وإقراره (^١)، فكيف إذا كان هذا النص المحتمل تفرد به هذا الصحابي، أو كان مخالفًا للمرفوع؟، قال الشوكاني: (قول الصحابي ليس بحجة إذا انفرد فكيف إذا عارض المرفوع)؟! (^٢).
- ثم إن هذا الأثر في البخاري تحت نظر العلماء، ولم يستدلوا به على تجويز استعمال الفضة، وقد ساقه البخاري في موضع واحد من ثلاثة طرق أحدها طريق إسرائيل الذي تفرد بالزيادة، وترجم له: (باب ما يذكر في الشيب) ولم يبوّب على المعنى الذي زاده إسرائيل، وجعله الطبري في أحاديث تغيير الشيب والخضاب، وبوّب عليه البيهقي في الدلائل: (باب ذكر شيب -ﷺ- وما ورد في خضابه)، ولم أقف على أحد استدل به على جواز استعمال الفضة في غير الأكل والشرب مطلقًا قبل الشوكاني.
٣/ واستدلوا أيضًا: بالبراءة الأصلية، وأن الأصل الحل فلا تثبت الحرمة إلا بدليل يسلمه الخصم (^٣)، ويؤيد هذا الأصل حديث: «ولكن عليكم بالفضة، فالعبوا بها» (^٤)، ولو كانت محرمة في كل
_________________
(١) قال في إرشاد الفحول (٢/ ١٨٨) عن قول الصحابي: (والحق: أنه ليس بحجة)، وقال في النيل (٦/ ١٠٨): (قول الصحابي وفعله ليس بحجة).
(٢) نيل الأوطار (٥/ ١١١).
(٣) هذا تعبير الشوكاني في النيل، والعبرة في مقام التقرير هو صحة الدليل لا تسليم الخصم، وفي المناظرة والمحاجة ينُظر في تسليم الخصم للدليل، ولا يلزم من تسليم الخصم صحة الدليل.
(٤) لفظ الحديث: «من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار، فليحلقه حلقة من ذهب، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقًا من نار، فليطوقه طوقا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه سوارا من نار، فليسوره سوارا من ذهب، ولكن عليكم بالفضة، فالعبوا بها» أخرجه أحمد (٨٩١٠)، وأبوداود (٤٢٣٦)، والبيهقي (٧٥٥٣)، من طريق عبد العزيز بن محمد، عن أَسيد بن أبي أسيد البراد، عن نافع بن عباس أو (عياش) عن أبي هريرة به، ولم يتعقبه البيهقي، وقد جاء عند أحمد (١٩٧١٨) من طريق عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أَسيد بن أبي أسيد عن ابن أبي موسى، عن أبيه، أو عن ابن أبي قتادة، عن أبيه به، فمدار الحديث على أَسيد، وتفرده لا يحتمل، قال الدارقطني عن أسيد بن أبي أسيد البراد: (يعتبر به). سؤالات البرقاني ص (١٧)، ويقصد أنه لايحتج به، وإنما يعتبر بحديثه في الشواهد والمتابعات، وفي إسناد الحديث اضطراب أيضًا؛ فمرة يجعله من حديث أبي هريرة ومرة يشك في إسناده إلى أبي قتادة أو أبي موسى، ومرة يجزم بأنه من حديث أبي قتادة، قال عمرو بن عبدالمنعم سليم في كتابه آداب الخطبة والزفاف ص (٢٣٣) عن هذا الحديث: (السند مردود بأكثر من علة: من التفرد بمتن منكر، والجهالة، والاضطراب)، وللحديث شاهد مسلسل بضعفاء لايعتبر بهم، رواه الطبراني في المعجم الكبير (٥٨١١) من طريق محمد بن سنان القزاز، عن إسحاق بن إدريس، عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد به، القزاز وإسحاق متهمان بالكذب، وعبدالرحمن بن زيد متفق على ضعفه.
[ ١ / ١٩١ ]
استعمال؛ لأمر النبي -ﷺ- بتكسيرها كما أمر بهتك الصور (^١).
ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال بأمور:
- بأن الاستدلال بالبراءة الأصلية إنما يتم عند عدم الدليل، فهو آخر مدار الفتوى، (فإن المجتهدين إذا تناظروا لم ينفع المجتهد قوله لم أجد دليلًا على هذا؛ لأن التمسك بالاستصحاب لا يكون إلا عند عدم الدليل) (^٢)، وقد قام دليل الإجماع وغيره.
