الخمر في اللغة: مركبة من الخاء والميم والراء، وأصل هذا التركيب يدل على التغطية، والمخالطة (^١)، فالتخمير: التغطية، والاختمار: الإدراك، والمخامرة: المخالطة (^٢)، وتسمية الشراب المسكر بالخمر؛ لأنه يغطي ويستر العقل، أو يخالطه (^٣).
قال ابن سيده: (والخَمْرُ: مَا أسكر من عَصيرِ العِنَب)، ثم قال: (حَقِيقَة الْخمر إِنَّمَا هِيَ للعِنب دون سَائِر الْأَشْيَاء) (^٤)، وقال الفيروزآبادي: (الخمر: ما أسكر من عصير العنب، أو عام …، والعموم أصح؛ لأنها حرمت، وما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلا البسر والتمر) (^٥)،
_________________
(١) انظر: مقاييس اللغة (٢/ ٢١٥).
(٢) انظر: لسان العرب (٤/ ٢٥٥)، ومقاييس اللغة (٢/ ٢١٥)، قال ابن عبدالبر: (والثلاثة الأوجه كلها موجودة في الخمر؛ لأنها تركت حتى أدركت الغليان وحد الإسكار، وهي مخالطة للعقل وربما غلبت عليه وغطته). التمهيد (١/ ٢٦٤).
(٣) انظر: القاموس المحيط ص (٣٨٧)، المعجم الوسيط (١/ ٢٥٥).
(٤) المحكم والمحيط الأعظم (٥/ ١٨٥)، قال ابن عبدالبر: (ما يعصر من العنب يسمى خمرًا في لسان العرب، لكن الاسم الشرعي لا يقع عليها إلا أن تغلى وترمى بالزبد ويسكر كثيرها أو قليلها، وفي اللغة قد يسمى العنب خمرًا لكن الحكم يتعلق بالاسم الشرعي دون اللغوي) التمهيد (٤/ ١٤١)، ويؤيد ماذكره ابن عبدالبر من أن العنب قد يسمى خمراّ في اللغة قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾، قال الضحاك: (يعني: عنبًا. قال: وأهل عمان يسمون العنب خمرًا) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٨٨)، قال ابن القاسم: (وقد نطقت قريش بهذه اللغة وعرفتها)، قال ابن الجوزي: (وفي تسمية العنب خمرًا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه سماه باسم ما يؤول إِليه … وهذا قول أكثر المفسرين). زاد المسير (٢/ ٤٣٨)، وهو الذي نقل قول ابن القاسم أيضًا.
(٥) القاموس المحيط ص (٣٨٧).
[ ١ / ٩١ ]
ولايظهر تعارض بين النقلين، فالخصوص هي الحقيقة اللغوية، والعموم هي الحقيقة الشرعية، وهذا ظاهر من تعليل صاحب القاموس (^١).
أما الخمر في الاصطلاح:
- فهناك معنى متفق عليه عند الفقهاء، ومعنى اختلفوا فيه، قال النووي: (الخمر يطلق على عصير العنب المشتد إطلاقًا حقيقيًا إجماعًا، واختلفوا هل يطلق على غيره حقيقة أو مجازًا) (^٢)، فعصير العنب المسكر يسمى خمرًا عند الجميع، أما غيره من الأنبذة ونحوها إذا كانت مسكرة فهل تُسمّى خمرًا؟ اختلفوا في ذلك مع اتفاقهم جميعًا على تحريم كل مسكر (^٣).
- فهي عند جماهير العلماء (^٤): (اسمٌ لكلِّ مُسكرٍ خَامَرَ العقلَ، أي:
_________________
(١) نقل بعضهم اتفاق أهل اللغة على أن الخمر ماكان من العنب، قال الزيلعي: (الخمر حقيقة: اسم للنيء من ماء العنب المسكر باتفاق أهل اللغة …، وتسمية غيرها خمرًا مجاز). تبيين الحقائق (٦/ ٤٤)، قال الخطابي: (زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب، فيقال لهم: إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرًا عرب فصحاء فلو لم يكن هذا الاسم صحيحًا لما أطلقوه) فتح الباري (١٠/ ٤٨) وقد تتابع عدد من الشراح على نقل هذا النص، ولم أجده في معالم السنن، ووجدت تعليقًا له بمعناه، حيث قال معلقًا على أثر عمر -﵁-: (نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمرُ ما خامر العقل)، قال الخطابي: (فيه البيان الواضح أن قول من زعم من أهل الكلام أن الخمر إنما هو عصير العنب النيء الشديد منه وإن ما عدا ذلك فليس بخمر باطل). معالم السنن (٤/ ٢٦٢).
(٢) المجموع (٢٠/ ١١٨)، قال ابن عبدالبر: (وقد أجمع علماء المسلمين في كل عصر وبكل مصر فيما بلغنا وصح عندنا أن عصير العنب إذا رمى بالزبد وهدأ وأسكر الكثير منه أو القليل أنه خمر). التمهيد (١/ ٢٤٥).
(٣) قال الشافعي: (السكر محرم عند جميع أهل الإسلام) الأم (٦/ ٢٢٣)، وقال ابن تيمية: (فإن كل ما يغيب العقل يحرم باتفاق المسلمين) مجموع الفتاوى (٣٤/ ٢١٨).
