الجُنُب لغة: صفة على وزن (فُعُل)، وأصلها من الجَنابة ضد القرابة، فالجُنب بالضم: البعيد، أما الجَنْب بالفتح فهو: القريب (^١)، كما قال الله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ (^٢)، وقال: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (^٣)، ويطلق الجُنُب على المفرد والمثنى والجمع مذكرًا أو مؤنثًا (^٤)، ومن إطلاقه على الجمع قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (^٥)، ووُصف الجنب قبل الطهارة بذلك؛ لابتعاده عن الصلاة وعن المسجد ونحوهما مما تشترط له الطهارة (^٦)، وقد يقال: جُنُبَان وأجنابٌ وجُنُبُون وجُنُبَاتٌ (^٧)، كما في مسلم عن عائشة -﵂-: «كنت أغتسل أنا ورسول الله -ﷺ- من إناء واحد ونحن جنبان» (^٨).
_________________
(١) انظر: تفسير الرازي (١٠/ ٧٧)، لسان العرب (١/ ٢٧٥ - ٢٧٧).
(٢) من الآية (٣٦) من سورة النساء، فالجار ذي القربى: قريب الرحم، والجار الجُنب: الغريبُ البعيد الذي ليس بينك وبينه قرابة، والصاحب بالجَنْب: الملازم القريب كالرفيق في السفر أو الزوجة أو الجليس في الحضر ونحوهم. انظر: تفسير الطبري (٨/ ٣٣٥ - ٣٤٦)، تفسير ابن كثير (٢/ ٢٩٨ - ٣٠٠)، الكليات ص (٣٥٥).
(٣) الآية (١١) من سورة القصص، أي: أبصرته من مكان بعيد اختلاسًا وهم لا يشعرون أنها أخته وأنها ترقبه. تفسير الطبري (١٩/ ٥٣٢)، تفسير الجلالين ص (٥٠٧).
(٤) انظر: تهذيب اللغة (١١/ ٨١)، لسان العرب (١/ ٢٧٩).
(٥) من الآية (٦) من سورة المائدة.
(٦) انظر: مقاييس اللغة (١/ ٤٨٣)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٠٢)
(٧) انظر: تهذيب اللغة (١١/ ٨١)، المطلع على ألفاظ المقنع ص (٤٧)، لسان العرب (١/ ٢٧٩).
(٨) أخرجه مسلم (٣٢١).
[ ١ / ٢٢٣ ]
أما الجُنُب في الاصطلاح فهو: غير الطاهر؛ من إنزال منيٍّ أو مجاوزة ختان (^١).
وهذا هو قول جمهور الأمة في تعريف الجنب (^٢)، وروي عن بعض الصحابة وغيرهم أنه لا غسل إلا على من أنزل، دون من جاوز الختان بلا إنزال (^٣).
وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة:
١. اتفق العلماء على أن ذكر الله بطهارة تامة أفضل (^٤).
٢. واتفقوا على جواز قراءة المحدث حدثًا أصغر القرآن (^٥).
_________________
(١) انظر: تفسير ابن عطية (٢/ ٥٧)، تفسير القرطبي (٥/ ٢٠٥)، أما إنزال المني فهو موجب للغسل بالإجماع، وتقييد الإنزال بالشهوة هو قول الجمهور خلافًا للشافعية؛ فإنزال المني موجب للغسل عندهم ولو كان بلا شهوة، والمقصود بمجاوزة الختان: الجماع ولو لم يحصل إنزال. انظر: الهداية للمرغيناني (١/ ١٩)، الشرح الكبير للدردير (١/ ١٢٧)، المجموع (٢/ ١٣٩)، المغني (١/ ١٤٦).
(٢) انظر: البحر الرائق (١/ ٥٦)، شرح خليل للخرشي (١/ ١٧٤)، المجموع (٢/ ١٥٥)، المطلع على ألفاظ المقنع ص (٤٧).
(٣) قال ابن رجب في الفتح (١/ ٣٧٥): (وقد كان قوم من الأنصار قديمًا يقولون: إن الماء من الماء، ثم استقرّ الأمر على أنه إذا الْتقى الختانان وجب الغسل، ورجع أكثر من كان يخالف في ذلك عنه)، وحُكي الإجماع بعد الصحابة على وجوب الغسل من الإيلاج وإن لم ينزل، لكن الإمام البخاري أثبت الخلاف بقوله في الصحيح: (الغسل أحوط، وذاك الآخر، وإنما بينّا؛ لاختلافهم)، قال ابن حجر في الفتح (١/ ٣٩٩) بعد أن ذكر الخلاف بعد الصحابة: (عُرف بهذا أن الخلاف كان مشهورًا بين التابعين وَمنْ بعدهم، لكن الجمهور على إيجاب الغسل وهو الصواب).