- وأما الحديث؛ فضعيف، لتفرد أَسِيدِ البرَّاد، وتحريم الذهب المحلق في أوله منكر، وعلى فرض ثبوته فقد أشار ابن شاهين (^٣)، والبيهقي إلى نسخه.
_________________
(١) انظر: نيل الأوطار (١/ ٩١)، فقه السنة (٣/ ٤٩٠)، الشرح الممتع (١/ ٧٥ - ٧٦).
(٢) كما قال الشوكاني في إرشاد الفحول (٢/ ١٧٥).
(٣) انظر: ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين ص (٤٤٦)، وعنده في ص (٤٤٣) رواية للحديث السابق في اللعب بالفضة من طريق أبي عامر عن زهير بن محمد التيمي، عن نافع بن عباس، عن أبي هريرة به. ولم أقف على أن نافعًا من شيوخ زهير، ولم يصرح زهير بالتحديث عنه، وأَسيد من شيوخ زهير، فلا يبعد أن يكون هذا هو حديث أَسيد وهو أشبه؛ حيث أخرجه أحمد (٨٤١٦) عن أبي عامر قال: حدثنا زهير، عن أسيد بن أبي أسيد، عن نافع بن عياش، عن أبي هريرة، على أن زهيرًا له أغاليط كما قال الدارمي، وله مناكير يحذر منها كما قال الذهبي. انظر: تاريخ الإسلام (٤/ ٣٦٧)، السنن الكبرى (٤/ ٢٣٨).
[ ١ / ١٩٢ ]
- ثم قوله: «فالْعبوا بها» سياقه في النساء (^١)، ومعنى الحديث: أن الذهب كان حرامًا على النساء، وقال لهم ترخيصًا: «العبوا بالفضة»، أي: حلّوا نساءكم منها بما شئتم، ثم نسخ تحريم الذهب على النساء؛ ولذا قال في أوله: «من أحب أن يحلق حبيبه» فدلّ ذلك على أن المراد بقوله: «فالعبوا بها»، أي: حلوا بها أحبابكم كيف شئتم; لارتباط آخر الكلام بأوله (^٢)، وهو في بابِ اللبس والتحلي وليس الاستعمال، وبابُ التحلي أوسع، وأما عدم الأمر بتكسيرها؛ فلأن حرمتها ليست لعينها؛ كحرمة الخمر، وإنما لوصفها حال كونها آنية مستعملة، ويمكن حفظ المال وتحلي النساء فيها، والله أعلم.
المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ:
بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بجواز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته الإجماع الصحيح، ولم يثبت بعد البحث قول معتبر يصح أن تُخرم به الإجماعات المنقولة عن علماء الأمة (^٣)، ولايعرف من قرَّر هذا القول قبل الصنعاني، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر (١/ ١٤١).
(٢) انظر: أضواء البيان (٢/ ٣٥٥)، وقال: (ومن استدل بهذا الحديث على جواز لبس الرجال للفضة فقد غلط).
(٣) وأما قول ابن حجر في الفتح (١٠/ ٩٧): (وأغربت طائفة شذت فأباحت ذلك مطلقًا، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم من قصره على الشرب) انتهى، أما قصر التحريم على الشرب؛ فهو منسوب لداود، وسبق مناقشته، وأما قصر التحريم على الأكل والشرب أو إباحة ذلك مطلقًا؛ فهذه دعوى تحتاج إلى إثبات، فلو سُمي أحد لنُظر في قوله وثبوته عنه ودلالته، أما وقد أُبهم فلا يشتغل بالنسبة إلى مجهول، ولا يصح أن يستند إليه، كما قال العيني في مسألة أخرى: (وَمن هم هؤلاء الجماعة المبهمة حتَّى يكون سندًا لدعواه) عمدة القاري (٢٢/ ٤٩).
[ ١ / ١٩٣ ]
(يرحم الله السَّلف الصالح فإنَّهم بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح، فقالوا: مهما كنت لاعبًا بشيء، فإياك أن تلعب بدينك).
أبو العباس القرطبي - ﵀ - المفهم (٦/ ٢٠٨)
[ ١ / ١٩٤ ]