(٤) قال مالك: (ما أسكر من الأشربة كلها فهو خمر) المدونة (٤/ ٥٢٣)، وقال الشيرازي: (واسم الخمر يقع على كل مسكر) المهذب (٣/ ٣٧٠)، قال أبو داود: (سمعت أحمد غير مرة، يقول: كل مسكر خمر) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود ص (٣٤٦).
[ ١ / ٩٢ ]
غطاه) (^١)، قال ابن عبدالبر: (قال أهل المدينة، وسائر أهل الحجاز، وعامة أهل الحديث وأئمتهم: إن كل مسكر خمر، حكمه حكم خمر العنب في التحريمِ، والحدِّ على مَنْ شرب شيئًا من ذلك كله) (^٢).
- وذهب الحنفية (^٣)، وبعض المالكية (^٤)، وأكثر الشافعية (^٥)، إلى أن الخمر هو: (عصير العنب إذا صار مسكرًا)، ويطلق الخمر على غيره مجازًا لا حقيقة.
- ومحل النزاع: إنما هو في النبيذِ (^٦) ونحوه إذا غلى واشتد، وشُرب منه القدرُ الذي لا يُسكر (^٧)، فهل يحرم ويجري عليه أحكام الخمر؟ وماذهب إليه الجمهور هو الصحيح، ومما يدل على ذلك: ماجاء في الصحيحين عن أنس -﵁- قال: كنت ساقي القوم يوم
_________________
(١) المصباح المنير (١/ ١٨١).
(٢) التمهيد (١/ ٢٤٥).
(٣) انظر: بدائع الصنائع (٥/ ١١٢)، الهداية في شرح البداية (٤/ ٣٩٣). قال ابن عابدين: (الخمر حقيقة تطلق على ما ذكرنا، وغيره كل واحد له اسم مثل المثلث والباذق والمنصف ونحوها وإطلاق الخمر عليها مجازا وعليه يحمل الحديث [حديث: "كل مسكر خمر"ونحوه]). رد المحتار (٦/ ٤٤٨)، وأبوحنيفة قيد عصير العنب الذي يسمى خمرًا بوصف الغليان والشدة وقذف الزبد، وقذفُ الزبد تفرد بذكره أبوحنيفة، وخالفه الصاحبانِ وجمهورُ العلماء؛ فلم يذكروا إلا الغليان والشدة، والتقييد بوصف السكر أقرب.
(٤) انظر: حاشية الدسوقي (٤/ ٣٥٢).
(٥) قال الشافعي في الأم (٦/ ٢٢٣): (والخمر: العنب الذي لا يخالطه ماء ولا يطبخ بنار ويعتق حتى يسكر)، وقال الهيتمي: (وحقيقة الخمر عند أكثر أصحابنا المسكر من عصير العنب) تحفة المحتاج (٩/ ١٦٦)، وفي الإقناع للشربيني (٢/ ٥٣٠): (ونسب الرافعي إلى الأكثر أنه لا يقع عليها [أي: المسكرة من غير العنب] إلا مجازًا، أما في التحريم والحد فكالخمر).
(٦) النبيذ: هو نبيذ التمر والزبيب وغيرهما، سمي بذلك لأنه ينبذ فيه ويترك حتى يشتد. انظر: تحرير ألفاظ التنبيه ص (٤٦)، المصباح المنير (٢/ ٥٩٠).
(٧) انظر: حاشية العدوي على شرح الخرشي (٨/ ١٠٨)، وذكر أن هذا هو محل النزاع بينهم وبين الحنفية، مع أنه وافقهم في تعريف الخمر.
[ ١ / ٩٣ ]
حُرمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر، فإذا منادٍ ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت، فإذا مناد ينادي: (ألا إن الخمر قد حرمت)، قال: فَجَرَتْ في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فهرقتها (^١).
- وفي رواية للبخاري قال أنس -﵁-: إني لأسقي أبا طلحة، وأبا دجانة، وسهيلَ بن البيضاءِ خليط بسرٍ وتمرٍ؛ إذ حرمت الخمر، فقذفتها، وأنا ساقيهم وأصغرهم، وإنا نعدها يومئذ الخمر (^٢).
- قال ابن عبدالبر: (في هذا الحديث دليل واضح على أن نبيد التمر إذا أسكر خمر، وهو نص لا يجوز الاعتراض عليه؛ لأن الصحابة ﵏ هم أهل اللسان وقد عقلوا أن شرابهم ذلك خمر، بل لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره) (^٣).
- قال ابن حجر: ("وإنا نعدها يومئذ الخمر" وهو من أقوى الحجج على أن الخمر اسم جنس لكل ما يسكر، سواء كان من العنب، أو من نقيع الزبيب، أو التمر، أو العسل، أو غيرها) (^٤).
- وماجاء في الصحيحين عن ابن عمر -﵄-، قال: خطب عمر على منبر رسول الله -ﷺ- فقال: (إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل. والخمرُ ما خامر العقل) (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٤٦٤)، ومسلم (١٩٨٠)، وسيأتي الاستدلال بهذا الحديث على طهارة الخمر أيضًا.
(٢) صحيح البخاري (٥٦٠٠).
(٣) التمهيد (١/ ٢٣٤)، وانظر: تفسير القرطبي (٦/ ٢٩٤).
(٤) فتح الباري (١٠/ ٣٩).
(٥) أخرجه البخاري (٥٥٨٨)، ومسلم (٣٠٣٢).
[ ١ / ٩٤ ]