الحمد لله، والصلاة والسلام على سيّدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه .. وبعد:
فهذا كتاب جمعتُ فيه ما وقفتُ عليه من اختيارات الحافظ مؤرخ الإسلام؛ شمس الدين أبي عبد الله، محمد بن أحمد الذهبي الشافعي، (ت: ٧٤٨ هـ) ﵀، فيما يتعلق بمسائل الفروع الفقهية العملية.
وهو عملٌ لا أعرف أحدًا سبقني إليه، ولا من حام طائر فكره عليه (^١)، رغم كثرة ما صُنّف حول هذا العالم الجليل، من أبحاث ودراسات، وكتب ومصنّفات في مختلف المناحي.
لقد اشتهر الإمام الحافظ الذهبي ﵀ بكونه عالمًا مختصًا في فنون التاريخ ونقد الرواة، وعامة كتبه تدور في فلك هذين العِلْمين الجليلين.
بيد أن الرجل لم يكن في معرفة فروع الفقه والاطلاع على خباياه
_________________
(١) ينظر ما كتبته بعد ذلك في نهاية المقدمة.
[ ٥ ]
بأقلّ درجة، ولا أنزل مرتبة، وإن لم يُوْلِ هذا الجانب عناية بالكتابة والتأليف.
لقد وصفه صديقه وتلميذه المؤرخ الكبير صلاح الدين الصفدي، (ت: ٧٦٤ هـ) فقال: "اجتمعتُ به غير مرة، وقرأتُ عليه كثيرًا من تصانيفه. ولم أجد عنده جمود المحدثين، ولا كودنة (^١) النقلة، بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس، ومذاهب الأئمة والسلف وأرباب المقالات" (^٢).
ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب، الذي قام باستقراء تراث الذهبي، وجَرَد مطوّلاته، فاستخرج منه ما تناثر من آرائه الفقهية، واختياراته العملية، مما كان يبثه وينثره هنا وهناك، كلما دعتْ حاجة أو عنّتْ مناسبة.
إن القاري الكريم سوف لا تخطئ عينه حسن ما كان عليه الحافظ الذهبي، من براعة في الاستنباط، وعمق في التصور، وتمسّك بنصوص الكتاب والسُنّة، وبعد عن التعصب المذهبي (^٣)، مع مراعاته لمقاصد الشريعة، دون جمود ظاهري، ولا إغراق في تأويل بعيد.
وأهم تصانيف الحافظ الذهبي التي قمتُ باستقرائها وجرْدها هي:
١ - المهذب في اختصار السنن الكبير
٢ - تاريخ الإسلام
٣ - سير أعلام النبلاء
٤ - تذكرة الحفاظ
٥ - بيان الإلباس في فنون اللباس
_________________
(١) الكودنة: قلة الفهم والفطنة.
(٢) "أعيان العصر" ٤/ ٩٢.
(٣) حيث خالف مذهب إمامه الشافعي في غير ما مسألة، انظر خاتمة البحث.
[ ٦ ]
٦ - الطب النبوي
٧ - الكبائر
٨ - تلخيص مستدرك الحاكم
٩ - التمسك بالسنن
١٠ - الموقظة
١١ - حق الجار
١٢ - تنقيح التحقيق.
وما سوى ذلك من التصانيف فقد أعرضتُ عنها، لبعدها عن احتمالية وجود مادة تخدم البحث، من أمثال: كتب الذهبي في نقد الرواة، وتراجم النقلة، ككتابه: الكاشف، وميزان الاعتدال، وديوان الضعفاء، وكتاب العرش، ونحوها.
وقد رأيتُ ألا أذكر من اختيارات الذهبي إلا ما كان كلامه واضحًا وصريحًا في الاختيار والترجيح، وأما ما ليس بواضح ولا بصريح فقد استبعدته، حتى لا أنسب للذهبي شيئًا لم يقله، ولا يعتقده.
كما أنني رأيتُ الاكتفاء بجمع هذه الاختيارات، مع ترتيبها (^١)، وتبويبها، وتوثيقها من كُتب الذهبي، دون خوض في التعليق عليها، أو الاستدلال لها أو عليها، إلا في حدود إيضاحية ضيّقة جدًا. ذلك أن القارئ الكريم في الغالب إنما يريد العيش مع كلام الذهبي وترجيحاته، ولا يهمه رأي جامع الكتاب وترجيحاته.
إنه لمن المؤسف حقًا أن نعلم أن الإمام الذهبي ﵀، رغم كثرة وغزارة ما ألّف من كتب ومصنّفات، في مجالات مختلفة، إلا أنه لم يكتب شيئًا في الفروع الفقهية (^٢)، ولا في شروح الأحاديث، ولا في
_________________
(١) رتبتها حسب أبواب الفقه العامة.
(٢) إلا كتبًا يسيرة في مسائل فقهية محدودة، ككتابه في أحكام اللباس، المسمى: بيان الإلباس في فنون اللباس، وكتابه: حق الجار، وبعض الأجزاء في مسائل مفردة، معظمها مفقود. ينظر: كتاب "الذهبي ومنهجه في تاريخ الإسلام" ص ١٣٩.
[ ٧ ]
الفتوى، ومن هنا جاء كلامه في مسائل الفقه مجرد تعليقات مقتضبة، كان يدوّنها وينثرها في مناسبات مختلفة، هنا وهناك.
بيد أن هذه التعليقات المقتضبة لم تكن بالقليلة، إذا ما ضُمّ بعضها بجانب بعض، ويمكن أن تُكوّنَ مَعْلَمَةً فقهية خاصة بالذهبي، تُضَم إلى نظائرها من ترجيحات الأئمة، لتوسع من دائرة فهم نصوص الكتاب والسنّة، وتزيد من معرفة دلالاتها بصورة أعمق.