فقياس قول مالك أنه إذا بايعه المقول ذلك له فوجب له عليه شيء فهو لازم الضامن إذا كان ذلك قدر ما حد له لم يجاوزه وذلك أن يونس بن عبد الأعلى "حدثني قال أخبرنا ابن وهب قال قال مالك" في رجل قال لرجل أنا لك على بمالك فلان فخرق ذكر الحق الذي عليه واطلبني بما عليه فخرق ذلك وطلبه بما له عليه فإن ذلك جائز.
وقال الثوري في رجل لقي رجلا قد لزم رجلا فقال خل عنه وما كان لك عليه من حق فهو علي قال ليس بشيء حتى يسمي ما عليه "حدثني بذلك علي بن سهل قال حدثنا زيد عنه".
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا قال الرجل لرجل بع فلانا فما بعته من شيء فهو علي فهو جائز وإن لم يوقت لذلك وقتا وإن باعه بألف درهم أو أكثر أو أقل فهو جائز وكذلك لو باعه بالدنانير وكذلك لو باعه بذهب تبر أو فضة أو بشيء مما يكال أو يوزن فهو جائز والكفيل ضامن لذلك فإن
[ ٢٣٨ ]
جحد الكفيل فقال لم تبعه وقال الطالب بعته متاعا بألف درهم وأقر المطلوب المكفول عنه بما قال الطالب فإن المال يلزم الكفيل والمكفول عنه.
وقالوا ألا ترى انه لو قال ما لزمه لك من شيء فأنا ضامن له فأقر المكفول عنه بألف درهم فادعى الطالب١ وجحد الكفيل فقال لا شيء لك عليه إن القول في ذلك قول المطلوب والطالب ويؤخذ الكفيل بذلك كله.
قالوا وهذا استحسان والقياس في هذا أن لا يؤخذ بشيء حتى يقيم البينة على ما باعه به قالوا ولو قال الكفيل قد بعته بخمس مائة وقال الطالب بعته بألف وأقر بذلك المكفول عنه فإنه يؤخذ بألف ويؤخذ به الكفيل وقالوا لو قال إذا بعته بشيء فهو علي فباعه متاعا بألف درهم ثم باعه بعد ذلك خادما بألف درهم لزم الكفيل المال الأول ولم يلزم الثاني لأنه قال له إذا بعته بشيء فهذا على مرة واحدة ولا يكون على مرتين وكذلك لو قال له متى بعته فهو علي مرة واحدة وإن باعه ثانية لم يلزمه وكذلك إن قال له إن بايعته بشيء فهو علي فبايعه مرتين أو ثلاثا فإن البيع الأول على الكفيل وما بعده لا يلزمه.
قالوا فإن قال كل ما بايعته به من شيء أو ما بايعته من شيء أو الذي تبايعه به من شيء فهو لك علي فمتى بايعه فهو على الكفيل كله قالوا ولو قال ما بعته اليوم فبايعه هذين البيعين في ذلك اليوم لزمه المالان جميعا قالوا ولو كان وقت ألف درهم فقال بعه بينك وبين ألف درهم فما بعته من شيء فهو علي إلي ألف درهم فباعه متاعه بخمس مائة وباعه حنطة بعد ذلك بخمس مائة وقبض ذلك لزم الكفيل المالان جميعا لأنه وقت.
قالوا وكذلك لو قال كل ما بعته بيعا بشيء فأنا له ضامن فباعه
_________________
(١) ١ ن: جحد.
[ ٢٣٩ ]
بيعين على ما ذكرت لزم الكفيل المالان جميعا قالوا ولو قال بع فلانا فما بعته به فهو علي أو الي أو فأنا له ضامن أو فأنا به كفيل فهو سواء والمال عليه.
