وكنتُ أحسب عندما شرعتُ في جمع مادة الكتاب؛ أنه لم يسبقني إليها أحد، كما أشرت في المقدمة قبل قليل، ولكن بعد أن أوشكت الفراغ من العمل، وكدت أدفع بالكتاب إلى المطبعة، نبهني بعض فضلاء أهل العلم، إلى وجود رسالة علميّة في آراء الذهبي الفقهية (^١)، في قسم الفقه، بالجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة.
فبادرتُ الذهاب إلى مكتبة الجامعة، وطلبت الرسالة، وأخذت في مطالعتها، فألفيتُ صاحبها قد بذل جهدًا مشكورًا في جمع آراء الذهبي الفقهية، ودراستها وتوثيقها.
لكني وجدت طبيعة رسالته تختلف عن طبيعة كتابي هذا في نواح عدة؛ منها: أنني قصرت بحثي على اختيارات الذهبي وحدها، دون التعليق عليها، إلا في حدود ضيقة جدًا جدًا. أما الرسالة المذكورة
_________________
(١) عنوانها: الآراء الفقهية للإمام الذهبي، جمعًا ودراسة، للطالب: عرفات بن حسن بن جعفر.
[ ٨ ]
فقد أسهب صاحبها في مناقشة اختيارات الذهبي وآرائه، ومقارنتها بمذاهب الأئمة، ودراسة الأدلة، وفحص الاعتراضات، وإبداء ما يراه راجحًا وصوابًا، حتى إنه قد يكتب في المسألة الواحدة نحو عشر صفحات أو أكثر، مما يخرج بالموضوع عن حدوده ومقصوده.
وقد جاءت رسالته في أكثر من (١٣٥٠) صفحة من القطع الكبير، بينما لم تصل صفحات كتابي المائتين!!
كما أن صاحب الرسالة المذكورة قد دَرَجَ على نقل اختيارات الذهبي وآرائه بالمعنى، وفحوى الخطاب، دون أن يذكر نَصّ كلام الذهبي، من أول رسالته إلى آخرها!! فيكتفي بقوله: ذهب الإمام الذهبي إلى كذا وكذا، ورجّح كذا وكذا .. بينما حرصتُ في كتابي على نقل نَصّ كلام الذهبي بحروفه، ليقف القارئ على حقيقة رأيه واختياره.
كما أنني لاحظتُ على صاحب الرسالة وفقه الله أنه ينسب أحيانًا اختيارات وترجيحات للذهبي لم يقل بها، وليس في كلامه ما يدل عليها، وربما قال بعكسها، كنسبته إليه القول بوجوب غُسل يوم الجمعة، وأن من أفسد حجه لزمه أن يمضيَ فيه، ونسبته إليه القول بتحريم الإسبال مطلقًا على الرجال، سواء كان على وجه الخيلاء، أو لغير خيلاء، مع أن الذهبي قد فرق صراحة بين الأمرين، وقال ما نصّه: "الإسبال حرام في الذيل والكم والعذبة خيلاء .. ومكروه من غير خيلاء" (^١) .. إلى غير ذلك من الأمثلة، وهي كثيرة.
_________________
(١) "بيان الإلباس" ص ٨٧.
[ ٩ ]
وليس المقصود الآن نقد هذه الرسالة، وبيان ما لها وما عليها. لكن من هنا تأتي أهميّة نقل نصوص الذهبي وضرورتها كما هي، حتى يقف القارئ على جليّتها، ويفهم دلالتها بدقة، وليس نقل معاني الكلام وفحواه فحسب، كما فعل الباحث وفقه الله.
كذلك وقفتُ على رسالة أخرى عنوانها: "المسائل الفقهية المستخرجة من كتاب "سير أعلام النبلاء"، للباحث محمد جمعة بدوي. لكن هذه الرسالة كما ترى قد اقتصرتْ أولًا على كتاب "السير" فحسب. والأمر الثاني: أنها تبحث في المسائل الفقهية العامة، التي ورد ذكرها في "السير"، حتى ولو لم يكن للذهبي فيها اختيار أو ترجيح.
ومع ذلك فقد أفدتُ من الرسالتين المذكورتين، واستدركتُ منهما ما فاتني من اختيارات الذهبي وغاب عني، فجزاهما الله خيرًا.
وقد ختمتُ الكتاب بباب جامع، ذكرتُ تحته مسائل فقهية متفرقة، لا تندرج عادة في أبواب الفقه المعروفة، وبعضها ربما خرج قليلًا عن دائرة الفقه بمعناها الاصطلاحي، ذكرتها للفائدة.
ثم ذيلّتُ الكتاب بخاتمة ذكرت فيها أبرز ما توصلت إليه من نتائج ظهرت لي أثناء جمعي لهذه المادة النافعة، إن شاء الله.
هذا واللهَ أسألُ أن ينفع بالكتاب كاتبه وقارئه، والمرجو ممن وقف على كبوة، أو نبوة، أو شيء من اختيارات الذهبي مما فات
[ ١٠ ]
الكتابَ تنبيهُ مؤلّفه عليه عبر بريده الالكتروني المدون أدناه، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
وكتبه: أ. د هاني فقيه
المدينة المنورة
Hani.a.a.f@gmail.com
[ ١١ ]