(٤) انظر: نتاج الفكر في أحكام الذكر ص (١٢٩)، وأصل هذه المسألة ما أخرجه البخاري (٣٣٧) عن أبي الجهيم قال: «أقبل النبي -ﷺ- من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي -ﷺ- حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇»، وأورده مسلم تعليقًا، قال النووي في شرحه على مسلم (٤/ ٦٣): (ذكرنا أنَّ في صحيح مسلم أربعة عشر أو اثني عشر حديثًا منقطعة هكذا).
(٥) انظر: الاستذكار (٢/ ١٠٤)، المجموع (٢/ ١٦٣)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٦١).
[ ١ / ٢٢٤ ]
٣. واتفقوا على جواز ذكر الله سوى قراءةِ القرآنِ من الجُنُب (^١).
٤. ويجوز للجنب عندهم جميعهم تلاوة ما لا يقصد به القرآن كالأدعية والأذكار (^٢).
٥. وذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز قراءة الجنب للقرآن الكريم، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^٣)، وحُكي إجماعًا (^٤)، ونُسب لبعض العلماء القول بجواز قراءة الجنب للقرآن منهم: ابن عباس -﵁- (^٥)، وعكرمة مولى ابن عباس (^٦)،
_________________
(١) انظر: شرح السنة (٢/ ٤٤)، المغني (١/ ١٠٦)، المجموع (٢/ ١٦٤).
(٢) عند الحنفية كما في تحفة الفقهاء (١/ ٣٢): (إذا قرأ القرآن على قصد الدعاء لا على قصد القرآن فلا بأس به)، وعند المالكية؛ كما في الشرح الكبير (١/ ١٣٨) أنه يجوز: (اليسير الذي الشأن أن يتعوذ به فيشمل آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين (ونحوه) أي: نحو التعوذ كرقيا، واستدلال على حكم)، وعند الشافعية والحنابلة يجوز تلاوة مالم يقصد به القرآن. انظر: المجموع (٢/ ١٦٢)، المغني (١/ ١٠٦)، وفي الموسوعة الفقهية الكويتية (١٦/ ٥٤): (ويجوز عند الجميع تلاوة ما لم يقصد به القرآن؛ كالأدعية، والذكر البحت).
(٣) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٧)، التاج والإكليل (١/ ٤٦٢)، المهذب (١/ ٦٣)، الإنصاف (١/ ٢٤٣)، وجاء في التاج والإكليل: (قال مالك: لا يقرأ الجنب القرآن إلا الآية والآيتين عند أخذه مضجعه، أو يتعوذ لارتياع ونحوه لا على جهة التلاوة، فأما الحائض فلها أن تقرأ؛ لأنها لا تملك طهرها)، وفي رواية عن أحمد أنه يجوز للجنب قراءة الآية ونحوها، وفي قول للحنفية، ورواية عن أحمد هي المذهب جواز قراءة بعض الآية. انظر: رد المحتار (١/ ١٧٢)، الإنصاف (١/ ٢٤٣).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٤٨) ففيه حكاية الإجماع، وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٤٧): (هذا مروي عن أكثر الصحابة … وهو قول أكثر التابعين).
(٥) انظر: صحيح البخاري (١/ ٦٨)، الأوسط (٢/ ٩٨)، المجموع (٢/ ١٥٨)، المغني (١/ ١٠٦).
(٦) عكرمة مولى ابن عباس المدني وأصله من البربر، ثقة ثبت عالم بالتفسير، قال الذهبي في الميزان (٣/ ٩٣): (أحد أوعية العلم، تُكلِّم فيه لرأيه لا لحفظه فاتهم برأي الخوارج، وقد وثقه جماعة، واعتمده البخاري، وأما مسلم فتجنّبه، وروى له قليلًا مقرونًا بغيره، وأعرض عنه مالك وتحايده إلا في حديث أو حديثين)، وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ٩): (سئل أبي عن عكرمة وسعيد ابن جبير أيهما أعلم بالتفسير؟ فقال: أصحاب ابن عباس عيال على عكرمة)، توفي سنة (١٠٥) هـ. وانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٤).
[ ١ / ٢٢٥ ]