قالوا ولو لم يقل ذلك وقال له بعه فباعه بمال١ لم يلزم الآمر لأنه لم يضمن له وقالوا فإن قال متى بعته متاعا بشيء فأنا له ضامن أو إذا بعته متاعا فأنا ضامن لثمنه فباعه متاعا في صفقتين كل صفقة بخمس مائة درهم أحداهما قبل الأخرى ضمن الكفيل الأولى منهما ولم يضمن الأخرى قالوا ولو قال ما بعته من٢ زطي فهو علي فباعه يهوديا أو حنطة لم يضمن الكفيل شيئا قالوا وكذلك لو أقرضه٣ فإن الكفيل لا يضمن القرض وكذلك لو قال له أقرضه فما اقرضته فهو علي فباعه متاعا بمال لم يضمن الكفيل من ذلك شيئا لأنه خالف.
ولو قال داينه اليوم فما داينته به اليوم من شيء فهو علي فاقرضه في ذلك اليوم وباعه متاعا بألف درهم وقبضه لزم الكفيل المال لأن القرض وثمن البيع يدخل في المداينة.
قالوا ولو رجع الكفيل عن هذا الضمان قبل أن يبيع منه شيئا ونهى الطالب عن مبايعته ثم باعه الطالب بعد ذلك لم يلزم الكفيل من ذلك شيء لأن الكفيل قد رجع عن ذلك قالوا ولو قال ما بعته به اليوم من شيء فهو لك علي ثم جحد الكفيل هذه المقالة وجحدها المكفول به فأقام الطالب بينة أنه باعه يومئذ متاعا بألف درهم وقبضه منه لزم الكفيل ذلك ولزم المكفول عنه وأيهما خاصم بهذه البينة فهو جائز عليه لازم له ولصاحبه فإن لقي صاحبه بعد ذلك لم
_________________
(١) ١ ن: بمال يلزم. ٢ الزطي واليهودي جنسان من الثياب. ٣ ن: لو لو أقرضه.
[ ٢٤٠ ]
يعد عليه البينة ويكتفي بالشهادة الأولى عند القاضي إذا كان هو ذلك القاضي.
والصواب من القول عندنا في الرجل يقول لآخر بع فلانا فما بعته من شيء فهو علي إن ذلك ضمان باطل لا يلزم قائل ذلك للمقول له شيء إذا باعه وذلك لاجماع الجميع من الحجة على أن قائلا لو قال من بايع فلانا اليوم من درهم إلى ألف درهم فهو علي أو فأنا له ضامن فباعه رجل في ذلك اليوم بألف درهم أو أقل من ذلك متاعا إنه لا يلزم القائل ذلك شيء بقيله ذلك إذ كان المضمون له ذلك في حال ما ضمنه له مجهولا وإن كان المال المضمون ١معلوم المبلغ محدود القدر في حال الضمان فكذلك الحكم قياسا عليه مثله في فساد الضمان وبطوله عن الضامن إذا تضمن مالا مجهول المبلغ غير محدود القدر في حال ضمانه وإن كان المضمون عنه والمضمون له معلوم العين لا فرق بينهما ومن أنكر ما قلنا فالزم الضمان الضامن مالا مجهول المبلغ في حال الضمان إذا كان المضمون له معلوم الشخص وأبطل الضمان عن الضامن مالا معلوم المبلغ في حال الضمان إذا كان المضمون له مجهول العين يسأل الفرق بينهما من أصل أو قياس فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله فإن حد مبلغ المال المضمون الضامن فقال للمضمون له بع فلانا من درهم إلى ألف درهم أو من دينار إلى مائة دينار أو من قفيز حنطة إلى كر منها أو ما أشبه ذلك مما يكال أو يوزن فباعه قدر ذلك أو أقل منه لزم الضامن ما ضمن من ذلك فإن قال الطالب المضمون له قد بعته بألف درهم وصدقه على ذلك المضمون عنه وأنكره الضامن وكذبهما وقال للطالب لم تبعه شيئا فالقول في ذلك قوله مع يمينه ولا يؤخذ بشيء مما ادعاه قبل المضمون عنه بتصديق المضمون عنه إياه إذا حلف على أنه لا يعلمه باعه شيئا إلا ببينة عادلة تشهد على المضمون عنه بابتياعه من المضمون له ما ادعى قبله المضمون له ولكن المضمون له يتبع المضمون عنه
_________________
(١) ١ ن: مجمهول.
