فقال الثوري في رجل كفل لرجل برجل إلى شهر فجاءه قبل الشهر قال لا يبرأ من كفالته إذا جاء به دون الوقت "حدثني بذلك علي عن زيد عنه" و"حدثنا علي قال حدثنا زيد عن سفيان أنه قال" إذا كفل وقال أدفعه١ إلى غدا فلم يطلبه صاحب الحق قال لا يبرأ حتى يأيته أو يأتي به القاضي. ٢قال وقال سفيان في رجل كفل برجل ولم يسم مكانا يدفعه إليه فلقيه بالبرية فأراد أن يدفعه إليه قال لا يبرأ حتى يدفعه إليه في ناحية المصر.
وقال أبو حنيفة لو شرط رجل على رجل في الكفالة بالنفس أن يوافيه به غدا في مكانه القاضي فإن لم يوافه به هناك فعليه ما عليه فدفعه الكفيل إلى الطالب الغد في السوق فهو بريء من المال.
وقال وكذلك ٣الكناسة وكذلك ناحية من المسجد غير مكان القاضي وكذلك لو كان الأجل شهرا واشترط عند مكان القاضي فدفعه في مصر آخر عند قاضيه أو في سوقه فهو بريء من المال في قول أبي حنيفة وأما في قول أبي يوسف ومحمد فإنه لا يبرأ إذا دفعه إليه في غير المصر الذي كفل به.
_________________
(١) ١ ن: إلي: ولعل صوابه: اليك. ٢ لعله علي. ٣ الكناسة موضع بالكوفة.
[ ٢٢٧ ]
وقالا لو دفعه إليه قبل الأجل وبرئ إليه منه بريء من الكفالة بالنفس ومن المال ولو دفعه إليه بالسواد أو في١ كور من كور الجبل في غير مصر ولا مدينة وعند غير سلطان لم يبرأ وكان المال للكفيل لازما إذا مضى الأجل قبل أن يدفعه إليه عند السلطان.
قالا ولو شرط له أن يدفعه إليه عند الأمير٢ أو عند هذا القاضي فاستعمل الأمير قاضيا غيره فدفعه إليه عنده فإنه بريء من الكفالة في قول أبي حنيفة وأصحابه إلا في خصلة واحدة وهو أن يكفل له أن يدفعه إليه في مصر فيدفعه إليه في غيره فلا يبرأ.
وقالوا لو كفل رجل بنفس رجل على أنه إن لم يواف به إلى كذا وكذا من الأجل فعليه المائة الدرهم التي عليه فتغيب الطالب عند محل الأجل فطلبه الكفيل وأشهد على طلبه ولم يدفع إليه الرجل فإن المال لازم للكفيل.
قالوا ولو كان اشترط عليه مكانا فوافاه به في ذلك المكان وأشهد وتغيب الطالب حتى مضى الأجل فان المال لازم للكفيل ولو كان الكفيل اشترط في الكفالة أنه بريء منه إذا وافاه به المسجد الأعظم وأشهد على ذلك يوم كذا فوافاه به الكفيل المسجد يومئذ وأشهد وغاب الطالب أو لم يحضر فإن الكفيل بريء من الكفالة بالنفس والمال وكذلك هذه الكفالة لو كانت بالنفس بغير مال.
وقالوا إذا كفل رجل بنفس رجل إلى٣ غد فإن لم يواف به غدا في المسجد فعليه المائة الدرهم التي عليه واشترط الكفيل على الطالب إن لم تواف غدا المسجد فتقبضه مني فأنا منه بريء فالتقيا بعد الغد فقال الكفيل قد وافيت
_________________
(١) ١ لعل صوابه: كورة من كور. ٢ لعل صوابه: وعند. ٣ ن: إلي غدا.
[ ٢٢٨ ]
وقال الطالب قد وافيت فإنه لا يصدق واحد منهما على الموافاة والكفالة على الكفيل على حالها والمال له لازم فإن جاء كل واحد منهما بالبينة على الموافاة إلى المسجد ولم يشهدوا على دفع الكفيل١ إلى المكفول به إليه فإن الكفالة على حالها والمال لا يلزم الكفيل فإن أقام المطلوب البينة على الموافاة إلى المسجد ولم يقم الطالب البينة فالكفيل بريء من كفالته بالنفس والمال لا يصدق الطالب على الموافاة.
