علماء المسلمين في كل عصر وبكل مصر -فيما بلغنا وصح عندنا-، أن عصير العنب إذا رمى بالزبد وهدأ وأسكر الكثير منه أو القليل أنه خمر، وأنه ما دام على حاله تلك حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير، رجس نجس كالبول إلا ما روي عن ربيعة في نقط من الخمر شيء لم أر لذكره وجهًا؛ لأنه خلاف إجماعهم، وقد جاء عنه في مثل رؤوس الإبر من نقط البول نحو ذلك) (^١)، فهو لا يخالف في نجاستها، وإنما يخفف في اليسير منها كما يخفف في اليسير من البول، وكما يخفف غيره في اليسير من سائر النجاسات (^٢).
- وأما مانُسب لليث بن سعد؛ فإن الطحاوي وهو أسبق من نقل عنه، نقل عنه مايدل على نجاستها عنده، فقال الطحاوي: (وقال مالك في الخمر يصيب ثوب الرجل فيصلي فيه وهو لا يعلم: أنه يعيد ما دام في الوقت، وهو قول الأوزاعي، وقال الليث: في أحد قوليه يعيد، وفي الآخر لا يعيد) (^٣).
- فسياق الكلام هو في الخمر يصيب الرجل ولا يعلم به إلا بعد الصلاة، فقال في أحد قوليه: يعيد، وهذا القول يدل على نجاسة الخمر عنده، والقول الآخر: لا يعيد، وهذا القول لايلزم منه
_________________
(١) التمهيد (١/ ٢٤٥).
(٢) قال ابن تيمية: (جمهور العلماء يعفون عن ظهور يسير العورة وعن يسير النجاسة التي يشق الاحتراز عنها) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢١٣)، وفي تقدير اليسير ومايشق الاحتراز عنه خلاف، فالحنفية يعفى عندهم عن يسير كل نجاسة، وفي بقية المذاهب تقييدات، مع اتفاقهم جميعًا على العفو عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء، وعلى عدم العفو عن النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم.
(٣) مختصر اختلاف العلماء (١/ ١٢٣).
[ ١ / ١١١ ]
طهارة الخمر؛ كما قال الخطابي تعليقًا على الحديث الذي فيه خلع النبي -ﷺ- لحذائه المتقذر في الصلاة (^١): (فيه من الفقه أن من صلى وفي ثوبه نجاسة لم يعلم بها فإن صلاته مجزية ولا إعادة عليه) (^٢)، فلعل من نسب إليه القول بطهارتها ظن أن حكمه بعدم الإعادة يدل على الطهارة.
- وأما مانُسب للمزني (ت ٢٦٤)؛ فإني لم أقف على من ينقل عنه هذا الخلاف إلا القرطبي (ت ٦٧١)، ونحتاج إلى معرفةٍ بماقاله؛ لنرى دلالته على مانحن بصدده؛ لأن الشافعية عندهم وجه شاذ بطهارة الخمر المحترمة (^٣)، فقد يكون هذا مراد المزني إن صح النقل عنه، قال النووي: (لا فرق في نجاسة الخمر بين الخمر المحترمة وغيرها، وكذا لو استحال باطن حبات العنب خمرا فإنه نجس، وحكى إمام الحرمين، والغزالي وغيرهما وجهًا ضعيفًا؛ أن الخمر المحترمة طاهرة، ووجهًا أن باطن حبات العنب المستحيل طاهر، وهما شاذان
_________________
(١) أخرجه أحمد (١١١٥٣)، وأبوداود (٦٥٠)، وابن خزيمة (٧٨٦)، وابن حبان (٢١٨٥)، والحاكم (٩٥٥)، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)، ولم يتعقبه الذهبي.
(٢) معالم السنن (١/ ١٨١).
