المائعات في اللغة: جمع مائع، والمائع ضد الجامد، وأصل الكلمة من الميم والياء والعين، قال ابن فارس: (الميم والياء والعين كلمةٌ صحيحة تدلُّ على جريانِ شيءٍ واضطرابِ شيءٍ وحركتِه) (^١)، والمائعات تشمل: المياهَ وغيرَها من السوائل؛ كالزيت واللبن والمرق (^٢)، ومن خصائص الماء: وصف الطهورية قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (^٣)، قال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن الوضوء بالماء جائز) (^٤)، وقال الرصَّاع (^٥): (الطهورية من خواص الماء، وقد حكى ابن العربي الإجماع على ذلك) (^٦)، وقد يوصف غير الماء بالطهارة ولايوصف بالطهورية، ثم إن الفقهاء يفرقون بين الماء وغيره من المائعات في جملة من الأحكام، ومنها:
١/ أن الوضوء والغسل لايصحان إلا بالماء، دون غيره من المائعات
_________________
(١) مقاييس اللغة (٥/ ٢٣٢).
(٢) قال ابن حجر: (وضابط المائع عند الجمهور أن يتراد بسرعة إذا أخذ منه شيء) فتح الباري (٩/ ٦٧٠).
(٣) آية (٤٨) من سورة الفرقان.
(٤) الإجماع ص (٣٤).
(٥) أبوعبدالله محمد بن قاسم الأنصاري من فقهاء المالكية، نشأ واستقر وتوفي بتونس، ولي القضاء، واقتصر في أواخر أيامه على إمامة جامع الزيتونة والإفتاء والتدريس. عُرف بالرصاع؛ لأن أحد أجداده كان نجارًا يرصع المنابر، توفي سنة (٨٩٤) هـ. انظر: الضوء اللامع للسخاوي (٨/ ٢٨٧)، الأعلام للزِّرِكْلي (٧/ ٥)، معجم أعلام الجزائر ص (٤٣٠).
(٦) شرح حدود ابن عرفة ص (٢٦).
[ ١ / ٥٣ ]
- خلا النبيذ ففيه خلاف والجمهور لايرون جوازه (^١) -، قال ابن قدامة: (فأما غير النبيذ من المائعات غير الماء، كالخل والدهن والمرق واللبن، فلا خلاف بين أهل العلم فيما نعلم أنه لا يجوز [بها] وضوء ولا غسل) (^٢)
٢/ إزالة الخبث عند الجمهور لايصح إلا بالماء، قال النووي: (رفع الحدث وإزالة النجس لا يصح إلا بالماء المطلق، فهو مذهبنا لا خلاف فيه عندنا، وبه قال جماهير السلف والخلف من الصحابة فمن بعدهم) (^٣).
- وقد جمع هذا الاختصاصَ للماء في هاتين الصورتين الغزاليُّ بقوله: (والطَّهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات، أما فى طهارة الحدث؛ فبالإجماع، وأما في طهارة الخبث؛ فعند الشافعي خلافًا لأبي حنيفة) (^٤).
_________________
(١) قال ابن حزم في مراتب الإجماع ص (١٧): (وأجمعوا أنه لا يجوز وضوء بشيء من المائعات وغيرها حاشا الماء والنبيذ)، قال ابن تيمية في نقده لمراتب الإجماع ص (٢٨٨): (وقد ذكر العلماء عن ابن أبي ليلى - وهو مِن أَجَلِّ من يحكي ابنُ حزمٍ قولَه - أنه يجزئ الوضوء بالمعتصَر، كماء الورد ونحوه، كما ذكروا ذلك عن الأصَمِّ، لكنَّ الأصَمَّ ليس مِمَّن يَعُدُّه ابنُ حزمٍ في الإجماع)، قال ابن هبيرة في اختلاف الأئمة العلماء (١/ ٢٩) [وهذا الكتاب أصله شرح للجمع بين الصحيحين للحميدي ويسمى الإفصاح عن معاني الصحاح]: (أجمعوا على أنه لا يجوز التوضؤ بالنبيذ على الإطلاق إلا أبا حنيفة: فإن الرواية اختلفت عنه. فروي عنه: أنه لا يجوز ذلك كالجماعة، وهي اختيار أبي يوسف. وروي عنه: أنه يجوز الوضوء بنبيذ التمر المطبوخ في السفر عند عدم الماء. وروي عنه: أنه يجوز الوضوء به، ويضيف التيمم، وهي اختيار محمد بن الحسن)، والقول بعدم الجواز والعدول إلى التيمم هي الرواية الأخيرة عن أبي حنيفة وهي المعتمدة، قال ابن نجيم عن هذا القول: (قوله الآخر وقد رجع إليه، وهو الصحيح وبه قال أبو يوسف والشافعي ومالك وأحمد وأكثر العلماء … فالمذهب المصحح المختار المعتمد عندنا هو عدم الجواز - أي: الوضوء بالنبيذ -) البحر الرائق (١/ ١٤٤).