قالوا ولو كفل بنفسه على أن يدفعه إليه غدا فإن لم يفعل فالمال عليه واشترط الكفيل إن لم٢ توافني به فتقبضه مني فأنا بريء من الكفالة والمال فلم يلتقيا من الغد فإن الكفيل بريء والقول قول الكفيل إن الطالب لم يواف مع يمينه وعلى الطالب البينة ولا يشبه هذا الباب الأول لأن الكفيل ها هنا٣ لم يشترط علية الموافاة به في مكان كما اشترط عليه في الباب الأول.
قالوا وإذا ضمن رجل رجلا بنفسه لفلان فإن لم يواف به إلى شهر فعليه ما عليه وهو ألف درهم فمات الكفيل قبل الشهر وعليه دين ثم مضى الشهر قبل أن يدفع ورثة الكفيل المكفول به إلى الطالب فإن المال يلزم الكفيل ويضرب الطالب به مع الغرماء من قبل أنه قد لزمه يوم كفل به وكذلك لو مات المكفول به ثم مات الكفيل قبل الشهر.
والصواب من القول عندنا في الرجل يكفل لرجل بنفس غريم له يوافيه به غدا في مكان يسميه له من البلدة التي هما بها أو في مجلس القاضي فإن لم يوافه به هنالك فعليه ما عليه وهو ألف درهم أن الكفيل لا يبرئه من الكفالة بنفس من يكفل به إلا٤ بموافاته ما عليه وهو ألف درهم أن المكفول له في الموضع الذي
_________________
(١) ١ أي دفع المكفول به إيه. ٢ ن: يوافه به فتقبضه. ٣ ن: هاهنا يشترط. ٤ أي إلا يبرأبموافاته.
[ ٢٢٩ ]
شرط له أن يوافيه به كما لو أسلم إليه مالا في طعام موصوف يوفيه إياه في موضع من البلد معروف لم يبرئه مما لزمه من تسليم ما لزمه تسليمه إليه في ذلك السلم إلا١ بأن يوفيه ذلك الطعام في الموضع الذي شرط عليه المسلم إيفاءه إياه فيه فكذلك حكم من شرط عليه في الكفالة بالنفس تسليم المكفول به في موضع من المصر أو المسجد لا يبرئه تسليمه إليه في غير ذلك من الأماكن إلا أن يبرئه المكفول له من الواجب له عليه بسبب ذلك الشرط.
ومن فرق بين حكم ذلك سئل البرهان على ما ادعى من الفرق بين ذلك من أصل أو نظير وأما ما أوجب الكفيل على نفسه للمكفول له من المال الذي على المكفول به إن لم يوافه به فقد بينا قبل ما يدل على فساد قول من ألزمه المال بتركه الموافاة بما اغني عن إعادته في هذا الموضع وكذلك القول عندنا لو كان اشترط عليه أن يدفعه إليه بعد انقضاء الشهر فجاء به قبل انقضاء الشهر فإنه لا يبرأ من الكفالة بموافاته به قبل انقضاء الشهر كما لا يبرأ بموافاته به إذا اشترط عليه أن يوافيه به في مكان من البلد إذا وافاه به في غير ذلك المكان لما وصفت من العلة قبل.
وأما القول في الذي يكفل لرجل بنفس غريم له عليه ألف درهم على أنه إن لم يوافه به عند انقضاء شهر كذا فعليه له ما له على المكفول به فيوافيه به في الوقت الذي شرط عليه موافاته به فيتغيب رب المال عن الكفيل فإن الكفيل لا يبرأ من الكفالة بالنفس من أجل أنه لم يسلم من كفل به إلى من كفل له
وأما الذي على الغريم من المال فإنه لا يلزمه لما قد بينا قبل من أن ذلك من معاني الخطار وكذلك حكم الكفيل لو شرط على المكفول له أنه بريء من الكفالة إذا وافى بصاحبه من غد مسجد كذا حضر المكفول له فأبرأه أو لم يحضر
_________________
(١) ١ أي إلا أن يبرأ بأن.