(٣) قال السيوطي في الأشباه والنظائر ص ٤٨: (هي التي عصرت بقصد الخلية، أو لا بقصد الخمرية … فلو عصرت بلا قصد، فمحترمة على الثانية)، وذكرت الخمر المحترمة عند الحنابلة أيضًا، قال في الإنصاف (٦/ ١٢٤): (الصحيح: أن لنا خمرا محترمة. وهي خمرة الخلَّال)، قال ابن مفلح في المبدع (٥/ ١٧): (والأشهر أن لنا خمرًا محترمة وهي التي عصرت من غير قصد الخمرية، أو بقصد الخلية)، وفسرها ابن عثيمين بقوله: (هي خمر الذمي الذي يعيش في بلاد المسلمين بالجزية فخمره محترمة، بمعنى أنه لا يحل لنا أن نريق خمره التي يشربها لكن بدون إعلان)، قال: (وذكروا أيضًا: أن من المحترم من الخمر خمر الخلاَّل الذي يبيع الخل، فلو أنه في يوم من الأيام تخمر الخل إما لشدة الحر أو لسبب آخر فإن خمره محترم؛ وعللوا ذلك بأنه لو كان غير محترم للزم على الخلاَّل ضرر عظيم؛ لأن هذا ماله فيتضرر بهذا … ففيما قاله الأصحاب﵏- في هذه المسألة نظر). الشرح الممتع (١٠/ ٢٢٧).
[ ١ / ١١٢ ]
والصواب النجاسة) (^١)، أو يكون قصده النبيذ، قال في روضة الطالبين: (وفي النبيذ وجه شاذ مذكور في "البيان" أنه طاهر) (^٢).
- وأيًّا ماكان فحمل كلامه على مايوافق الإجماع أولى من حمله على مخالفته بلا برهان، ثم إن الشافعية ليس عندهم قول ولا وجه بالطهارة مطلقًا، ولم يحكوا في الأوجه الشاذة أيضًا قولًا للمزني، وهو صاحبهم وهم أعلم به، والله أعلم.
- أما مانُسب لداود الظاهري؛ فإنه بعيد، يخالف أصوله الظاهرية، فابن حزم الظاهري مثلًا لايرى نجاسة الخمر فقط، بل نجاسة الخمر والميسر والأنصاب والأزلام؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٣)، قال: (فمن صلى حاملًا شيئًا منها بطلت صلاته) (^٤)، بل إن ابن حزم لا يعلم أن أحدًا يخالف في نجاسة الخمر، وشنع على ربيعة بمانسب إليه من طهارتها فقال: (وأما تنجيس الخمر ما وقعت فيه؛ فلا نعلم في أنها تنجس ما مست من ذلك خلافًا، إلا شيئًا ذكره بعض العلماء عن ربيعة، وهو قول فاسد، وحسبنا الله ونعم الوكيل) (^٥)، فهذا ابن حزم لايعرف قول دواد إمام الظاهرية!.
- والخلاصة: أن مانقل عن الحسن، والليث، والمزني، وداود، فإنه لايصح (^٦)، ومانُقل عن ربيعة -وهو أشهر من عُرف بالمخالفة- فإنه غير دقيق، بل هو يرى نجاسة الخمر لكنه يتسامح في القطرة
_________________
(١) المجموع (٢/ ٥٦٤).
(٢) روضة الطالبين (١/ ١٣).
(٣) الآية (٩٠) من سورة المائدة.
(٤) المحلى (١/ ١٨٩).
(٥) رسائل ابن حزم (٣/ ٢١٠).
(٦) كما سبق مناقشة ذلك بعد نسبة الأقوال إليهم.
[ ١ / ١١٣ ]
والقطرتين من باب العفو عن يسير النجاسة (^١)، والله أعلم.
- وعلى فرض التسليم بوجود الخلاف، فإن هذا الخلاف حادث والإجماع سابق له؛ إذ هو إجماع الصحابة -﵃- ولاعبرة بالخلاف بعدهم، قال الماوردي: (وهو إجماع الصحابة -﵃- (^٢)، ولايعرف عن الصحابة قول صحيح ولاضعيف بطهارة الخمر، بل المنقول عنهم خلاف ذلك (^٣)، وهذا هو الأقوى.
- فإن امتنع ذلك فهو إجماع من بعدهم (^٤)، من القرن الرابع إلى القرن الثاني عشر، فقد أطبق الأئمة الأربعة وأتباعهم وغيرهم على القول بنجاسة الخمر.
