فقال أبو حنيفة ومحمد كل كفالة بنفس كانت والطالب غير حاضر فإنها باطل لا تجوز قالا وكذلك المال غير أنا نستحسن إذا أوصى الرجل بوصية وقال لولده أو لبعضهم اضمنوا عني ديني فضمنوه والغرماء غيب فإن هذا جائز وإن لم يسم ذلك نستحسن ذلك وقالا لو كان هذا في الصحة لم يجز ولم يلزم الكفيل شيء وهو قول أبي يوسف الأول ثم رجع أبو يوسف وقال الكفالة في ذلك كله غير جائزة وإن لم يحضر المكفول له.
والصواب من القول في ذلك عندنا أن المكفول له كفالة من كفل له
[ ٢٣٢ ]
بنفس غريمه أو بما له عليه في حال غيبته عنه بالخيار في قبول الكفالة وترك قبولها فإن قبل ذلك كانت له مطالبة الكفيل بما كفل له به وإن ترك مطالبته بها وأخذه بها بطلت كفالته له بمن كفل له به وإنما جاز للمكفول له مطالبته بمن كفل له بنفسه وهو عن ذلك غائب في الحال التي كفل له بها لصحة الخبر عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه صلى على الميت الذي كان عليه الدين إذ ضمن ما عليه أبو قتادة من غير حضور من له الدين في وقت ضمانه عنه ما ضمن من ذلك فكان كل ضمان وكفالة كان من ضامن وكفيل المضمون به مثله حاضرا كان المضمون ١له أو غائبا في حال ضمان الضامن له من ضمن له.
٢وقال أبو حنيفة ومحمد لو قال رجل لقوم اشهدوا أني كفلت لفلان بنفس فلان والمكفول به حاضر والطالب غائب فإن هذه كفالة باطلة وإن قدم الطالب فأجاز ذلك فإنه لا يجوز من قبل أنه لم يكن له مخاطبا حين كفل.
قالا وإن قدم الطالب فادعى أنك كنت كفلت لي به وإنما اشهدت على نفسك بشيء كان منك قبل ذلك وكفلت لي به وأنا غير حاضر فإن القول قول الطالب ويأخذه بالكفالة من قبل أن الكفالة على وجهين قد تكون إقرار ابشيء ماض منها وتكون مستقبلة فإن قال الطالب هي ماضية فهي جائزة وإن قال هي مستقبلة فهي باطلة في قول أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف الكفالة جائزة وإن لم يكن له مخاطبا والماضي منها والمستقبل واحد وقالوا إذا قال الرجل للرجل إن لفلان على فلان مالا فاكفل له بنفسه فكفل له بنفسه وفلان الطالب غائب ثم قدم فلان فرضي
_________________
(١) ١ ن: له. ٢ ن: قال وقال.
[ ٢٣٣ ]
بذلك فهو جائز ويأخذه به لأنه قد خاطبه مخاطب وإن لم يكن وكيلا وللكفيل أن يخرج من الكفالة قبل قدوم فلان الطالب وليس للمخاطب أن يخرجه حتى يحضر الطالب.
قالوا وإذا وكل رجل رجلا بأن يأخذ له من فلان كفيلا بنفسه فأخذ كفيلا بنفسه فإن كان الكفيل كفل للوكيل فإنه لا يأخذه الوكيل بذلك ولا يأخذه الموكل وإذا كفل به للموكل أخذه الموكل ولا يأخذه الوكيل وإن دفعه في الوجهين جميعا إلى الموكل برئ من الكفالة.
والصواب من القول عندنا: في الكفالة بنفس رجل لرجل بمخاطبة آخر إياه بذلك إن الكفالة للكفيل لازمة ولا سبيل للكفيل إلى الخروج من الكفالة إلا١ ببراءة المكفول له إياه من الكفالة أو بتسليمه المكفول به إلى المكفول له به أو إلى من قام مقامه لما وصفنا قبل من صلاة النبي صلي الله عليه وسلم على من ضمن أبو قتادة دينه من غير حضور الغريم المضمون ذلك له ولولا لم يكن لزم أبا قتادة المال بضمانه إياه لم يكن النبي صلي الله عليه وسلم ليصلي عليه بعد امتناعه من الصلاة بسبب دينه الذي كان عليه لغرمائه وأما إذا وكل الرجل وكيلا بأخذ كفيل له من رجل بنفسه له عليه حق ففعل الوكيل ذلك فإن القول عندنا في ذلك إن كان قال للكفيل اكفل بنفس فلان لفلان ففعل ذلك ثم سلم الكفيل إلى المكفول له غريمه الذي كفل بنفسه دون وكيله الذي تولى تكفيله إياه له برئ من الكفالة وإن لم يكن بين له ذلك ولا أقر به بعد الكفالة فإنه لا يبرأ الكفيل إلا بتسليم من كفل له بنفسه إلى من كفل له به.
وكذلك وصي ميت لو كفل غريما للميت من رجل بنفسه فدفعه الكفيل إلى ورثة الميت أو إلى غرمائه لم يبرأ منه في قولنا وقولهم لأن الكفالة للوصي دونهم.
_________________
(١) ١ البراءة هنا بمعني الإبراء.
[ ٢٣٤ ]