الناظر في كتب الحافظ ابن عبد الهادي يلحظ عنايته الكبيرة بكتب شيخه، وتمثلت تلك العناية في جانبين:
الأول: جمعها ومطالعتها وحصر أسمائها، ومن قرأ كلامه في ذكر مصنفات شيخ الإسلام- في كتابه المفرد في ترجمة الشيخ "العقود الدرية"- ظهر له عنايته الفائقة بكتب الشيخ، ومعرفته بنسخها ومضامينها وعلاقة بعضها ببعض، ووجد كلامه عنها كلام من خبر تلك الكتب، وإليك بعض كلامه في ذلك:
قال في "العقود الدرية": (ص: ٤١): (كتاب "درء تعارض العقل والنقل" في أربع مجلدات كبار، وبعض النسخ به في أكثر من أربع مجلدات، كتاب حافل عظيم المقدار، رد الشيخ فيه على الفلاسفة والمتكلمين، وله كتاب في نحو مجلد أجاب فيه عما أورده كمال الدين بن الشريشي (^١) على هذا الكتاب) ا. هـ
_________________
(١) كذا بالأصل، وصوابه: (الشَّرِيسي)، انظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: (١٤/ ٩١).
[ ٨ ]
وقال أيضًا: (ص: ٤٤): (كتاب "بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية" في ست مجلدات، وبعض النسخ منه في أكثر من ذلك، وهو كتاب جليل المقدار معدوم النظير، كشف الشيخ فيه أسرار الجهمية وهتك أستارهم، ولو رحل طالب العلم لأجل تحصيله إلى الصين ما ضاعت رحلته) ا. هـ
وقال أيضًا: (ص: ٤٥): (كتاب "جواب الاعتراضات المصرية على الحموية" في أربع مجلدات، وبعض النسخ منه في أقل، وهو كتاب عزيز الفوائد، سهل التناول.
ومنها كتاب الرد على النصارى، سماه "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" في مجلدين، وبعض النسخ منه في ثلاث مجلدات، وبعضها في أكثر، وكذلك كثير من كتبه الكبار تختلف النسخ بها، وهذا الكتاب من أجل الكتب وأكثرها فوائد، ويشتمل على تثبيت النبوات وتقريرها بالبراهين النيرة الواضحة، وعلى تفسير آي كتير من القرآن، وعلى غير ذلك من المهمات) ا. هـ
وقال أيضًا -بعد انتهائه من سرد جملة كبيرة من مؤلفات الشيخ-: (ص: ٨٠): (وسأجتهد -إن شاء الله تعالى- في ضبط ما يمكنني من ضبط مؤلفاته في موضع آخر غير هذا، وأبين ما صنفه منها بمصر، وما ألفه منها بدمشق، وما جمعه وهو في السجن، وأرتبه ترتيبًا حسنًا غير هذا الترتيب، بعون الله تعالى وقوته ومشيئته) ا. هـ
وكان ﵀وحق له- محتفيًا بكتب شيخه كما تراه في أماكن متفرقة من مصنفاته، فقال في "العقود الدرية": (ص: ٤٢): (ولا أعلم أحدًا من متقدمي الأمة ولا متأخريها جمع مثل ما جمع،
[ ٩ ]
ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريبًا من ذلك) ا. هـ وذكر نحو هذه العبارة في كتابه "طبقات علماء الحديث": (٤/ ٢٩٠) تحت ترجمة الشيخ، وقال فيه: (٤/ ١٢١) -تحت ترجمة ابن الجوزي-: (لا أعلم أحدًا صنف أكثر من ابن الجوزي إلا شيخنا الإمام الرباني أبا العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني ﵁) ا. هـ
الثاني: الانتخاب منها والنقل عنها، وربما كان ذلك في أجزاء مفردة -كما في "رسالة لطيفة" وهذا الجزء- وأكثره في مصنفاته المختلفة، وهو شيء كثير يصعب حصره الآن، ولكن أذكر بعض الأمثلة له، قال ﵀ في "تنقيح التحقيق": لما ذكر مسألة الجد والإخوة: (واعلم أن لشيخنا العلامة أبو العباس في هذه المسألة مصنفًا جليلًا، فمن أحب الوقوف عليه فليسارع إليه، ثم إني بعد أن كتبت هذا الكلام بمدة جمعت الآثار الواردة في هذه المسألة، وذكرت ما جاء عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الاختلاف فيها في عدة كراريس، ثم حكيت كلام شيخنا بحروفه في آخر ذلك) ا. هـ
وانظر المسائل: (١، ٢٣، ٢٥) من "تنقيح التحقيق" أيضًا.
ومما تحسن الإشارة إليه أن الحافظ ابن عبد الهادي ربما نقل نصًّا طويلًا من كلام شيخ الإسلام في صفحات، فيأتي بعض الباحثين فينظر في وسط ذلك الكلام فيتوهم أنه لابن عبد الهادي، وربما نقلوه منسوبًا إليه، وإنما هو مما نقله عن شيخ الإسلام.
ومن ذلك نصوص كثيرة في "الصارم المنكي" نقلها من كتب شيخ الإسلام: (انظر: ص: ٤١ - ٥٤، ٦٤ - ٦٧، ١٠٣ - ١١٥، ١٥١ - ١٩٧، ١٩٩ - ٢٢٠، وغيرها).
[ ١٠ ]
بقي أن أشير إلى أن الحافظ ابن عبد الهادي قد ذكر في كتابه "العقود الدرية" عشرين مسألة من اختيارات الشيخ التي خالف فيها أئمة المذاهب الأربعة، أو خالف المشهور من أقوالهم (ص: ٣٣٨ - ٣٤٠) (^١).