_________________
(١) انظر: التمهيد (١/ ٢٤٥).
(٢) الحاوي الكبير (٢/ ٢٦٠)، ونص أيضًا بعد ذلك بأن هذا إجماع الصحابة والتابعين. وانظر: تحفة المحتاج (١/ ٢٨٨).
(٣) فقد ثبت عن ابن عمر -﵁- أنه قيل له: إن النساء يمتشطن بالخمر، فقال ابن عمر: (ألقى الله في رءوسهن الحاصَّة) أخرجه عبدالرزاق (١٧٠٩٤)، وابن أبي شيبة (٢٤٠٧٤) والحاصة: هي العلة التي تحص الشعر وتذهبه. لسان العرب (٧/ ١٣)، وروي عن حذيفة أنه قال: (لاطيبهن الله) وروي عن عائشة أنها نهت عن ذلك أشد النهي. أخرجهما عبدالرزاق وابن أبي شيبة. وورد ماهو أصرح من ذلك عن عمر -﵁- أنه قد بلغه أن خالدًا دخل الحمام فتدلك بعد النورة بثخين عصفر معجون بخمر، فكتب إليه: (بلغني أنك تدلكت بخمر، وإن اللَّه قد حرم ظاهر الخمر وباطنه، كما حرم ظاهر الإثم وباطنه، وقد حرم مس الخمر إلا أن تغسل كما حرم شربها، فلا تمسوها أجسادكم فإنها نجس، وإن فعلتم فلا تعودوا). فكتب إليه خالد: إنا قتلناها فعادت غسولا غير خمر. وهذا الأثر رواه الطبري في تاريخه (٤/ ٦٦) وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ٢٦٤) من طريق السَّرِيّ بن يحيى، عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن أبي عثمان والربيع وأبي حارثة به، ولايصح، لكن ضعفه ليس بشديد؛ فإن شعيب بن إبراهيم فيه جهالة، كما قال الذهبي في ميزان الاعتدال (٢/ ٢٧٥)، وسيف بن عمر: ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ، كما قال ابن حجر في تقريب التهذيب ص (٢٦٢)، والله أعلم.
(٤) انظر: حاشيتي قلويبي وعميرة على شرح السيوطي للمنهاج (١/ ٨٠).
[ ١ / ١١٤ ]
المسألة الثانية: أدلة القائلين بطهارة الخمر:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
١/ البراءة الأصلية، فالأصل الطَّهارة حتى يقوم دليل النَّجاسة، ولا دليل هنا، ولا يلزم من التحريم النجاسة؛ بدليل أن السُمَّ حرام وليس بنجس (^١).
ونوقش هذا الدليل بأمور:
- أن البراءة الأصلية إنما يستقيم الاستدلال بها عند عدم المعارض الراجح، أَمَا وقد قام الإجماع على نجاسته فلا براءة.
- ثم إن ماورد في الخمر من تسميتها رجسًا، والأمر باجتنابها، وإراقتها، وكسر دنانها (^٢)، وشق ظروفها (^٣)، وغسل أوانيها،
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي (٦/ ٢٨٨)، الدراري المضية (١/ ٢٣)، السيل الجرار ص (٢٦)، الشرح الممتع (١/ ٤٣١).
(٢) أخرجه الترمذي (١٢٩٣) عن أبي طلحة -﵁- أنه قال: يا نبي الله، إني اشتريت خمرًا لأيتام في حجري، قال: «أهرق الخمر، واكسر الدنان».
