ناقش الذهبي ﵀ مسألة القنوت في صلاة الفجر، ورد على القائلين باستحباب المداومة عليه (^٤)، فقال بعد ذكر الأحاديث المتعارضة في الباب: "ولا منافاة بينهما، بل يدل على أنهم كانوا يقنتون ويتركون؛ إِذْ "كان" لا تستدعي دوام الفعل" (^٥).
وقال في موضع آخر: "هذا يوضح أنهم قنتوا، وأنهم تركوا، وأنهم كانوا لا يرون القنوت راتبًا في الصبح. وبهذا تتوفق الأحاديث كلها، مع أن بعض الصحابة كان يدمنه، وفي التابعين جماعة فعلوه راتبًا (^٦) ".
كما علّق على ما جاء عن ابن عمر ﵄، أنه كان لا يقنت في صلاة الصبح، فقال: "هذا صحيح عن ابن عمر، وكونه مع فرط متابعته
_________________
(١) ينظر: "معالم السنن" ١/ ٢١٩، "المغني" لابن قدامة ٢/ ٤٦٠.
(٢) "المهذب في اختصار السنن" ٢/ ٦٢٣.
(٣) وهو: الدعاء الذي يؤتى به بعد الركوع في الركعة الثانية من صلاة الفجر.
(٤) وهو المشهور من مذهب الشافعية، ينظر: "المجموع" للنووي ٣/ ٥٠٤.
(٥) "المهذب في اختصار السنن" ٢/ ٦٥٣.
(٦) "تنقيح التحقيق" ١/ ٢٤٧.
[ ٢٢ ]
للسنّة واعتنائه بالآثار النبوية لم يحفظه، يدل على ترك مداومة ذلك أو عدمه .. وكان ابن عمر ملازمًا للنبي ﷺ وصاحبيه، شديد الاتباع" (^١).
وفي موضع ثالث ردّ على من استدل بحديث البراء بن عازب: «أن رسول الله ﷺ كان يقنت في المغرب والفجر» (^٢). فقال: "هذا محمول على قنوت النوازل" (^٣).
كذلك ناقش استدلال بعضهم بحديث أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك، قال: «ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا» (^٤). فقال: "الحديث محمول على أنه ما زال يطوّل صلاة الفجر؛ فإن القنوت لفظ مشترك بين القنوت العرفي والقنوت اللغوي، قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا﴾ [الزمر: ٩]، فالمراد هنا بالقنوت: العبادة بلا ريب. ومثله: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. وفي الحديث: «أن رجلًا قال: يا رسول الله، أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت» (^٥). وفي لفظ: «طول القيام». فالمراد بهذا القنوت: العبادة؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها
_________________
(١) "المهذب في اختصار السنن" ٢/ ٦٥٣.
(٢) "صحيح مسلم" (٦٧٨).
(٣) "تنقيح التحقيق" ١/ ٢٢٣.
(٤) "مسند أحمد" (١٢٦٥٧) بإسناد ضعيف.
(٥) "صحيح مسلم" (٧٥٦).
[ ٢٣ ]
مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] " (^١).
قلت: خالف الذهبي ﵀ مذهب إمامه الشافعي، الذي كان يرى استحباب المداومة على دعاء القنوت في صلاة الفجر (^٢).