[ ٢٣٠ ]
فوافى به من الغد المسجد الذي شرط له موافاته به فتغيب المكفول له لم يبرأ الكفيل من كفالته وكانت الكفالة له لازمة بهيئتها وإن وافى الكفيل به المسجد وحضره المكفول له وسلمه إليه ثم اختلف الكفيل والمكفول له في تسليم المكفول به إلى المكفول له فإن القول في ذلك قول المكفول له إذا قامت على الكفيل البينة بالكفالة أو أقر بها وإن قامت للكفيل البينة بتسليم المكفول به إلى صاحبه في الموضع الذي شرط عليه تسليمه إليه فيه بريء من الكفالة.
وإما القول في رجل يكفل بنفس رجل لآخر له عليه ألف درهم يدفعه إليه عند انقضاء شهر كذا فإن لم يدفعه إليه في ذلك الوقت فهو ضامن للألف الذي له عليه فيموت الكفيل قبل مجيء الوقت الذي ضمن له١ دفعه ثم يحل الوقت فإن الصواب من القول في ذلك عندنا أنه لا يلزم ورثة الكفيل بسبب كفالة ميتهم بنفس من تكفل به شيء ولا يجب في مال الكفيل للمكفول له بسبب ذلك حق وذلك أن الميت إنما كان عليه تسليم المكفول به إلى المكفول له لو كان حيا دون تسليم ما على المكفول به من المال وقد دللنا قبل على أن قوله فإن لم أدفعه إليك في وقت كذا فما عليه لك فهو علي غير موجب له عليه حقا إن لم يدفعه إليه في ذلك الوقت وأنه إنما يتبع بالمطالبة تسليم المكفول به إلى من يكفل له به ولكن المكفول له به لو مات قبل مجيء الأجل الذي تشارطاه بينهما ثم جاء الأجل وأقامت ورثة المكفول له على الكفيل ٢بالمطالبة بتسليم المكفول بنفسه ٣لميتهم إليهم لزمه تسليمه إليهم إذا لم يكن للميت وصي ولم يكن عليه دين ولا كان أوصى بشيء لأن ذلك حق لهم عليه كما كان ذلك حقا لميتهم عليه وصاروا في القيام عليه بمطالبته به مكان الميت كنحو قيامهم بما جعل له بعده مما كان له في
_________________
(١) ١ أي دفعة فيه. ٢ الباء زائدة. ٣ ن: يمتهم.
[ ٢٣١ ]
حياته فإن كان للميت وصي لم يبرأ الكفيل بتسليمه المكفول به إلى ورثة المكفول له به ولكنه لو سلمه إلى وصي الميت بريء من الكفالة.
وكذلك لو كان على الميت دين أو كانت له مع الدين وصايا فسلمه إلى الوصي برئ من الكفالة إذا كان الوصي وصيا في ذلك كله فإن لم يسلمه إلى الوصي ولكنه سلمه إلى الغريم دون الورثة أو إلى الغريم والورثة لم يبرأ بذلك من الكفالة دون تسليمه إلى الوصي لأن الخصم في دين الميت ووصاياه وصيه إذا كان الورثة صغارا فإن كان الوارث ممن يجوز أمره في نفسه وماله لم يبرأ الكفيل من الكفالة إلا بتسليم المكفول به إلى وصي المكفول له وورثته لأنهم حينئذ جميعا خصومه ولكل واحد منهم مطالبته أما الوصي فيما أسند إليه القيام به من صرف ثلثه فيما أمره بصرفه فيه وأما الورثة فبقدر حقوقهم قبله بميراثهم ذلك عن ميتهم وإن دفعه إلى بعض دون بعض وبرئ إليه منه لم يكن ذلك براءة له من مطالبة من لم يبرأ إليه منه وكان للآخرين مطالبته بكفالته لهم.
وبالذي قلنا في ذلك قال أبو حنيفة وأصحابه.
[ ٢٣٢ ]