(٣) أخرجه أحمد (٥٣٩٠) عن عبد الله بن عمر -﵁- قال: خرج رسول الله -ﷺ- إلى المربد فخرجت معه، فكنت عن يمينه، وأقبل أبو بكر فتأخرت له، فكان عن يمينه وكنت عن يساره، ثم أقبل عمر فتنحيت له فكان عن يساره، فأتى رسول الله -ﷺ- المربد، فإذا بأزقاق على المربد فيها خمر، قال ابن عمر: فدعاني رسول الله -ﷺ- بالمُدية [وهي: الشفرة] قال: وما عرفت المُدية إلا يومئذ، فأمر بالزِّقاق فشقت، ثم قال: «لعنت الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاصرها، ومعتصرها، وآكل ثمنها». والزِّقاق جمع زِّق بالكسر: وهو الظرف. انظر: المصباح المنير (١/ ٢٥٤)، وفي لسان العرب (١٠/ ١٤٣) والزِّقّ: السِّقاءُ. فائدة: ترجم البخاري في صحيحه: (باب: هل تكسر الدنان التي فيها الخمر، أو تخرق الزقاق …) وهو يشير بذلك إلى الحديثين الأخيرين في الحاشية، وهما ليسا على شرطه، ثم أسند حديث سلمة بن الأكوع -﵁-: أن النبي -ﷺ- رأى نيرانًا توقد يوم خيبر، قال: «على ما توقد هذه النيران؟»، قالوا على الحمر الإنسية، قال: «اكسروها، وأهرقوها»، قالوا: ألا نهريقها، ونغسلها، قال: «اغسلوا»، قال ابن حجر عن تبويب البخاري: (لم يبين الحكم؛ لأن المعتمد فيه التفصيل فإن كانت الأوعية بحيث يراق ما فيها وإذا غسلت طهرت وانتفع بها لم يجز إتلافها وإلا جاز … فأشار المصنف إلى أن الحديثين إن ثبتا فإنما أمر بكسر الدنان وشق الزقاق عقوبة لأصحابها وإلا فالانتفاع بها بعد تطهيرها ممكن كما دل عليه حديث سلمة أول أحاديث الباب)، ورجح أن ذلك عقوبة = ابنُ تيمية وابنُ القيم، ولايقول بعدم طهارة الظروف بالغسل ووجوب شقها إلا بعض المالكية، خلافًا للجمهور.
[ ١ / ١١٥ ]
واستخباث الشرع لها، ولعن عشرة فيها، مما لم يرد مثله ولا قريبًا منه في البول، بل ولا الغائط، يكفي في الدلالة على نجاسة الخمر.
- قال القرطبي: (ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكمٍ إلا حتى نجد فيه نصًّا لتعطلت الشريعة، فإن النصوص فيها قليلة، فأي نص يوجد على تنجيس البول والعذرة والدم والميتة وغير ذلك؟! وإنما هي الظواهر والعمومات والأقيسة) (^١).
- أما قولهم: (لايلزم من التحريم النجاسة، ويلزم من النجاسة التحريم) (^٢) فالجواب عنه: أن هذا الاعتراض إنما يستقيم لوكان العلماء المعترض عليهم يذكرونه في سياق الاستدلال، وهم إنما يذكرونه في سياق التعريف والحد أصالة (^٣)، على أنه لايسلم
_________________
(١) تفسير القرطبي (٦/ ٢٨٩).
(٢) ذكرها القرطبي وأجاب عنها، وأشار إليها الصنعاني، ثم قررها الشوكاني وابن عثيمين للرد على من يقول بنجاسة الخمر، وأنه لايلزم من التحريم النجاسة. انظر: تفسير القرطبي (٦/ ٢٨٩)، سبل السلام (٢/ ٤)، السيل الجرار ص (٢٦)، الشرح الممتع (١/ ٤٣١).
(٣) وهذا رأيته عند الشافعية والحنابلة فقط، وإن كان بعضهم يضبطه بالعد لا بالحد وهو أضبط، لكن قال الشربيني الشافعي في تعريف النجاسة: (عرفها بعضهم: بكل عين حَرُمَ تَنَاولُها مطلقًا في حالة الاختيار مع سهولة تمييزها وإمكان تناولها، لا لحرمتها ولا لاستقذارها، ولا لضررها في بدن أو عقل) مغني المحتاج (١/ ٢٢٥)، وعرفها بعض الحنابلة بأنها (كل عين حرم تناولها لذاتها مع إمكان التناول). فأخرج ما لا يمكن تناوله لتعذره؛ وأخرج مالايمكن تناوله لالذاته بل لحرمته كصيد الحرم والإحرام، ووأخرج مالايمكن تناوله لاستقذاره كالبصاق والمخاط، وأخرج مالايمكن تناوله لضرره كالسميات والبنج. انظر: مطالب أولي النهى (١/ ٢٧).
