جرير والأشعت استتبهم وكفلهم عشيرتهم فاستتابهم وكفلهم عشيرتهم٧.
وعلة من قال لا تجوز٨ الكفالة في حد ولا قصاص ما ذكرت قبل.
وأما علة من أجاز ذلك بالقياس على إجماع الجميع من الحجة على إجازة
_________________
(١) ١ كأن صوابه: قال: حدثنا حارثة بن مضرب، قال: صليت الخ. ٢ لعل قائل ذلك الطبري. ٣ في تجريد القدوري: سمع ابن النواحة يؤذن ويقول: أشهد الخ. ٤ لم أجد هذا في غير رواية الطبري. ٥ أي حارثة. ٦ قتله قرظة بن كعب الأنصاري. ٧ وفي التجريد: واختلاف الفقهاء للطحاوي أنه تفاهم إلي الشام، وفي إحدي الروايات عند الطحاوي إن عثمان رآه سئل عن الواجب في أمرهم فأجاب أن يستتابوا. ٨ لعل صوابه: الكفالة بالنفس.
[ ٢١٩ ]
الكفالة بالنفس في المال فكذلك كفالة١ بعين المكفول به في حق يجب عليه الخروج منه إلى من يكفل له به من ماله فمثله الكفالة به فيما يجب عليه الخروج من نفسه من حق لزمه لله جل وعز أو لآدمى.
والصواب في ذلك من القول عندنا ما صح به الخبر عن ابن مسعود وجرير والأشعت أن الكفالة بنفس من لزمه حق لله جل ثناؤه أو لآدمي جائزة وإن على الكفيل به التسليم إلى من يكفل له به لأن المكفول به هو الشخص الذي لزمه الحق لا ما لزم جسمه فالكفيل بتسليم ما لزمه تسليمه إلى من لزمه تسليمه إليه مأخوذ فإن ظن ظان أن الحد حق لله جل وعز يجب على الإمام إقامته على من لزمه وليس بحق لآدمي وإذا كان ذلك كذلك لم يكن للمكفول به خصم في الحد فيحكم عليه بإعطاء الكفيل بنفسه فإن الخصم في مطالبته بذلك الإمام الذي جعل إليه إقامة الحد الذي لزمه٢ عليه فله أخذ الكفيل منه في ذلك إذا قامت عليه بينة بما يوجب عليه الحد حتى يسأل عن البينة إذا لم يكن يعرفهم بالعدالة إن رأى ذلك وخاف هرب المشهود عليه وأما فيما كان من قصاص فالخصم فيه المجني عليه إذا كان فيما دون النفس فإذا كفل للمجني عليه كفيل بنفس الجاني ثم طالبه به المجني عليه فلم يسلمه إليه وهو على تسليمه إليه قادر حبس له حتى يخرج إليه من كفالته وإن كنا لا نرى للحاكم إلزام أحد احتكم إليه مع خصم له إعطاء خصمه كفيلا بنفسه لأنه لا حال له إلا اثنتان إما حال قد بان للحاكم فيها وجه الحكم فلا وجه لامرء قد توجه عليه الحكم بإعطاء خصمه كفيلا بل الواجب عليه إمضاء الحكم عليه أو حال لم يبن له فيها الحكم فلا وجه أيضا لتعنت من لم يثبت عليه حق لخصمه بتكفيله وإعطائه الكفيل بنفسه من وجه الحكم ولكنه إن رأى فعل ذلك على وجه المصلحة ففعله لم أره مخطئا إذ كان للسلطان حمل رعيته على ما فيه مصلحتهم مما لا يكون فيه خروج عما أطلق الله له وأذن له به.
_________________
(١) ١ ن: بغير. ٢ ن: علمه.
[ ٢٢٠ ]