(٢) المغني (١/ ٣٩).
(٣) المجموع (١/ ٩٢ - ٩٣).
(٤) الوسيط (١/ ١٠٧ - ١٠٩)، قال الزَّرْكشيُّ: (المائع الجاري حكمه حكم الماء المطلق إلا في مسألتين: إحداهما: الجرية إذا كانت قلتين فإنه لا أثر لها في دفع النجاسة في المائع، بل يحكم على جميعه بالنجاسة بخلاف الماء. الثانية: المائع إذا تنجس وبلغ قلتين لا يعود طهورا بخلاف الماء ومن هذا أن المائع إذا تنجس لا يمكن تطهيره على الصحيح بخلاف الماء) المنثور في القواعد الفقهية (٣/ ١٣١).
[ ١ / ٥٤ ]
٣/ ومن الفروق -وهو المراد وفيه تحرير لمحل الشذوذ-:
أن العلماء يرون أن الماء يمكن تطهيره إذا وقعت فيه النجاسة (^١) بخلاف غيره من المائعات، فإنها تنجس ولا يمكن تطهيرها بوقوع النجاسة فيها، قال ابن عبدالبر: (وأجمعوا أن المائعات كلها من الأطعمة والأشربة -ما خلا الماء- سواء، إذا وقعت فيها الميتة نجست المائع كله، ولم يجز أكله ولا شربه عند الجميع إلا فرقة شذت) (^٢).
- فذكر أن العلماء مجمعون أن الماء له حكم خاص فهو الذي يمكن تطهيره خلافًا لبقية المائعات فإنها تنجس بوقوع النجاسة ولا يمكن تطهيرها، وهناك من المعاصرين من لايفرق بين الماء وغيره من المائعات، فلاتنجس عنده كلها إلا بالتغير بالنجس.
_________________
(١) قال السرخسي: (وقد بينا أن طهارة البئر بنزح بعض الدلاء قول السلف من الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم -) المبسوط (١/ ٩٠)، وقال الحطاب: (الماء إذا تغير بالنجاسة ثم زال تغيره فلا يخلو إما أن يكون بمكاثرة ماء مطلق خالطه أم لا فالأول طهور باتفاق) مواهب الجليل (١/ ٨٤)، وقال الشيرازي في المهذب (١/ ٢١): (وإن كانت نجاسته بالقلة بأن يكون دون القلتين طهر بأن يضاف إليه ماء آخر حتى يبلغ قلتين ويطهر بالمكاثرة)، قال النووي معلقًا: (بلا خلاف) المجموع (١/ ١٣٦)، وقال ابن قدامة: (وإذا انضم إلى الماء النجس ماء طاهر كثير طهره، إن لم يبق فيه تغير) قال المرداوي معلقًا: (وهذا بلا نزاع إذا كان المتنجس بغير البول والعذرة، إلا ما قاله أبو بكر) الإنصاف (١/ ٦٣)، وقول أبي بكر: (إذا انماعت النجاسة في الماء فهو نجس لا يطهر ولا يطهر) قال في المستوعب: (وهو محمول على أنه لا يطهر بنفسه إذا كان دون القلتين) نقلهما المرداوي في الإنصاف (١/ ٦٣).
(٢) التمهيد (٩/ ٤١).
[ ١ / ٥٥ ]