[ ١ / ١١٦ ]
بتعريفهم بل كما قال ابن تيمية: (ضبط قانون كلي في الطاهر والنجس مطرد منعكس لم يتيسر، وليس ذلك بالواجب علينا بعد علمنا بالأنواع الطاهرة والأنواع النجسة) (^١).
- ومع ذلك فإن التحريم الذي يذكرونه ليس مطلقًا، وإلا لقيل: بنجاسة الأم؛ لأن الله قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (^٢) ولا قائل بذلك، فليس مرادهم التحريم المطلق، بل مرادهم تحريم التناول (أي: الأكل) مع إمكانه، لا لحرمته كصيد المحرم، ولا لاستقذاره كالبصاق، ولا لضرره كالسم (^٣)، فهذه هي النجاسة عندهم، ومع هذه القيود فلايستقيم الإلزام بجزء الكلام، وتركُ قيوده المؤثرة.
٢/ ومن أدلتهم أيضًا على طهارة الخمر: مارواه مسلم عن ابن عباس -﵁-: أن رجلًا أهدى لرسول الله -ﷺ- راوية خمر، فقال له رسول الله -ﷺ-: «هل علمْتَ أن الله قد حرمها؟» قال: لا، فسارّ إنسانًا، فقال له رسول الله -ﷺ-: «بِمَ سارَرْته؟»، فقال: أمرتُه ببيعها، فقال: «إن الذي حرم شربها حرم بيعها»، قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها (^٤).
وكذلك سفك المسلمين لها وإراقتها بعد تحريمها ولم يؤمروا بغسل أوانيهم بعدها، قال ابن عثيمين: (ولو كانت نجسة لأُمروا بِغَسْلها، كما أُمروا بِغَسْل الأواني من لحوم الحُمُر الأهليَّة حين حُرِّمت في غزوة خيبر) (^٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٨٧).
(٢) من الآية (٢٣) من سورة النساء.
(٣) انظر: المطلع على ألفاظ المقنع ص (١٨).
(٤) أخرجه مسلم (١٥٧٨).
(٥) الشرح الممتع (١/ ٤٣٠).
[ ١ / ١١٧ ]
ونوقش هذا الاستدلال، بأمور:
- بعدم التسليم فإنه ورد الأمر بغسل أواني الخمر وهو أصرح من عدم الأمر؛ كما في حديث أبي ثعلبةَ الخُشَنيِّ -﵁- المُخرَّجِ في الصحيحين قال: أتيت النبي -ﷺ-، فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض أهل الكتاب، فنأكل في آنيتهم …؟ فقال النبي -ﷺ-: «أمَّا ما ذكرتَ أنك بأرضِ أهلِ كتاب، فلا تأكلوا في آنيتهم إلا ألّا تجدوا بُدًّا، فإن لم تجدوا بُدًّا فاغسلوها وكلوا … الحديث» (^١)، وقد أتى الأمر بعد الالتباس والسؤال، ولو لم يستشكلوا فإن الأمر غير وارد؛ لأنهم سيغسلون الآنية بعد استعمالها بداهة.
- وقد جاء عند أحمد وأبي داود زيادةٌ مُفسِّرة: (إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزيرَ ويشربون في آنيتهم الخمر) (^٢)، قال البيهقي: (وفي هذا دلالة على أن الأمر بالغسل، إنما وقع عند العلم بنجاستها) (^٣)، وهذه الزيادة وإن كان قد أعرض عنها الشيخان وهذا مظنة إعلال، إلا أنه يجب المصير إليها عندَ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٤٩٦)، ومسلم (١٩٣٠) وهذا لفظ البخاري، وقوله: «إلا أن لا تجدوا بُدًّا» يوضحه الرواية الأخرى وهي في الصحيحين أيضًا: «إن وجدتم غير آنيتهم، فلا تأكلوا فيها».