[ ٢٤١ ]
بما أقر به على نفسه له فيؤخذ به وذلك أنه لا يلزم أحدا بإقرار غيره عليه شيء.
وكذلك القول في ذلك لو صدق الضامن المضمون له على بعض ما ادعى أنه باع المضمون عنه وأنكر بعضه وحلف قضي عليه بما صدقه عليه من ذلك وكان القول فيما أنكر منه قوله مع يمنيه على علمه على ذلك إلا أن تقوم للمضمون له بينة على المضمون عنه بما ادعى أنه باعه فيحكم حينئذ به عليه وأما إذا قال الضامن للمضمون له إذا بعت فلانا شيئا فهو علي فباعه متاعا بألف درهم فإنه لا يلزمه من١ الألف شيء لما بينا قبل من فساد ضمان الضامن مالا مجهول المبلغ في حال ضمانه إياه ولكنه لو قال له:
إذا بعته متاعا بألف درهم أو إذا بعته شيئا بدرهم إلى ألف درهم فما وجب لك عليه من ثمن ذلك فهو علي فباعه سلعة أو خادما يكون مبلغ ثمنها ما حد له من مقدار المال فإنه يلزمه فإن باعه بعد ذلك بيعة أخرى بثمن آخر يكون مبلغه قدر ما حد له من ذلك أو أقل لم يلزم الضامن من ثمن البيعة الثانية شيء لأن قوله إذا بعته معني به وقت البيع الذي يبايعه فيه متاعا بالمال الذي حد له مبلغه وذلك موجه إلى أول وقت يبايعه فيه كما أن قائلا لو قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت الدار لحقها الطلاق فإن خرجت منها ثم عادت فدخلت لم يعد عليها الطلاق لأن الحنث قد لحقه بوجود الوقت الذي أوقع بها فيه الطلاق ومضى فلن يعود فكذلك لا يعود عليها الطلاق بدخولها الدار مرة أحرى لأن الوقت الذي أحدثت فيه الدخول الثاني غير الوقت الذي أوقع بها فيه الطلاق فهي في دخولها الدار مرة أخرى في أنها لا يعود عليها الطلاق بمنزلتها لو قال أنت طالق إن دخلت الدار غدا فلم تدخل من الغد حتى مضى ولكنها دخلتها بعد الغد.
والقول عندنا في متى بايعت وإن بايعت مثل القول في إذا بعت
_________________
(١) ١ ن: ألف.
[ ٢٤٢ ]
والعلة في كل ذلك ما بينا في إذا بايعت وأما إذا قال ما بعته اليوم من درهم إلى ألف درهم أو ما بعته من درهم إلى ألف درهم بغير تحديد وقت بعينه فهو علي أو فأنا له ضامن لك ثم بايعه المضمون له أجناسا من السلع كان مبلغ جميع ذلك قدر ما حد له الضامن من المال فإن ذلك مأخوذ به الضامن غير أنه إذا كان الضامن إنما ضمن ما وجب له على صاحبه بمبايعته إياه في وقت حده له بعينه لم يلزم الضامن ما وجب له قبله قبل ذلك لأن ذلك غير داخل فيما ضمنه له وأما إذا قال الضامن للمضمون له بايع فلانا فكل ما بعته من درهم إلى ألف درهم فهو علي فبايعه مرة بعد مرة فإن ذلك كله للضامن لازم ما لم يجاوز فيما بايعه ما حد له من المال لأن قوله كل ما على التكرير لا على عدد محصور.
وأما إذا قال له بعه من درهم إلى ألف درهم ولم يقل فما بعته من ذلك فعلي ثمنه لك أو فأنا له ضامن لك أو كفيل لك عليه فلا شيء للمأمور بذلك على الآمر لأنه لم يضمن له شيئا.
