- ومما يؤكد ذلك: أن هذه الرواية الخاطئة لم يعلق عليها ابن قندس في حواشي الفروع، ولا المرداودي في تصحيح الفروع، مع أهميتها لو كانت صحيحة، ولم تذكر في بقية كتب المذهب، وهي مخالفة للنقل عن أحمد أنه لاخلاف في نجاسة الدم، والله أعلم.
المسألة الثانية: أدلة القائلين بطهارة الدم:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
١/ البراءة الأصلية (^١)، فالأصل في الأشياء الطهارة، ولم يأتِ دليل يعتمد عليه في نجاسة هذا الدم (^٢)، ولم يأمر النبي -ﷺ- بغسل دمٍ من الدماء إلا دم الحيض (^٣).
ونوقش هذا الاستدلال:
- بأن الاستدلال بالبراءة الأصلية إنما يتم عند عدم الدليل، فهو آخر مدار الفتوى (^٤)، قال الشوكاني: (فإن المجتهدين إذا تناظروا لم ينفع المجتهد قوله لم أجد دليلًا على هذا؛ لأن التمسك بالاستصحاب لا يكون إلا عند عدم الدليل) (^٥).
- وقد قام دليل الكتاب والإجماع على نجاسة الدم المسفوح، فمن يتمسك بالبراءة الأصلية هنا على قسمين: ١/ من لايرى انعقاد الإجماع؛ كالشوكاني، وهذا مناقشته في أصل الاستدلال
_________________
(١) انظر: الدراري المضية (١/ ٣٢)، سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٦٠٧)، الشرح الممتع (١/ ٤٤١).
(٢) انظر: الجامع لبيان النجاسات وأحكامها ص (١٧٧).
(٣) آراء الشيخ الألباني في العبادات (١/ ٣٤٨).
(٤) انظر: تحذير النبلاء ص (٢٠).
(٥) إرشاد الفحول (٢/ ١٧٥).
[ ١ / ١٤٤ ]
بالإجماع. ٢/ من يرى إمكان انعقاد الإجماع، ولكنه يعتقد أن الإجماع المحكي مخروم؛ كالألباني، والجواب عنه يكون عند ذكر الآثار التي استدل بها، أو يُظن خرمها للإجماع.
- أما الأمر بغسل دم الحيض فهو دليل على نجاسة كل دم:
أ) أما حديث عائشة -﵂- قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش، إلى النبي -ﷺ- فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» (^١)، فقوله: «اغسلي عنك الدم» عام في كل دم، قال ابن حزم: (وهذا عموم منه -ﷺ- لنوع الدم، ولا نبالي بالسؤال إذا كان جوابه -﵇- قائمًا بنفسه غير مردود بضمير إلى السؤال) (^٢)، وقد استُدرك ذلك بأن اللام هنا للعهد الذكري (^٣).
ب) وأما حديث أسماء -﵂- قالت: جاءت امرأة إلى النبي -ﷺ-، فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة، كيف تصنع به؟ قال: «تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه» (^٤)، فيقاس عليه غيره، قال الشافعي: (وفي هذا دليل على أن دم الحيض نجس، وكذا كل دم غيره) (^٥)، قال ابن عبدالبر: (وحكم كل دم كدم الحيض) (^٦)، ونوقش: بأن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣).
(٢) المحلى (١/ ١١٥).
(٣) انظر: السلسلة الصحيحة (١/ ٦٠٩).
(٤) أخرجه البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١).
(٥) الأم (١/ ٨٥).
(٦) التمهيد (٢٢/ ٢٣٠).
[ ١ / ١٤٥ ]