(٢) أخرجه أحمد (١٧٧٣٧) من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة [عبدالله بن زيد الجرمي، وهو ثقةٌ كثير الإرسال كما ذكر ابنُ حجر]، عن أبي ثعلبة به، وأخرجه أبو داود (٣٨٣٩) قال: حدثنا نصر بن عاصم، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زبر، عن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم، عن أبي ثعلبة به، ولاتخلو هذه الزيادة من ضعف؛ فإسناد أحمد فيه انقطاع، قال الترمذي: (وأبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة، إنما رواه عن أبي أسماء [الرحبي وهو ثقة]، عن أبي ثعلبة)، وإسناد أبي داود فيه ضعف، فنصرُ بنُ عاصم الأنطاكي لين الحديث كما قال ابن حجر في التقريب ص (٥٦٠)، وهذه العبارة لاتفيد ضعفًا شديدًا، ولذا ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ٢١٧).
(٣) السنن الكبرى (١٠/ ١٨).
[ ١ / ١١٨ ]
كلِّ منْ لايرى نجاسة بدن الكافر وهم الجمهور (^١)، وإلا كان معارضًا لنصوص جواز استعمال آنية المشركين، قال النووي: (المراد النهي عن الأكل في آنيتهم التي كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير ويشربون الخمر، كما صرح به في رواية أبي داود، وإنما نهى عن الأكل فيها بعد الغسل للاستقذار وكونها معتادة للنجاسة) (^٢) قال ابن حجر: (والأمر باجتنابها عند وجود غيرها للمبالغة في التنفير عنها) (^٣).
- يوضح ذلك أن الحُمر الأهلية إنما أمرهم بغسل أوانيها بعد سؤالهم، واستشكالهم، كما في حديث سلمةَ بنِ الأَكْوعِ في الصحيحين: أن النبي -ﷺ- رأى نيرانًا توقد يوم خيبر، قال: «على ما توقد هذه النيران؟»، قالوا على الحمر الإنسية، قال: «اكسروها، وأهرقوها»، قالوا: ألا نهريقها، ونغسلها؟ قال: «اغسلوا» (^٤)، ولم يؤمروا في غير هذا الحديث بغسلها، بل أُمروا بإكفاء القدور كما في حديث ابن أبي أوفى (^٥)، وورد أيضًا أنهم امتثلوا هم بإكفائها دون أمْر، لما علموا تحريمها، كما في حديث
_________________
(١) وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فليس المراد نجاسة البدن، قال النووي: (فليس المراد نجاسة الأعيان والأبدان، بل نجاسة المعنى والاعتقاد؛ ولهذا ربط النبي -ﷺ- الأسير الكافر في المسجد، وقد أباح الله تعالى طعام أهل الكتاب) المجموع (٢/ ٥٦٢)، قال ابن كثير: (الجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات؛ لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم) تفسير ابن كثير (٤/ ١٣١)، قال ابن الجوزي: (لما كان علينا اجتنابهم كما تجتنب الأنجاسُ، صاروا بحكم الاجتناب كالأنجاس، وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح) زاد المسير (٢/ ٢٨٤).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٨٠).
(٣) فتح الباري (٩/ ٦٠٦).
(٤) أخرجه البخاري (٢٤٧٧)، ومسلم (١٨٠٢) وهذا لفظ البخاري.
(٥) أخرجه البخاري (٣١٥٥)، ومسلم (١٩٣٧).
[ ١ / ١١٩ ]
أنس (^١)، فما يُورَدُ على عدم الأمر بغسل آنية الخمر يُورَدُ هنا.
- وعلى فرض التسليم بأنهم لم يؤمروا بغسل أواني الخمر؛ فإن ذلك للعلم به بداهة حتى في الطاهرات، كاللبن إذا وضع في إناء فإنه يُغسل بعد شربه إذا أردنا شرب شيء آخر فيه، ثم إنه يلزم من استدلالهم = جوازُ شرب الماءِ في الإناء الذي شُرب به خمر ولو لم يُغسل، وهذا باطل قطعًا (^٢).
٣/ ومن أدلتهم أيضًا على طهارة الخمر: حديث أنس -﵁-: «أن رسول الله -ﷺ- أمر مناديًا ينادي: ألا إنَّ الخمر قد حرمت»، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة (^٣).