وكذلك لو قال له اعطه ألف درهم أو أقرضه ألف درهم ولم يقل على أن ما أقرضته من ذلك علي أو ما أعطيته منه فهو لك علي أو فأنا ضامنه أو فأنا كفيل لك به عنه وما أشبه ذلك فلا شيء عليه إن أقرضه أو أعطاه ذلك لأنه لم يضمنه له وكذلك لو قال له أقرضه ألف درهم على أن ما اقرضته من ذلك فهو لك علي أو فأنا ضامنه لك فلم يقرضه ولكنه باعه متاعا بألف درهم لم يجب له عليه من ذلك شيء لأنه لم يضمن له ما بايعه به إنما ضمن له ما أقرضه إياه ولم يقرضه المأمور شيئا فيكون له اتباع الآمر به ولو قال رجل لرجل ما بعت اليوم فلانا من شيء من كذا إلى كذا فعلي ثمنه فباعه ذلك اليوم بالمال الذي١ حده له ثم جحد الكفيل والمكفول عنه ما بايع المكفول له المكفول عنه فخاصم المكفول له في ذلك الكفيل وأقام عليه المكفول له بينة فإن الواجب على الحاكم
_________________
(١) ١ ن: أخذه.
[ ٢٤٣ ]
أن يسمع شهادة بينته على مبايعته المكفول عنه بما لزمه له بمبايعته إياه في ذلك اليوم من المال حضر المكفول عنه أو غاب لأن ما لزمه من المال في ذلك اليوم من المال حضر المكفول عنه أو غاب لأن ما لزمه من المال في ذلك اليوم بسبب١ مبايعة المكفول له إياه فهو للكفيل لازم إلى مبلغ ما حد له وان مذهبنا أن على الحاكم استماع شهادة شهود ذي الحق على من شهدوا عليه له به حضر المشهود عليه أو غاب ويقضي بما شهدوا له به عليه من مال المشهود عليه به وقد بينا العلة الموجبة القول بذلك في غير هذا الموضع بما اغنى عن إعادته في هذا الموضع.
٢وإذا قضى الحاكم بشهادة شهود المكفول له بذلك على الكفيل ثم حضر المكفول عنه وأراد الكفيل أخذه بما أدى عنه لم يكن للحاكم تكليف الكفيل إحضار بينة بوجوب ذلك له عليه لأن قضاءه ٣على الكفيل للمكفول له بذلك قضاء منه للكفيل على المكفول عنه ولكن يجب عليه أمر المكفول عنه بالخروج إلى الكفيل مما لزمه بسبب ما قضى للمكفول له عليه بعد أن يكون قضاؤه عليه له بشهادة شهود شهدوا له أنه كفل للمكفول له بما كفل عن المكفول عنه بأمره إياه بكفالته ذلك عنه.
ولو أن رجلا قال من بايع فلانا اليوم من كذا إلى كذا فهو علي له فباعه رجل أو جماعة لم يلزم ذلك الكفيل في قول أحد من أجل أنه ضمان٤ لمجهول الشخص.
وقال محمد بن الحسن لم يلزم ذلك لأنه لم يخاطب أحدا بذلك.
ولو قال لقوم بأعيانهم ما بايعتموه به اليوم أنتم وغيركم فهو علي كان عليه ما بايع به الذين خاطبهم بهذا القول لأنه ضمان لقوم بأعيانهم معلومين وأما ما
_________________
(١) ١ ن: مبايعته. ٢ كأنه يعني كتاب القضاء من اختلاف الفقهاء. ٣ ن: عن. ٤ ن: بمجهول.
[ ٢٤٤ ]
بايع به غيرهم فلا يلزمه لأنه ضمان لمجهول وكذلك قال في ذلك أبو حنيفة وأصحابه.
ولو قال ما بايعت به فلانا من شيء فهو علي فأسلم إليه دراهم في طعام أو باعه شعيرا إلى أجل كان ذلك كله لازما للكفيل لأنه مما بايعه به وكذلك قال أبو يوسف ومحمد.
[ ٢٤٥ ]