وجه الاستدلال:
كماقال القرطبي: (استدل سعيد بن الحداد القروي (^٤) على طهارتها بسفكها في طرق المدينة، قال: ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة -﵁-، ولنهى رسول الله -ﷺ- عنه كما نهى عن التخلي في الطرق) (^٥)، قال ابن عثيمين: (وطُرقات المسلمين لا يجوز أن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٩٩١)، ومسلم (١٩٤٠).
(٢) انظر: شرح كتاب الطهارة من زاد المستقنع للشنقيطي ص (٣٥٩).
(٣) أخرجه البخاري (٢٤٦٤)، ومسلم (١٩٨٠).
(٤) سعيد بن محمد بن صبيح بن الحداد المغرب، شيخ المالكية، صاحب سحنون، قال الذهبي في السير: (وهو أحد المجتهدين، وكان بحرا في الفروع، ورأسا في لسان العرب، بصيرًا بالسنن، وكان يذم التقليد، ويقول: هو من نقص العقول، أو دناءة الهمم … وكان من رؤوس السنة)، مات سنة (٣٠٢) هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٠٥).
(٥) تفسير القرطبي (٦/ ٢٨٨)، وسعيد بن الحداد (ت ٣٠٢) هو أول من استدل بذلك فيما وقفت عليه، ولم أذكره في نسبة الأقوال؛ لأني لم أرَ أحدًا نسبه إليه، حتى القرطبي في نسبة الأقوال لم ينسبه إليه، وهذا محتمل؛ لأنه لايلزم من الاستدلال التزام القول؛ لأنه قد يستدل ثم يجيب، أو لعله من بعض هؤلاء الذين عناهم القرطبي بقوله: (وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة). تفسير القرطبي (٦/ ٢٨٨).
[ ١ / ١٢٠ ]
تكون مكانًا لإِراقة النَّجاسة) (^١).
ونوقش هذا الاستدلال بأمور (^٢):
- أما قياسها على التخلي في الطريق؛ فقياس مع الفارق؛ لأن التخلي لو لم يُنه عنه لاستمر الناس في فعله وتكرر، أما إراقة الخمر فهو مرة واحدة يوم حُرّم، والتخلي في الطرق فيه من خوارم المروءة، وتكشف العورات، والأذية بالنجس والريح ماليس في الخمر.
- ثم إنه لايلزم من إراقتها أن تكون مؤذية، فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرًا يعم الطريق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها.
- يُضاف إلى ذلك أن الإراقة يحتمل أنها لم تكن في أي سكة، بل في السكك التي لها منفذ وانحدار إلى وادٍ بعيدٍ عن طرق الناس، ويؤيد ذلك ماورد في حديث جابر بسند جيد (^٣) في قصة صب الخمر قال: (فانصبت حتى استنقعت في بطن الوادي) (^٤).
- ولو سلمنا بهذا الاستدلال، فيمكن حمل فعل الصحابة -﵃- على الضرورة؛ لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيه، إذ
_________________
(١) الشرح الممتع (١/ ٤٢٩).
(٢) انظر: تفسير القرطبي (٦/ ٢٨٨)، فتح الباري (٥/ ١١٢) فتح الباري (١٠/ ٣٩)، مجلة البحوث الإسلامية (٣٨/ ٨١).
(٣) قاله ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٣٩).
(٤) أخرجه ابن زنجويه في الأموال (٤٢٨) من حديث جابر.
[ ١ / ١٢١ ]
الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور.
- ثم إن مفسدة إراقتها يسيرة محتملة لمصلحة راجحة، من إشاعة لتحريمها، وإخراج لها من نفوس قد تعلقت بها وألفتها، قال المهلب: (إنما صبت الخمر في الطريق للإعلان برفضها وليشهر تركها، وذلك أرجح في المصلحة من التأذي بصبها في الطريق) (^١).
- والخمر بعد إراقتها لاتمكث بل تختلط بالتربة، وتضربها الريح، وتشربها الأرض، وتُيَبِّسها الشمس، فتستحيل ولاتؤثر فيمن وطئها؛ كما (كانت الكلاب تبول، وتقبل وتدبر في المسجد، في زمان رسول الله -ﷺ-، فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك) (^٢).
- وعلى فرض أنها تبقى ولا يشق الاحتراز منها ثم وطئها المار عليها، فإنه ماوطئه يطهره ما بعده، كما في ذيل المرأة يطهره مابعده، والنعل يطهرها التراب، والطريق القذرة يطهر ماعلق منها الطريق الطيبة بعدها.
- وبعد هذه الاحتمالات التي تُضعف الاستدلال، فهنا احتمال ضعيف أيضًا، وهو ماذكره ابن التّين: (هذا الذي في الحديث
_________________
(١) فتح الباري (٥/ ١١٢).
(٢) أخرجه البخاري (١٧٤) من حديث ابن عمر، وقد بوب عليه أبوداود: (باب في طهور الأرض إذا يبست)، قال ابن تيمية في الفتاوى (٢١/ ٣٢٢): (ثبت بسنته أن الأرض تطهر بما يصيبها من الشمس والريح والاستحالة) ثم استدل بحديث ابن عمر وغيره، قال ابن القيم: (وهذا كقول أبي حنيفة: إن الأرض النجسة يطهرها الريح والشمس … وحديث ابن عمر -﵄- كالنص في ذلك، وهو قوله: كانت الكلاب …) إغاثة اللهفان (١/ ١٥٥)، وقد تأول بعضهم الحديث بأنها كانت تبول خارج المسجد، وقوله: (فلم يكونوا يرشون) يرده.
[ ١ / ١٢٢ ]
كان في أول الإسلام قبل أن ترتب الأشياء وتنظف، فأما الآن فلا ينبغي صب النجاسات في الطرق خوفًا أن يؤذي المسلمين) (^١).
المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ:
بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بطهارة الخمر إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته الإجماع الصحيح، ولم يثبت بعد البحث مخالف يصح أن يُخرم به الإجماع، ولو ثبت المخالف فإنه محجوج بإجماع الصحابة قبله (^٢)، ولايعرف عن الصحابة قول صحيح ولاضعيف بطهارة الخمر، فإن امتنع ذلك فهو إجماع من بعدهم، من القرن الرابع إلى القرن الثانيَ عشرَ، وقد أطبق الأئمة الأربعة وأتباعهم وغيرهم على القول بنجاسة الخمر، والله أعلم.
مسألة في حكم الكحول (^٣):
- الكحول: سائل عديم اللون، له رائحة خاصة، يُنتج من تخمر السكر والنشاء وغيرهما، وهو روح الخمر وخلاصته (^٤)، يدخل في صناعة الخمور، وفي تحضير الأدوية والعطور والصِّبغ، ويستعمل مادّةً مذيبة (^٥)، وهو لفظ معرَّب، مع أن أصلها عربي وهو الغَوْل: أي: ما يغتال العقل بالسكر (^٦)، وقد قال تعالى عن خمر الآخرة:
_________________
(١) نقله العيني في عمدة القاري (١٣/ ١١).
(٢) قال الماوردي: (فأما الخمر؛ فنجس بالاستحالة وهو إجماع الصحابة -﵃- الحاوي الكبير (٢/ ٢٦٠).
(٣) هذه المسألة أشبه بالنوازل، لكن كثيرًا ممن يبحث مسألة نجاسة الخمر، يتعرض لها، فهي غير مقصودة بالبحث ولذا سيكون الكلام عليها مختصرًا.
(٤) انظر: المعجم الوسيط (٢/ ٧٧٨)، معجم اللغة العربية المعاصرة (٣/ ١٩١٢).
(٥) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة (٣/ ١٩١٢).
(٦) انظر: معجم لغة الفقهاء ص (٣٧٨)، ولما ترجمت الكتب العربية وليس عندهم حرف الغين حرفت إلى كاف، فقالوا: كول، ثم أضاف إليها الأتراك حرف الحاء فقالوا: كحول، ويسمى بالإيطالية: سبيرتو. انظر: الجامع لبيان النجاسات وأحكامها ص (٣١٢).
[ ١ / ١٢٣ ]